علي شوقي في ذمة الله.

من يعرف صاحب هذا الاسم في هذه الآونة؟ … يعرفه نخبة من الفضلاء يعلمون أنه أحق بالشهرة الأدبية من كثيرين، وأنه يضارع في حق الشهرة الأدبية أشهر المشهورين.

شريف العصر الحاضر كما كنا نسميه.

لأنه كان نموذجًا صادقًا للشريف الرضي في الجزالة والفصاحة والفقه باللغة مع أصالة المعنى واستقامة الشعور.

كان من ندوة ديوان الأوقاف يوم كان هذا الديوان مجمعًا أدبيًّا يعمل فيه محمد المويلحي، وعبد العزيز البشري، وأحمد الكاشف، وعبد الحليم المصري، وحسين الجمل، ومحمود عماد.

وكنا نلقاه في الديوان صباحًا ونلقاه في المساء على القهوة التي كنا نسميها قهوة جمال الدين بجوار مصلحة البريد.

وقد كانت من قبل ملتقى جمال الدين الأفغاني ومريديه، وكان اختياره لها مصادفةً؛ لأنها كانت تتقن صنع النرجيلة وانتقاء تبغها، وكان هو من مدخنيها المدمنين.

وكذلك كان علي شوقي رحمه الله.

فإذا التقينا في «قهوة جمال الدين» فما شئت من نادرة طريفة أو شاهد بليغ أو مناشدة للشعر الحديث والقديم تملأ الصفحات لو عُنِينا بتدوينها في حينها.

وكان — رحمه الله — من أصحاب المزاج الضاحك ينطوي على الحزن أحيانًا فيخفيه ولا يبديه، فإذا لمحناه على أساريره سألناه سؤال الصديق؛ فأجاب ببيت من شعره جواب الصديق:

لكنها عبرة نهنهتها زمنًا

طمت فقلت لها مستيئسًا بِيني

وشعره كله من هذه الطبقة في الجزالة والأصالة، ينظمه ولا يُعْنَى بنشره في الصحف ولا في الدواوين المجموعة، ولعلَّه قد ترك منه مئات القصائد والمقطوعات لم يحفل بإسماعها لغير الخاصة من الأصدقاء والزملاء.

قرأنا والمازني ديوان ابن الرومي وهو ثالثنا، فعارضنا قصيدته النونية بقصائدنا الثلاث من الوزن والقافية، وألححنا عليه في نشر قصيدته، فمضى الوقت بين الوعد والتسويف ولم يصبر على نسخها لنحفظها.

وهكذا كان — رحمه الله — ينظم ويقرأ ويُراجِع ويُحقِّق لنفسه أو لصحبه، ولا يبالي أن يُسمِع أحدًا أو يسمعه أحد من قراء الشعر المنثور، ولولا قصائد معدودة كنا نقنعه بنشرها في «الجريدة» لما ظهر له بيت واحد في صحيفة مطبوعة.

ونحسب أن الزهد في النشر خليقة موروثة من ذويه، فإننا لم نقرأ نَعْيَه في صحيفة ولم نعلم به إلا من صديقنا وصديقه عماد (هو الشاعر المرحوم محمود عماد).

ألهمهم الله أجمل العزاء في فقيدهم الكريم، ولعلهم يذكرون أن فقيدهم فقيد الأدب العربي كله، فلا يبخلون على قراء العربية بآثاره الحسان؛ فإنها لمن أجدر آثار العصر بالبقاء بين مأثورات لغة الضاد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.