معذرة أيها القارئ الكريم؛ معذرة وعفوًا إذا كتبتُ لك اليوم هذا المقال، وحادثتك فيه عن قوم لا ترى فيهم غير خيالة صورة مشوَّهة من صور الفن الصحيح، لقد كتبتُ لك عن سلامة، وسلامة رجل ألقَتْ به مواهبُه الطبيعية في طريق التمثيل، وعاش في زمن مظلم وافق إدراكه ومواهبه الطبيعية، وكانت له دار أنضرها جمال الملابس والمناظر، فهو ممَّن جاهدوا في سبيل الفن، وهيَّئوا الجمهورَ لاستقبال الفن الصحيح، بل هو أول مَن نقل الفن من حال إلى حال. ثم حادثتك عن أبيض، وأبيض رجل مدَّ لحظه لأسرار الفن الصحيح، ثم شدَّ رحله لبلاد الفن، وعاد منها يحمل لأبناء مصر ثمرة التمثيل، فبه انقشعت تلك السحابة التي كانت تحجب عن عيون المصريين دخائلَ الفن وأسراره، ومن أجله قام المعرِّبون لتعريب نخب روايات الغرب، وأمسك المؤلفون بأقلامهم يجارون كتَّاب الغرب، فأبيض أول مَن ألبس التمثيل في مصر تلك النعمة التي ستبقى على مرِّ الأحقاب، وسيخلد اسمه في تاريخ الفن بمصر. ثم كتبتُ لك عن رشدي، ورشدي ضحَّى في سبيل الفن بحرفته الشريفة، وما زال يخبط في أجواف الظلام المخيم على التمثيل، حاملًا في يده مصباحه اللامع دون أن يطير قلبه جزعًا، أو يتفتت كبده خوفًا، بل هو أول مَن دعت تضحيته الكبرى كلَّ الغواة من الطبقات الراقية للوقوف تحت لواء التمثيل. ثم خاطبتك عن عزيز عيد، وعزيز في نظر الجميع أكفأ الممثلين، فعن قوسه ينزعون، وعن رأيه يصدرون، بل عزيز هو ذلك الرجل الفني صاحب الأمل الكبير الذي يطرح به في مهامه التمثيل، فكلما هرب منه تبعه، وإذا طرحه علقه غير ذامٍّ أمسه، ولا يائس من غده. وحادثتك أيضًا عن منيرة، ومنيرة ربة التمثيل الغنائي في مصر، والموسيقى كما نعلم فن من الفنون يجله الغربيون، بل هو في أعينهم مراح المنى ومهبط اللذة والسرور ومنبع الإحساس والشعور. أجل، كتبت عن هؤلاء الأشخاص، وانتقدتهم جميعًا شديدًا لأهتدي إلى سر حبوطهم، فنعمل معًا على إنقاذ التمثيل، واليوم أكتب عن آل عكاشة متلمسًا السبيل للوقوف على مجهودهم، فيُعيِيني البحث والتنقيب، غير أن الواجب يحتِّم عليَّ الكتابة. والقوم من مديري الأجواق، ولهم جوق يحمل أسماءهم، وشعب يُقبِل عليهم أحيانًا، بل كانت لهم مملكة (دار التمثيل العربي) أعملوا فيها محراثهم، فلم تنبت في سبيل الفن شيئًا، فلم نلبث أن رأينا تلك الحقول كالعصف المأكول، فعذرًا أيها القارئ الكريم إن وجدتَ مقالي خلوًّا مما يهمك، فليس في مقدوري غير إطلاق هذه المقالة التي كانت حبيسة في قلبي، والتي أخرجها منه الواجبُ.

عيوبهم

آل عكاشة ثلاثة من الرجال: عبد الله، وعبد الحميد، وزكي، لم يحترفوا التمثيل في وقت واحد؛ دخله أولهم وهو أكبرهم، وتلاه عبد الحميد، ثم انضمَّ إليهما زكي، وألَّفوا أخيرًا جوقهم الذي تحوَّل إلى شركة.

أول عيوب آل عكاشة: الجهل المطبق بأسرار الفن، فهم بلا نزاع معذورون في الروايات السقيمة التي يخرجونها للجمهور؛ لأنهم لا يعلمون إن كانت هذه الروايات فنية أم غير فنية، بَيْدَ أن الجمهور معذور أيضًا في نفوره وانقباضه عنهم، فكل إنسان يحصد ما زرعه، ويأكل ما حصده، ولعل هذا الجهل المطبق هو الذي حَدَا بهم للتمسك بروايات الشيخ التلحينية التي تكاد تعفو آثارها من عالم التمثيل، ونحن لا نعلم أي نوع من أنواع التمثيل تقوم الجماعة بإحيائه، فتارةً نراهم يُخرِجون الدرام والكوميدي والكوميدي دراماتيك، وطورًا نراهم رجعوا إلى التمثيل الغنائي وأعادوا عظة الملوك وعايدة، وكل هذا ظنًّا منهم أن كلَّ ما ينشده أو يصرخ به الممثِّل على خشبة المسرح يُعَدُّ تمثيلًا يهتز له الجمهور. وثاني عيوبهم: أنهم غير أكفاء للتمثيل، ولا أدري لماذا يقف الثلاثة على المسرح وقد أثبتَتْ لهم الأيام عدم صلاحيتهم لذلك، بل لم نسمع أنَّ أحدهم أتقن دورًا من الأدوار إلا دور الشيخ متلوف ودور الوزير في رواية «القضاء والقدر»، وقد امتاز بهما عبد الله عن بقية أدواره، بَيْدَ أنه لم يفعل فيهما شيئًا غريبًا. وثالث عيوبهم: أصواتهم، وفي ذلك ما يلزمهم بهجر الغناء التمثيلي هجرًا أبديًّا. أنا لا أنكر على عبد الله جمالَ صوته إذا غنَّى من طبقة ضعيفة، على شريطة أن يطرب سامعيه في غرفة صغيرة، ولا أنكر على عبد الحميد رقةَ صوته، وذلك الحنان الذي ينبعث منه، ولكنه يُجهِد نفسه على المسرح، وصوته لا يصلح كصوت أخيه إلا للعزف. أما زكي فنحن لا ننكر عليه صوته السليم من الضعف، بل تلك الرنة التي تصلح كثيرًا للمسرح، ولكنه خالٍ من الرقة والحنان والجمال، وإذا غنَّى خرَجَ عن قاعدة الغناء، فكل غنائه «نشاز»، ونحن ننصح له كثيرًا أن يأخذ قواعد الغناء عن رجلٍ كرحمي؛ حتى يصلح النقص الكبير الذي يؤلم به آذان السامعين. ورابع عيوبهم: ادِّعاؤهم القدرة الفنية، وفي ذلك ما يحدو بهم للتمسُّك بخشبة المسرح، وعدم رضوخهم لنصائح الناصحين، وعدولهم عن تأليف لجنة فنية تهديهم السبيل السوي. فإذا جلست مع عبد الله وحادثْتَه في الفن، مزَجَ لك التراجيدي بالدرام، والدرام بالكوميدي، والكوميدي دراماتيك بالفودفيل، فإذا أردتَ أن تشرح له حقيقةَ هذه الأنواع وافَقَكَ في الحال، واستمرَّ أدراجه في الحديث حتى يعود لحالته الأولى من المزج والخلط، ثم يُحادِثك عن أمانيه في رقي الفن وعن الأدوار التي بزَّ فيها الشيخ، بَيْدَ أنه لا يهتدي في كل حديثه لشيء فني مع اعتقاده أنه أبو الفن وابنه ومن ذوي قرباه. وإذا جلست مع عبد الحميد مشى على آثار أحاديث أخيه، وزاد عليها حديثه عن الممثلين الذين كانوا تحت رئاسته، ثم انفصلوا عنه، وساعَدَهم الحظ فأصبحوا من كبار الممثلين، ثم يتكلم عن المناظر التي اشتراها، والملابس التي صرف من أجلها ما في كيسه. وإذا حادثت زكيًّا رأيتَ في حديثه الدليلَ القاطع على رئاسته الإدارية والفنية، وعلى الأدوار التي مثَّلها والتي سيمثِّلها، وعلى كفاءته التي تعادل كفاءة رشدي، وتخرج من أحاديث الفرسان الثلاثة وأنت لا تعلم ماذا قالوا لك، ولا عن أيِّ شيء كانوا يتحدثون. أما هذه العيوب الأربعة فهي أشد تأثيرًا على الفن من جميع عيوب المديرين الآخرين، ولا نغالي لو قلنا إن جميع عيوب أبيض ورشدي وعيد تصغر وتتضاءل وتتلاشى أيضًا أمام العيب الأول من عيوب آل عكاشة.

مميزاتهم

معذرة إذا قلتُ عن آل عكاشة أن ليس لهم أيُّ ميزة فنية، ولكنهم استعاضوا عنها بميزة السياسة مع الجمهور، فتراهم يتمسَّكون بالظرف واللطف في أحاديثهم بعد أن ينقبوا عن الجمل العذبة اللذيذة التي يشفعونها أمام مَن يحادثهم بالتحيات المختلفة والابتسامات المحبوبة، وكم ودُّوا أن يكون لهم من الكلام ما يمازج الروح لطافةً، ويجري مع النسيم رقةً، ولهم في ذلك من الغرائب والعجائب ما يقصر البنان عن تسطيره، ويكلُّ اللسان عن ذكره، ولولا هذه الأساليب المختلفة والابتسامات المحبوبة التي تنهزم أمامها إرادةُ الناس، لما عاش جوقهم الحي الميت، ولا رأينا إعلاناتهم ملصقة على الجدران تحمل أسماءهم، ولكنا نخشى ألَّا يطول أمدُ هذه الميزة، مع اعترافنا أنها من لوازم مديري الأجواق، غير أن المغالاة في كل شيء كفر، وعلى الأخص إذا لم يكن وراء الأكمة ما تبلج له النفس وتقر العيون.

مجهودهم الفني

ليس في وسعنا أن نقسِّم مجهودَ آل عكاشة الضئيل إلى أقسام عديدة كما فعلنا مع مَن سبقهم من المديرين؛ خشيةَ أن يملَّ القارئ، ويكفينا أن نستخلص من مجهودهم ثلاثةَ أطوار: الأول طور الظلام القاتم، والثاني طور النور الضئيل، والثالث طور الروايات الجديدة.

طور الظلام القاتم

يبتدئ هذا الطور من يوم انفصال الشيخ عن إسكندر فرح وذهابه لدار التمثيل العربي، هناك سمعت باسم عبد الله عكاشة، ولا أدري بالضبط تاريخ احترافه التمثيل، فربما كان من المشتغلين مع فرح قبل انفصال الشيخ، أو ممَّنِ انضموا للشيخ بعد انفصاله عن فرح. مكَثَ عكاشة في جوق الشيخ الجديد، ونحن لا نعرف من أمره غير وقوفه على المسرح مع الشيخ حامد المغربي في جوقة الملحنين، يساعد الشيخ إذا انفرد الشيخ بلحن من الألحان ساعةَ إنشادِهم ما كان يُسمَّى في ذلك العهد بالسلام، وكنا نراه أيضًا ينشد في هذه الجوقة إذا دعتها المواقف التمثيلية لترديد بعض الألحان، ثم رأيناه يمثل بعض الأدوار الصغيرة في «صلاح الدين الأيوبي» و«تسبا» و«اللص الشريف»، ورأيناه أيضًا يمثِّل بجانب محمد ناجي في بعض الفصول المضحكة، وظلَّ عبد الله خاملَ الذكر لا ينتقل من ظلام التمثيل إلى نوره، حتى دعَتْ روايةُ اليتيمتين الشيخَ لأن يبحث بين أفراد جوقه عن شابٍّ جميل الصورة يقوم بتمثيل دور الفارس روجيه، ولقد أعيا البحثُ والتنقيب مجهودَ الشيخ بعد أن فرَّق جميع الأدوار على كبار رجال فرقته، وأخيرًا عثر على عبد الله، وأهداه دور الفارس روجيه، وكأنه كان يقول له إذا قمتَ بتمثيل الدور خير قيام، رفعتُ ناظرك وأعليت كعبك، غير أن عبد الله هوى بالدور إلى قرار الهاوية إلى يوم أن تخلَّى عنه بعدَ مرض الشيخ لأخيه زكي، بَيْدَ أن عبد الله كاد أن يطير فرحًا بالدور في ذلك العهد، حتى إنه كان يقول لكلِّ مَن قابَلَه: «أنا الفارس روجيه نصير الحق والعدل.» هذا هو الطور الأول من أطوار عبد الله عكاشة، ولم يكن لأخويه نصيب فيه؛ لابتعادهما عن المسرح في هذه الأيام. ويحسن بنا أن نذكر أن إسكندر فرح دعا عبد الله عكاشة في تلك المدة للانضمام إلى جوقه، فرفض عبد الله خشيةَ ألَّا ينهض بفن التمثيل، وألَّا يبسط سلطانه إذا هو افترق عن الشيخ، والشيخ في ذلك العهد كان كالسيل الجارف يسوم مناظريه الخسف، ويحصدهم حصاد السنبل، ولعل القارئ الكريم بعد قراءته ما سطَّرْنا في هذا الطور يوافِقنا على تسميته باسم طور الظلام القاتم.

طور النور الضئيل

ثم أصيب الشيخ بالفالج في ربوع الشام، فاضطربت الأمور وازدحمت الخطوب، ومكث بعض أفراد الشيخ بجانبه، وأتى البعض إلى مصر، وكان من بينهم عبد الله، وما لبثوا أن دفعوا به إلى المسرح يمثِّل أدوارَ الشيخ، فصفَّقَ الناس لسماع صوته، وما كان التصفيق إلا صدى تلك الأنَّة التي كانت تتردَّد في قلب الجمهور لغيبة مَن لقَّبوه في ذلك العهد بعمدة التمثيل العربي. وما لبثنا قليلًا أن رأينا عبد الحميد يقف على المسرح في جوقة الألحان خالعًا جبته وقفطانه وعمامته، ليلبس الدرع والخوذة أو الردنجوت وما تتطلبه من رباط رقبة وياقة وحذاء أسود لامع، ومكث الجوق يمثِّل في دار التمثيل والوحشة تقتدح في صدر الجمهور اقتداح النار في الزند، وود الجوق أن يغسل فؤاد الجمهور مما علق به من الوساوس، فانتقل إلى تياترو عبد العزيز، وأصدر نشرة له ذكر فيها تحوُّلَه من جوق إلى شركة، وانفصاله عن الشيخ مُرغَمًا لا اختيارًا، وابتدأ التمثيل في تياترو عبد العزيز، وظلَّ يمثِّل زهاء عام، وبلغ عبد الله عكاشة المرتبة التي يحسده عليها القاصي عنها، ويمقته من أجلها الطامع فيها، ولم يظهر الجوق على المسرح غير رواية واحدة جديدة «شهداء الوطنية»، وهي من نوع «العواطف الشريفة»؛ أيْ من نوع الروايات التي تداس فيها التحاليل النفسية من أجل تلك الكلمات الرنانة التي تطن في آذان الجمهور فيصفِّق لها. ثم انتقل الجوق من شارع عبد العزيز إلى مهبطه القديم «دار التمثيل العربي»، وما لبث أن تحوَّلَ إلى جوق يحمل اسم الشيخ، وأخرج للناس رواية واحدة جديدة «القضية المشهورة»، وهي من نوع «شهداء الوطنية»، وأعاد روايات إسكندر فرح التي كان يناضِل بها الشيخ، وما أعادها إلا من أجل انضمام عزيز عيد إليه، فرأينا على مسرح دار التمثيل «ماري تيودور، وابنة حارس الصيد، ونتيجة الرسائل، والكابورال سيمون». ومثَّلَ عبد الله دور الفتى الضابط في «القضية المشهورة»، والعاشق في «ماري تيودور»، ودور الفتى الأول في «الكابورال سيمون» ولم يفعل فيها شيئًا، وتخلَّى عن رواية «ابنة حارس الصيد» و«نتيجة الرسائل»، كما تخلَّى عن دور هملت ودور البطل في «عواطف البنين»، بل عن كل دور تمثيلي كان يمثِّله الشيخ، واكتفى بالأدوار التلحينية، وكيف لا يكتفي بهذه الأدوار وهي سفينة نجاته. أما عبد الحميد فلم يخرج عن جوقة الألحان قيد شبر، اللهم إلا تمثيله أدوار «الكمبارس»، بَيْدَ أنهم دفعوه لتمثيل دور وليم في صلاح الدين الأيوبي، فلم يُحسِن تمثيلَه ولا إنشاد قصائده. ثم ظهر على المسرح زكي عكاشة، وكان هذا أول عهده بالتمثيل، وقام بدور رودريك في السيد، وظنَّ أفراد الجوق أنهم وجدوا في صوته الرنَّان بردَ فؤادهم وضالة أملهم، ولكنهم أبعدوه عن دارهم بعد تمثيله الدور، فخرج منها وهو لا يعرف السبب الذي اقتضى بَيْعه بعد ابتياعه، وكيف يعرف زكي السبب وهو كثير الغرور يعتقد في نفسه الكفاءة، ويثق بها ثقةً عمياء، ويأبى الاقتداء بأخيه عبد الحميد في تمثيل أدوار «الكمبارس»، ثم عاد الشيخ للوقوف على المسرح لإنشاد بعض القصائد بين الفصول، وكانت هذه العودة سببًا في انفصال عبد الحميد وعبد الله وتأليفهما جوقًا يضم تحت لوائه أخاهم زكيًّا وعزيز عيد وعلي يوسف ورضا وحسن ثابت، ولبث جوقهم يمثِّل في القاهرة، ثم انتقل منها إلى الشام، ثم عاد إلى القاهرة، ومثَّل في تياترو عبد العزيز، ولم يُخرِج للناس رواية واحدة جديدة، بل لم يجد في الجمهور وجهًا خصيبًا، ولا على المسرح مرعًى رطيبًا، فإذا نظر يمنةً وجد المِحَن، وإذا عطف يسرةً رأى الحسرات، وظلَّ يناضل وهو مخذول الأمل غير عالم أن الداء لا يحسمه غير الدواء. وفي نهاية العام ألَّف جورج أفندي أبيض جوقة من خيرة أفراد جوق سلامة وجوق عكاشة، فانضمَّ آل عكاشة إلى الشيخ سلامة، ومثَّلوا في دار التمثيل العربي معًا، ثم افترق الفرسان الثلاثة عن الشيخ، ثم انضموا لأبيض، وأعادوا معه في دار الأوبرا روايتَيْ عائدة والأفريقية، والأخيرة كما نعلم من مجهود جوق إسكندر فرح، ثم انضموا جميعًا وأبيض معهم للشيخ، وسافروا إلى الشام، ثم عاودوا منها متفرِّقين، ومثَّل الشيخ في كازينو دي باريز وعكاشة في دار التمثيل العربي، وأبيض لجَأ إلى منزله ثم عاد وألَّفَ جوقة. ولم يفعل آل عكاشة في هاتين السنتين شيئًا يُذكَر، بل لم يُخرِجوا رواية واحدة جديدة، وانحصر مجهودهم في إعادة الروايات القديمة، وتمثيل تلك الأدوار العتيقة التي رثت حبالها وتقطعت أوصالها.

إلى هنا ينتهي شطر النور الضئيل، ولقد سمَّيناه بشطر النور لظهور آل عكاشة كممثِّلين ومنشدين وكأصحاب أجواق، وسمَّيناه بالضئيل من أجل مجهودهم الفني.

شطر الروايات الجديدة

أعاد آل عكاشة تأليفَ جوقهم، وكان من بين أفراده: عزيز عيد، وبهجت، وفهيم، ومحمود حبيب، ومريم سماط، وفكتوريا موسى، ومثَّلوا في دار الأوبرا ثلاثَ روايات جدد: «طارق بن زياد»، وكتبوا عليها أنها لأمير من أمراء البيان، وأخفوا اسم المؤلِّف وهو صديقنا الكاتب الفاضل حنا أفندي أندراوس، و«القضاء والقدر» لإدوار دكنوبلتز، ترجمها للإفرنسية جول لوميتر، وترجمها للعربية عن الفرنسية الشاعر الكبير خليل مطران، وراوية «نعيم بن حازم» للكاتب الفاضل عبد الحليم دلاور، والروايات الثلاث عربية، والأولى من نوع الدرام الرومانتيك، أجاد المؤلِّف إحكام بنائها، ولكنه لم ينجح النجاحَ المطلوب في تحليل أنفس أشخاصها، والثانية من قصص ألف ليلة وليلة؛ محكمة الوضع ولكنها تافهة الموضوع، ولم تنجح في إنكلترا إلا لغرابة موضوعها وجمال مناظرها العربية، أما في فرنسا فكانت أقرب للسقوط منها إلى النجاح، بَيْدَ أنها نجحت في مصر، والفضل في ذلك راجع لذلك القلم الفيَّاض، وتلك البلاغة التي امتاز بها صديقنا الفاضل شاعر القطرين.

أما الرواية الثالثة فلا أعرف عنها شيئًا، ولقد كانت هذه الروايات الثلاث فألًا حسنًا لآل عكاشة، واستبشر الجمهور من ورائها خيرًا كبيرًا ووثق بالفرسان الثلاثة، وانتظر منهم روايات أخرى جديدة؛ أما عبد الله فلم ينجح إلا في دور الوزير في «القضاء والقدر»، وسقط هو وأخواه في الروايتين «نعيم بن حازم وطارق بن زياد». ثم سافَرَ آل عكاشة إلى الشام وعادوا منها، وقد كانت الحرب قد أُعلِنت وشبَّ لظاها في بلاد أوروبا، وكان صاحب دار التمثيل العربي قد هدمه عن آخِره، ثم أعاد بناءه من جديد على طراز حديث، فاستأجره آل عكاشة بعد أن افترق عنهم عزيز عيد، ولكنهم استعاضوا عنه ببعض أفراد جوق أبيض كحسن ثابت وعبد المجيد شكري وأخيه أحمد حافظ، وانضمَّ إليهم من بين أفراد جوق الشيخِ حسينُ حسني وماري إبراهيم، ووثبوا للتمثيل في دار التمثيل العربي، وأخرجوا للناس روايات جديدة لا تستحق الذكر؛ لخروجها عن دائرة الفن الصحيح، فمن «بريد ليون» لـ «ذات نجلاء العين»، ومن «ذات نجلاء العين» إلى «لأجل الشرف»، ومن «لأجل الشرف» لـ «اليد السوداء»، وكل هذه الروايات من نوع «اليتيمتين»، ولكنها أقل منها شهرةً وتأثيرًا، فلم ينجح الجوق في إخراجها، والسبب في ذلك الجهلُ بأسرار الفن، وعدمُ تأليف لجنة فنية تفرِّق بين الغثِّ والثمين من الروايات. أما عبد الله فقد تخلَّى عن جميع هذه الروايات، ولكنه عاد ومثَّل دور البطل في «ذات نجلاء العين»، وفي «لأجل الشرف»، ولكنه أضحك الناس بدل أن يبكيهم. أما زكي فمثَّل في كل هذه الروايات دورَ الفتى الأول، ولكنه هوى به إلى قرار الهاوية؛ وذلك لكثرة إشاراته وحركاته، بل لصراخه الذي يضعه في غير موضعه، ولو تخلَّى زكي عن هذه العيوب متبعًا نصيحة الناصحين — وهذا من أصعب الأمور — لَكان له في عالم التمثيل شأنٌ آخَر؛ وذلك لصلاحية جسمه وصوته للمسرح. أما عبد الحميد فلم يخرج فيها عن دائرة «الكمبارس»، ثم عاد الجوق يمثِّل رواية «أبي الحسن المغفَّل»، وهي فودفيل قديمة العهد جميلة الموضوع أضحكَتِ الناسَ، ونجحت نجاحًا كبيرًا كان الفضل فيه للمرحوم محمود حبيب. ومثَّلَ عبد الله دور الفتى الأول، ومرَّ فيه دون أن يلتفت إليه إنسان، ثم أعاد الجوق تمثيل رواية «اليتيمتين»، وقام عبد الحميد بدور الشيخ، فلم يُحسِن الغناء ولا التمثيل، وكانت هذه أول وآخِر مرة مثَّلَ فيها عبد الحميد دورًا مهمًّا، اللهم إلا دور المزاحم في رواية «شهداء الغرام»، والدور لا يحتاج للبراعة ولا للرشاقة. ومثَّلَ زكي دورَ الفارس روجيه، فكان فيه خيرًا من عبد الله، ولكنه اتبع فيه تلك الخطة التي تقف في سبيله كلما أرادَ الصعود. ثم أعاد الجوق روايةَ «الشيخ متلوف»، وأتقن فيها عبد الله دورَه، ثم مثَّلوا «صلاح الدين ومملكة أورشليم»، وكان الفضل في إخراجهم هذه الرواية الفنية عائدًا للخلاف الذي وقع بين فرح أنطون وأبيض، ثم فارقهم فهيم، وحاربت الأيام جوق عكاشة وكادت أن تقهره وتمحو أثره، إلى أن انضمَّ إليه عزيز عزيز، وشرعوا في تمثيل الفودفيل، وأخرجوا «القرية الحمراء»، تلك الرواية الفنية، والفضل في إخراجها لعزيز، ثم انفصل عنهم عزيز، وبانفصاله انتقلت روايات الفودفيل من مسرحهم إلى المسارح الأخرى. ويحسن بنا أن نقول إن زكيًّا مثَّلَ بعض الأدوار في روايات الفودفيل، وكان خيرًا له أن يتنحَّى عنها، ثم مثَّلَ الجوق في الأوبرا «مصرع الزباء» و«اليد السوداء»، وليس لهما أية قيمة فنية، ثم تحوَّلَ جوق آل عكاشة إلى شركة كبيرة، وانتظرنا أن يطلع الفن من ستره، ويبرز من خدره على أيدي هذه الشركة الجديدة، وانضمَّ إليهم محمد عبد القدوس، ثم تركوا دار التمثيل العربي بعد أن اختلفت فيها أضلاعهم وفتت سواعدهم، وسافروا إلى رأس البر، ثم عادوا منها وانفصل عنهم على إثر عودتهم عبد القدوس، وهاموا بعدها في أرض الله يتنقلون من بلدة إلى بلدة، فمن الإسكندرية إلى القاهرة للمنصورة، ومن المنصورة للفيوم. ثم سمعنا باستئجارهم تياترو حديقة الأزبكية، وبعزمهم الأكيد لإصلاحه، وإلى الآن نحن في انتظار هذا الإصلاح ونتائجه، ثم مثَّلوا في الأوبرا، وأخرجوا على مسرحها «أنجومار المتوحش» ورواية لمرشان والمطران و«المرأة الفاتنة»، وكلها روايات لا أهمية لها، اللهم إلا رواية «المرأة الفاتنة» فهي من خيرة ما عُرِّب للناس في ذلك العصر، ومثَّلَ فيها زكي دورَ الفتى الأول، وفعل به ما فعله بغيره من الأدوار.

وَلْيعذرنا القراء إذا سمَّينا هذا الطور باسم طور الروايات الجديدة وليس فيه رواية فنية، اللهم إلا رواية «طارق بن زياد» مع ما يعتورها من النقص من وجهة التحليل النفساني، و«رواية صلاح الدين ومملكة أورشليم» والفضل في إخراجها لفرح أنطون، ورواية «القرية الحمراء» والفضل في إخراجها لعزيز عيد، ورواية «المرأة الفاتنة» والفضل في إخراجها للصدفة.

آل عكاشة كمنشدين وممثِّلين، نصيحتنا لهم

لقد كتبنا عن الفرسان الثلاثة كممثلين ومنشدين في باب عيوبهم، ولا نرى داعيًا للتكرار، بَيْدَ أننا لم نقل إن أقلَّهم ظهورًا على المسرح وأكثرهم تأثيرًا في النفس إذا أنشد هو عبد الحميد؛ وذلك لرقة صوته، وإنَّ أكثرهم صلاحية للتعليم هو زكي، والآن وقد آنَ لنا أن نختم مقالنا، نرى من المحتم علينا أن ننصحهم نصيحةَ أخ يحب نفعهم وفائدتهم. إذا أراد آل عكاشة النجاح، فعليهم بالتخلِّي عن الرئاسة الفنية، وعليهم بتكوين لجنة فنية يأتمرون بأمرها ويعملون بإرشاداتها، وألَّا يظهروا كثيرًا على المسرح حتى تُصلِح اللجنةُ المعوجَّ من طبيعتهم من الوجهة التمثيلية، وَلْيعلموا أن مَن ابتدأ صغيرًا نجح، وعليهم بالرئاسة الإدارية، وأمامهم باب الإدارة واسع الأرجاء، وَلْيعلموا أنهم ما زالوا ولن يزالوا أصحابَ تلك المناظر الجميلة والملابس الكثيرة، والسلام على مَن اتَّبَعَ الهدى.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.