لمناسبة قد أذكرها في بعض المقالات، راجعت في هذين اليومين ما عندي من كتب أحاديث المائدة Table talk، وكتب اليوميات Diaries. وبرزت أمامي في مجلدات صمويل بيبي التي جاوزت صفحاتها ألفًا وخمسمائة، ولم تشمل مع ذلك مئات الصفحات التي حذفها الناشرون؛ لأنها أسرار تتسع لها الأوراق في الأدراج، ولا تتسع لها على رفوف المكتبات.

منذ كتب هذا المؤرخ «الخصوصي» يومياته، خلال القرن السابع عشر لم يظهر في الآداب الأوروبية من ينازعه لقب ملك اليوميين King of Diarists، ولكنه فتح الباب لأساليب من اليوميات لم يحط بها هو في زمانه، [ولم يحط] بها كاتب واحد في الأزمنة التالية.

منها: يوميات الاعتراف، وفيها يجلس الكاتب إلى دفتره الخاص كأنه جالس أمام كرسي الاعتراف يريح ضميره عن عبء يثقل عليه.

ومنها: يوميات التذكير، وفيها يدون الكاتب أخباره التي يريد أن يحفظها ويخشى أن ينساها. ومنها: يوميات النيابة عن التاريخ، يكتبها صاحبها كأنه مسئول عن ذمته التاريخية أمام الأعقاب.

ومنها: يوميات المناجاة، وفيها يفضي الكاتب بأحاديثه كأنه يرسلها من وراء الأوراق إلى نفس مجهولة يبوح لها بذات سره ويثوب إليها كما يثوب إلى الصديق الأمين.

ومنها: يوميات الانتقام، وفيها يقول الكاتب ما فاته أن يقوله للناس، إما حصرًا عن الجواب السريع في حينه أو خوفًا من مغبة هذا الجواب.

وإذا سئلتُ: أي هذه الأساليب أحب إليك؟ فالذي أشعر به أنني إذا طلبتها قارئًا أحببت أن أطلع عليها جميعًا على السواء، وأنني إذا طلبتها كاتبًا فأقلها موافقة لطبيعتي أسلوب الاعتراف؛ لأنني لا أرى لأحد حقًّا في أن أجلس بين يديه جلسة المعترف غير علام الغيوب.

وإنه لغني عن الاعتراف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.