كففت سنوات عن النقد الأدبي لأني أردت أن أريح نفسي من عناء باطل، وكان الكُتاب والشعراء يهدون إليَّ كتبهم فأعنى بها وأتناولها بما يعن لي من الرأي وأضيع في ذلك وقتًا وأنفق جهدًا ولعل غير هذا أشهى إلي وأحب، وعسى أن أكون مفتقرًا إلى الوقت والجهد فيما هو أرد عليَّ، وكان أصحاب الكتب يلحون عليَّ أن أبدي لهم رأيي فيها، وكنت أحرص على مرضاتهم على قدر ما يسعني أن أفعل، فأتلطف معهم وأكبح نفسي عما أعرف أنه يسوءهم وأزجرها عن الأغلاط والشدة والعنف، وأدور أبحث عما يستحق العناء لأقول خيرًا، ومع ذلك ما كنت أرى أحدًا يرضى، ووجدتني لم أكسب إلا العداء والبغض والذم، وليس هذا بضائري، ولكن لماذا احتقب الذم إذا وسعني أن أتقيه وأعفي نفسي من ثقله؟ هذا شاعر لا يزال مذ كتبت عنه منبهًا إلى ضعف لغته وسوء استعماله للألفاظ وغلطه يزعمني حاقدًا متحاملًا ومضطغنًا واجدًا، ولا ينفك يحدِّث الناس بما يحسبني منطويًا عليه له من الحفيظة، كأنما كان قد قتل أبي أو فجعني في بعض ما أعتز به وأزهى. وهذا شاعر آخر يسأل جلساءه لماذا أثخن المازني فيَّ على هذا النحو وهو يعلم أني مريض مشفٍ على التلف ... وهذا كاتب بلغ من غيظه وحنقه أن صار مغرى بشتمي في كل مجلس منذ أربع سنوات، واتفق مرة أن واحدًا من إخواني مل هذه اللجاجة في الطعن السخيف فاعترض فتشاتما وتضاربا بالكراسي كما كان يفعل «الفتوات» قديمًا في القهوات والأفراح، إذ ينهض الواحد منهم فيضرب المصابيح أول ما يضرب؛ لتظلم الدنيا ويسود الهرج وتعم الفوضى ويتعذر أن يعرف المرء وجه من يضربه.

لهذا وأمثاله، قلت لنفسي إن الأولى بي أن أكف عن عمل لا حمد عليه ولا مثوبة، ولا عائدة لي منه إلا وجع القلب والدماغ وما لي أنا أجشم نفسي قراءة كتب لعلي لا أريد أن أقرأها وأضيع وقتي فيها، وغيرها أجدر بذلك، وإذا كان الناس لا يرضون إلا عن المدح بالحق أو بالباطل، فما قيمة النقد؟ ولم لا أريح نفسي وأريحهم وأفرغ لما أحب.

وقد كان، انصرفت عن النقد وأعلنت ذلك ولكني لم أفز بالراحة التي حدثت نفسي بها ولا بالرضى الذي طمعت فيه، وكان إخواني أول من غضبوا عليَّ وأنكروا مني ما توهموه إهمالًا وغمطًا، وإنهم لأكبر من أن يهملوا وأجل من أن يسعني أن أغمطهم — أنا أو سواي. فهذا يعتب صراحة وذاك يسر بعتبه إلى إخوانه وإخواني، وما قصرت — علم الله — ولا جرى لي في بال أن أهمل كتبهم، فإنهم فوق ذاك، وإنما كرهت لنفسي أن أظل عرضة لما يسعني اجتنابه بلا عناء، ولم يكن يسعني أن أقصر من ناحية وأمضي من ناحية أخرى.

ولم يخلُ الأمر مما يضحك، فقد كانت الكتب ترد بالعشرات فيهولني ذلك ويفزعني، وأروح أتساءل متى يتاح لي أن أقرأ كل هذا الكوم العظيم، ومتى يتسنى لي أن أقرأ كتبي الخاصة أو أكتب فصولي وقصصي وصوري. لو كان في اليوم أكثر من أربع وعشرين ساعة لبدا لي وجه حيلة ... ولكن هذه الساعات الأربع والعشرين لا تُمط وللطاقة حدودها ... فلما أقصرت عن النقد صار أصحاب الكتب يعدلون بها عني فأتشهد وأحمد الله ولا أشتري أو أقتني منها إلا ما أتوقع أن أجد فيه خيرًا. واتفق يومًا أن جاءني ناشر لا يعرف أني تبت إلى الله وأَنبت، ودفع إلي بالجزء الأول من كتاب ينشره وقد ظهر منه جزءان، ورجا مني أن أكتب عنه، ووعد أن يقدم إلي الجزء الثاني في يوم عيَّنه، فأقبلت على الكتاب أقرؤه وجاء اليوم الذي عيَّنه، فزارني الناشر الفاضل ومعه الجزء الثاني، فشرعت أحدثه بما رأيته في كتابه، فسألني: «هل كتبت شيئًا»؟ فقلت: «لا» ولم أزده فقال: «إذن أعود إليك في يوم آخر.» ومضى عني بالجزء الثاني معه ضنًّا به على من لا يُكتب. وتكرر ذلك بضعة أسابيع، فأحس الرجل حرجًا، وخُيل إلي من سلوكه أن به خجلًا وأنه يتردد في أمر، فبعثت إليه من يشتري لي الكتاب كله تعويضًا له عما خسر حين أهدى كتابه إلى من لا يعنى بالكتابة عنه، وعرف هو ذلك فيما بعد فانقطع.

وقد قلت لنفسي منذ بضعة أيام … لماذا ينتظر مني الناس أن أتناول كتبهم ولا أراني انتظر من أحد أن يكتب عما أخرجه حين أخرج كتابًا؟ أترى هذا عملي وأنا لا أدري؟ ولكني أعرف أن لي سبيلًا غير هذه، وقد مضيت فيها وحمدت الله على توفيقه، واعتقدت أني ارتحت بعد إذ وقعت على ما يوافقني واهتديت إلى طريقة خاصة بي للعبارة عما أريد، فلماذا لا يدعني الناس أفعل ما أحب وأذهب حيث أشاء؟ ما لهم يأبون إلا أن يشغلوني عن شأني وأنا لا أريد ولا أحاول أن أشغلهم عن شئونهم ... وليتهم يرضون إذا كتبت ... إذًا لكان في هذا بعض العوض ... وماذا يبغي صاحب الكتاب؟ أليست غايته أن يروج ويقرأه الناس فيربح؟ ومتى كان هذا هكذا؟ فإني أرى في الإعلان الكفاية جدًّا. وقد صار الإعلان وسيلة للترويج لا تخفق أبدًا إذا عرفت كيف تصنع هذا وتلح به على الجمهور. ومن كان لا يحب أن يستغني بهذه الوسيلة التي أصبحت ميسرة عن النقاد وعنتهم ورذالاتهم ودلالهم وتعالمهم وفلسفاتهم البايخة فإني أشفق على عقله وأسأل الله أن يشفيه.

وقلت لنفسي أيضًا إني لا أعرفني طلبت قط من إنسان أو توقعت منه أن يكتب عن كتاب لي وإنما الذي أعرفه أني أرمي بكتبي في السوق فمن شاء أن يقرأها فهو المسئول ولا ذنب لي ولا تبعة عليَّ، فلماذا لا يصنع غيري مثل ما أصنع؟ أم ترى هذا لأني سيئ الرأي في نفسي وهم على نقيض ذلك، ولكن حسن رأيهم في نفوسهم لا ينبغي أن يكون من ذنوبي أنا. وفي وسع من شاء ممن يغالون بأنفسهم أن يكتب في الإعلان المنشور المأجور ما يشاء من المدح المغري فلن يحاسبه عليه أحد؛ لأنه إعلان، وهذا على كل حال أجدى من مقالات في النقد قد لا تخلو من ملاحظة؛ عسى أن تصرف القارئ عن شراء الكتاب. ولماذا يقعد المرء ينتظر الثناء من إنسان إذا كان الله قد يسر له طريقة جديدة لمدح النفس لا غضاضة فيها ولا حرج منها عليه.

وتعال إلى الحساب، يطبع المرء الكتاب، ثم يحمل منه عشرات من النسخ ويدور على الصحف فيقدمها إليها، وعلى الكُتاب فيهديها إليهم. هذه العشرات من النسخ لو باعها ونشر بثمنها إعلانًا لكان ذلك أجدى عليه. وهو يستطيع أن ينشر الإعلان حين يحب ولكنه لا يستطيع أن يحمل النقاد على الكتابة حين يكون ذلك مفيدًا في لفت النظر إلى الكتاب المعروض للبيع، وللإعلان كتَّابه المهرة البارعون والإخصائيون الحاذقون والاستعانة بهم سهلة ولا كلفة فيها ولا خسارة منها. وهؤلاء الكتَّاب الإخصائيون في صوغ عبارات الإعلان المغري أدباء في الحقيقة من طراز جديد أخرجه هذا الزمان، وهم يكتبون ما يشتهي المؤلف أو المترجم ولا يمنعهم من ذلك أو يصدهم عنه ضمير أو ذمة أو ما يجري هذا المجرى؛ لأنهم لا يقرءون ما يكتبون إعلانه ولا يضعون عليه أسماءهم، ولا تلزمهم من جراء ذلك كله تبعة، وهم أشبه شيء بالذي يزين الدكان للتاجر بالألوان والأضواء والرسوم وهذا لا يسأل عن البضاعة التي ستعرض فيه أو ترص على رفوفه.

وما دام الأمر كذلك فقد انتهينا واسترحنا وعرفنا طريق الاستغناء عن النقد: وأن امرءًا يسعه أن يستغني ويأبى مع ذلك إلا أن يفتقر لعبيط أبله وأحمق لا دواء لحماقته.

واقتنعت بأني على صواب في الكف عن النقد، وبأني أفطن إلى تيار الزمن الذي أعيش فيه من سواي وأحببت أن أعلن هذا ليسترد من شاء من المؤلفين إذا شاءوا ما أهدوا إليَّ مشكورين، والسلام عليهم ورحمة الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.