منذ صيف ١٩٢١، وأثناء مقامه بلندرة نائبًا لرئيس الوزارة المصرية إذ ذاك عدلي يكن باشا الذي كان يفاوض لورد كرزن وزير الخارجية البريطانية، من ذلك التاريخ الذي مضى عليه إلى اليوم أكثر من ست سنوات، سقط المغفور له رشدي باشا مريضًا مرضًا يئس أحباؤه معه من حياته، ومن ذلك التاريخ إلى أشهر قبل وفاته في الساعة الحادية عشرة والربع من مساء الثلاثاء الماضي وهو يجالد الحياة ويجالد المرض ويجالد الموت. وهو في جلاده هذا حتى في المرض الأخير الذي قضى عليه لم يُر يومًا عابسًا للحياة ولا لشيء مما فيها، ولم ير يومًا مكتئبًا مهمومًا، بل كان دائمًا كما كان في ريعان قوته وإبان شبابه باسمًا ضحوكًا قويًّا على الحياة قوي الإيمان بنفسه. فكأنما احتوى هذا الجسم الصغير من الحيوية أضعاف ما تحتويه أجسام أخرى ضخمة تظهر فياضة بالعنفوان والقوة، فإذا هي اصطدمت بهجمات الحياة رأيتها تحطمت وتفككت فأتى عليها اليأس وأتى عليها الموت.

وما أحسب أحدًا من الذين عرفوا رشدي باشا يستطيع أن يتخلص من ذكرى شخصه، فضلًا عن ذكرى أعماله الكبار وآثاره الباقية، عرفته لأول مرة عن قرب حين رياسته لجنة الدستور في سنة ١٩٢٢، ففي أوائل أبريل من تلك السنة قصدت إلى قاعة الجمعية التشريعية التي أصبحت اليوم قاعة مجلس الشيوخ، وجلست إلى جانب الأستاذ أحمد بك أمين بعدما حييت من أعرف من أعضاء لجنة الدستور. وجاء رشدي باشا فحيَّا هو الآخر أعضاء اللجنة، ومر بنا عدة مرات وهو في كل مرة يتفرس في وجهي؛ لأنه لم يكن يعرفني، ويذهب ويجيء ويدور بين الأعضاء في حركة سريعة ولا يكاد رأسه وهو واقف يزيد على محاذاة رءوس الجالسين. ولعله سأل عن هذا الغريب الذي لا يعرفه، ثم إذا به جاء إليَّ وقال مبتسمًا: هو انت اللي بيقولوا عليك الدكتور هيكل؟

ولعله كان يتصور هذا الدكتور هيكل على غير الصورة التي رأى صاحبها أمامه.

ومن ذلك التاريخ اتصلت بيني وبينه معرفة، لم تلبث في أيام أن انقلبت في نفسي محبة له وتقديرًا أجمل تقدير؛ لسرعة خاطره ودقة بحثه ورِقَّة روحه وجمال نفسه. فلما كان في ١٨ مايو من تلك السنة، وكانت لجنة الدستور الفرعية قد أتمت وضع مبادئ الدستور العامة، شعر بنفسه مضنى من التعب، أليس أطباؤه كانوا قد ألزموه أن لا يزاول عملًا منذ إصابته في لندرة في الصيف الذي سبق تلك السنة وتهدده بالخطر على حياته إذا هو خالف رأيهم، لكنه لم يَر بدًّا من قبول رياسة لجنة الدستور التي تضع نظام البلاد الأساسي، ولو ترتب على ذلك ما يمكن أن يترتب عليه. فلما لم يكن بد من مغادرته مصر إلى أوربا للاستشفاء صحبته لجنة الدستور جميعًا لتودعه على محطة القاهرة في ١٨ مايو من تلك السنة، وفي ذلك الوداع شعرت وشعر غيري بمحبة وعطف نحو هذا الذي يغادرنا أثناء العمل العظيم الذي تقوم به اللجنة، والذي كان له في الوصول إليه نصيب من المجد الكبير، والذي كان له مما تم منه حظ عظيم.

هذا الشعور الذي شعرت أنا به بعد شهر واحد من معرفة رشدي باشا هو الذي شعر به كل من عرف هذا الرجل خلال حياته، فلقد كان رجلًا جميل النفس حقًّا، والنفوس الجميلة يفيض عنها ضياؤها فيجمع الناس حوله مغتبطين به محبين إياه مستمتعين خير استمتاع بإدامة تأمله. ولقد يكون هذا الجانب من جوانب حياة الرجل مقضيًّا عليه بأن يغمره التاريخ ويطويه تحت ما يخلد لرشدي باشا من أعمال مجيدة باقية، قام بها لمصر، ودعي من أجلها حقًّا «بأبي الثورة». وذلك مما يؤسف عليه. فلقد كان هذا الجمال النفسي لرشدي باشا مصدر خير ومهبط وحي إنساني سامٍ، فكانت نفس هذه الرجل المضيئة لا تعرف الحقد المظلم، ولا تفهم الانتقام المرير، ولئن كانت قد مرت في حياته السياسية أثناء الحرب ظروف اضطرته إلى أن يظهر أمام الناس بمظهر الكنود القاسي فلأنه كان بين أمرين أحلاهما مر، وكان لا بد له من أن يختار أهون الشرين. أما حيث كانت نفسه تنطلق على سجيتها فكان البر والإحسان والعفو والكرامة جميعًا. ولعل كثيرين رأوه في حفلات خيرية أسرع الناس إلى الخير، وأكثرهم تلبية لداعيه، وذلك في رقة وظرف لا يشعر إنسان معهما بأنه يريد أن يظهر بره، أو أنه يتكلف مظهر المحسنين، وفيما سوى الحفلات الخيرية كان الرجل متصل البر بكثيرين. وكان لا يضن في هذا السبيل ولو اقتضاه أن يقترض المال. روى أحد المتصلين به اتصالًا خاصًا أنه اقترض مرة في شهر واحد خمسمائة جنيه أنفقها كلها إحسانًا في أوجه الخير من غير أن يكتب إنسان يومًا اسمه في سجل من السجلات التي يفرح الناس بأن تذكر أسماؤهم فيها.

ولم يكن في سبيل البر بالناس يعرف ما يسميه بعضهم الترفع، فرشدي باشا الذي رأس مجلس الوزراء غير مرة، والذي كان يعتبره الوزراء جميعًا أبًا لهم، لم يكن يأبى على كاتب صغير بل على فراش كل معونة جاهه، فكان يأخذ اللاجئ إليه في أوتموبيله ويمر به على الوزارات يرجو أن يصل رزقه أو يوسع فيه. ولقد بلغ من ذلك أن اعتقد كثيرون أنه مبالغ فيه، لكنه كان لا يرى في رفض وزير أو موظف كبير رجاءه غضاضة عليه؛ لأنه كان وزيرًا وكان قبل ذلك موظفًا كبيرًا، وكان يعلم لذلك أن الرفض ناشئ عن ضرورات العمل، وأن الوزير والموظف لا يملكان أمام ضميرهما إفساد ضرورات العمل إذعانًا لرجاء، وإذا أقفلت ضرورات العمل باب رجاء لهذا اللاجئ إليه فقد لا تقفل باب رجاء آخر يستطيع رشدي باشا أن يفتحه له.

ولم يكن الحقد يعرف إلى نفس رشدي باشا سبيلًا. والناس جميعًا يذكرون قصة ذلك الذي طعن عليه مر الطعن بمقالات جارحة وذهب في ذلك إلى اتهامه بالارتشاء من الإنكليز ضد مصلحة بلاده، وبلغ من تهجمه عليه أن حدد هذه الرشوة بثلاثة ملايين من الجنيهات، ثم بعث إلى رشدي باشا بخطاب يستغفره ويقر فيه بخطئه ويرجوه في أمره، فإذا رشدي باشا سريع إلى المغفرة، وإذا به يقضي لذلك الطاعن طلبته مكتفيًا بقوله له متهكمًا مبتسمًا ابتسامته الساخرة: أرجو أن تذهب إلى البنك الذي به ثلاثة الملايين فتأخذ لنفسك منها مليونين وتسعمائة ألف وتدع لي مائة ألف فقط.

وهذه الابتسامة الساخرة وما تتنفس عنه من مثل تلك النكات لم تكن تفارق رشدي باشا قط، على أنها وما يتبعها من نكات كانت غريبة الروح أكثر مما كانت شرقية أو مصرية. ولعل حياته الأولى حين كان يطلب العلم في أوربا وحياته بعد ذلك السنوات الطوال مع زوجته الفرنسية، وصلاته الكثيرة بالغربيين المقيمين في مصر، وهذه النفس الثائرة التي كانت تجعل جسمه الصغير دائم الحركة، وتجعله بالغريزة أقرب للروح الغربية — لعل ذلك كله كان ذا أثر كبير في حياته، بل لعله كان صاحب الأثر كله في هذه الحياة، بل لعلي لا أغلو إذا انتقلت من التعميم إلى التخصيص واستبدلت أن رشدي باشا كان غربي الروح، بأنه كان فرنسي الروح، بل بأنه كان باريسي الروح. وذلك هو الذي جعل لحياته طابعًا خاصًا في نظر كثيرين، طابعًا لا يحتمل غيره أن يطبع به حياته؛ لأن أكثر الناس لا يطيقون أن ينفردوا في عيشهم بنوعٍ خاص غير نوع جمهور بني طائفتهم؛ لكيلا يفسد ذلك عليهم شيئًا من شئون الحياة، لكن رشدي احتمل هذا الطابع في كل أدوار عيشه؛ لأن نفسه القوية تحتمل العزلة كما تحتملها كل نفس قوية؛ ولأن نفسه الجميلة كانت تجذب حب الناس له، فيخفف ذلك من عزلته من غير أن يضيع عليه شيئًا من حريته. كان رشدي باشا باريسي الروح بكل ما في الروح الباريسية من خفة ورقة وتوثب، ومن حب الجمال في مختلف صوره ومن تقدير عطوف على مظهر الجمال الأسمى ممثلًا في المرأة، ولقد ذهب كثيرون إلى أنه كان يسرف في هذا التقدير ويتجاوز فيه كل باريسي. وقد يكون ذلك حقًّا بإضافته إلى الأشخاص العاديين، وهو يذكرني على كل حال بأحاديث لأناتول فرانس حين طلب إليه أن يرشح لعضوية الأكاديمية الفرنساوية فيكون في زمرة من يسمونهم «الخالدين». وبعد تردد قبل قائلًا: ولم لا، ما دام الناس يعجبون بكل غريب في هؤلاء الخالدين ولا يرون عيبًا أن يدخل أحدهم إلى دار الأوبرا لابسًا معطف غرفته وشبشبًا — En pantouffle et robe de chambre.

ولرشدي — لا ريب — حق الخلود، ذلك بأنه كان رجلًا ممتازًا في كل أدوار حياته، وكان رجلًا ممتازًا في مصر، وكان يمكن أن يكون رجلًا ممتازًا في أي بلد غير مصر. فقد كان إلى جانب صفاته النفسية الخاصة فقيهًا مشهودًا له بالتفوق في فروع القانون جميعًا. وكان في أدق الظروف السياسية التي اجتازتها هذه البلاد منذ بداية الحرب رجلًا مقدامًا يعرف كيف يحتمل المسئولية. ومهما يكن الحكم على تصرفاته فإن الأمر الذي لا ريب فيه أنه عمل بمشورة أصدقائه ما اعتقد أنه لمصلحة بلاده ولخيرها. وهو قد عمل ذلك برغم كل ما كان ممكنًا أن يترتب عليه من تبعات وآثار فيما إذا تغير ميزان القدر ولم يكن النصر للحلفاء، أو كانت الحملة التركية على مصر في أوائل سنة ١٩١٥ قد نجحت. وظل رئيسًا للوزارة إلى أن وضعت الحرب أوزارها وتم للحلفاء النصر، يومئذ كان رشدي في مقدمة العاملين لخدمة قضية بلاده. بل إن الكثيرين ليشكون فيما كان يقدر للحركة الوطنية من نجاح لو أن حكومة رشدي باشا وقفت منها في أول نشأتها غير موقف المؤيد بكل ما لديه من قوة. فلقد كان تأليف الوفد المصري باتفاقٍ تام بين وزارة رشدي باشا والأعضاء الذين شكلوا الوفد، كما أن التوكيلات التي بعث بها الوفد في أنحاء البلاد وبث بها أول فكرة في الاستقلال التام، إنما بعثت بعلم الحكومة وتأييدها. ولما طلب الوفد السفر إلى أوربا لعرض قضية البلاد على مؤتمر السلام فرفضت إنكلترا طلبه، وحبست المصريين داخل حدود بلادهم، قدَّم رشدي باشا في ٦ فبراير سنة ١٩١٩ استقالته من الوزارة مؤيدًا الوفد ومطالبه. ولما اعتقل الباشاوات الأربعة في مالطة، فثارت الأمة من أجلهم ثورة انتهت بالإفراج عنهم والسماح للوفد بالسفر، كان رشدي باشا من وراء الوفد يعززه ويؤيده. ولقد ظلت خطته وخطة أصدقائه السياسيين، وفي مقدمتهم صاحب الدولة عدلي يكن باشا وعبد الخالق ثروت باشا وحضرة صاحب المعالي إسماعيل صدقي باشا خطة تعزيز وتأييد للفكرة التي دعا إليها الوفد بالاتفاق معهم منذ أول تأليفه، خطة الاتفاق بين إنكلترا ومصر اتفاقًا لا يمس استقلال مصر ويكفل مصالح إنكلترا. فلما بلَّغت إنكلترا عظمة سلطان مصر في فبراير سنة ١٩٢١، وبعد أن قدمت لجنة ملنر تقريرها، أن الحماية أصبحت علاقة غير مرضية بين مصر وإنكلترا، وطلبت إيفاد وفد إلى لندرة للمفاوضة في استبدال هذه العلاقة بأخرى أوجب للرضى؛ كان رشدي باشا نائبًا لرئيس الوزراء عدلي باشا في مفاوضته وكان هو ذراعه الأيمن في كل المباحث وفي التشريعي منها بنوعٍ خاص. وفي هذا الميدان الذي أجهد نفسه فيه غاية الإجهاد سقط مريضًا كما ذكرنا أول هذا المقال. وعاد بعد إبلاله إلى رياسة لجنة الدستور، ثم إلى رئاسة مجلس الشيوخ. وفي أخريات الصيف الماضي مرض وظل في مرضه حتى قضى إلى رحمة الله.

في كل موقف من هذه المواقف التي قدمنا كان رشدي باشا رجلًا ممتازًا. وفيها جميعًا خدم مصر خدمة صادقة كتبت له في صحف التاريخ السياسي صفحة مجيدة.

على أن رشدي قد ترك في مصر غير هذا الأثر السياسي أثرًا عقليًّا طبع بطابعه جيلًا كاملًا. فكثيرًا من رجال اليوم المعدودين وممن يتولون كبار مناصب الدولة قد تأثروا باتصالهم به اتصالًا مستمرًّا تأثرًا كبيرًا. وإذا كان الميدان الفكري الذي امتاز فيه رشدي امتيازًا خاصًّا هو الميدان التشريعي، فقد كان الطباع الذي تركه في هؤلاء الأشخاص طابعًا فقهيًّا أولى صفاته الدقة في البحث وحسن الطريقة في منهاجه.

ولهذه الآثار الذي خلفها رشدي باشا شعرت الأمة كلها بألم أي ألم لفقده. ولم يخفف من هذا الألم توقع الناس وفاته، فالروح العظيمة تظل حتى في إبان غروبها وأفولها تبعث حولها مثل جمال الأفق تورد بأشعة الشمس ساعة المغيب. وهذه الأخبار الطريفة التي كان يتناقلها الناس عن رشدي باشا حتى في شدة مرضه، وهذه الخيوط الضئيلة من الأمل في إمكان شفائه، كانت تكفي الناس ليحسوا بضياء هذه الروح باقيًا ما يزال، فلما انطفأت الروح وخبا الضياء وأظلم مكان رشدي، كان الجزع والألم وكانت الحسرة على هذه الحياة المليئة تنطوي في صحف التاريخ بعد أن كانت منتشرة في العالم تملؤها ضياء ورحمة.

فليرقد الآن في جدثه مطمئنًا، وليزدد طمأنينة لما ينزع الموت من نفوس الأحياء شهواتهم ويرد إليهم سلامة الحكم ويجعلهم يقولون على ملأ من الناس جميعًا: لقد فقدنا مجاهدًا قَل مثله في المجاهدين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Gold Goldgold ·٩ نوفمبر ٢٠١٤، ١٠:٤٢ ص

    التاريخ ليس دائما منصفا لمن يستحقون