تستطيع أن تسأل عنه ما بذلت مصر أيام الثَّورَة من نفوس ودماء، وما احتملت مصر أيام الثورة من مشقة وعناء، وما اقتحمت مصر من خطوب، وما تَجَشَّمَتْ مِصرُ مِنْ أَهْوال.

تستطيع أن تسأل عنه تلك النفوس الأَبِيَّةَ التي صعدت إلى السَّمَاء؛ ليَسْتقر الحق والعدل في الأرض، وتلك الدماء الزكية التي روَّتْ أرض الوادي؛ لتنبت فيه الحرية مشرقة نضرة، مبسوطة الظِّل، تحمي المصريين جميعًا من الظلم والجور والاستبداد.

تستطيع أن تسأل عنه أولئك الآباء الذين فقدوا أبناءهم، وأولئك الأبناء الذين فقدوا آباءهم، وأولئك النساء اللاتي اضطررن إلى الحداد المتصل والحزن المقيم.

تستطيع أن تسأل عنه تلك الأُسَر التي كانت تستطيع أن تستقبل العيش هادئة راضية، تَبسم للحياة، وتبسم لها الحياة، فرُدَّتْ إلى شَرِّ ما يُرَدُّ إليه الناس من البؤس والضنك، وحُمِلَتْ على شر ما يُحْمَل عليه الناس من الشقاء والحرمان، وابتسمت مع ذلك للحياة، واحتملت مع ذلك أثقال الحياة راضية مُطمئنة؛ لأَنَّها لقيت ما لقيت في سبيل مصر، وشقيت ما شقيت في سبيل ما ينبغي للوطن من العزة والكرامة.

نعم؛ وتستطيع أن تسأل عنه أولئك الإنجليز الذين كانوا يصبُّون الموت على مصر صبًّا، ويحصدون رءوس المصريين حصدًا، ويظهرون من القوة والجبروت، ومن البأس والبطش، ما يقدر عليه المتسلط الظافر، وقد بُسِطَتْ يده على شعب أعزل إلا من الحق، ضعيف لولا أن له ثقة بالله، وأملًا في عدله، ويقينًا بأن الحق منتصر مهما يعظم طغيان الطاغين.

تستطيع أن تسأل عن هذا الاستقلالِ كُلَّ أولئك؛ فستَعْلَم منهم أنه كان استقلالًا صحيحًا، لا مغمز فيه ولا غبار عليه، لا يحب الرِّياء، ولا يَمِيلُ إلى الالتواء، لا يتستر خلف الألفاظ ولا يستخفي من وراء الألقاب، إِنَّما كان استقلالًا صريحًا، وَضَّاءً، مُشْرِقًا، مُصورًا أجمل تصوير لهذا المثل الأعلى الذي يُضحَّى في سبيله بالأنفس، والدماء، والأموال.

لم يكن المصريون يريدونه لهوًا ولا لعبًا، لم يكن المصريون يريدونه ليخدعوا به أنفسهم، ولا ليخدعوا به الناس عن أنفسهم، لم يكن المصريون يريدونه ليقولوا للناس وليقول لهم الناسُ إنهم مستقلون، وإنما كانوا يريدونه ليشعروا صادقين وليشعر غيرهم من الناس صادقين أنهم مستقلون.

لم يكن المصريون يبتغون صورًا وأشكالًا؛ لأنَّ الصور والأشكال لا تُشترَى بسفك الدِّمَاء وإزهاق النفوس، وتجثم الأهوال، إِنَّما كانوا يُرِيدُون حقائق واقعة؛ لأنَّ الحقائق الوَاقِعَة هي التي تُشترَى بهذه الأثمان الثقال.

لم يكن المصريون يريدونه ليستأثر به فرد من الأفراد مهما يكن مكانه، ولا تستأثر به طبقة من الطبقات مهما تكن منزلتها، إنما كانوا يريدونه لأنفسهم جميعًا، وللأجيال التي تليهم، ولإنصاف الأجيال التي سبقتهم، وللوفاء بحق تاريخهم الطويل العظيم.

نعم؛ تستطيع أن تسأل هؤلاء جميعًا عن ذلك الاستقلال الذي كانت تطلبه مصر أثناء الثورة، فستعلم من هؤلاء جميعًا أنَّه كَانَ استقلالًا صحيحًا، يُحْيِي النفوس، ويُوقِظ الهمم، ويُهوِّن على طلابه وداع الحياة واستقبال الموت.

ثم تستطيع أن تسألَ عن هذا الاستقلال سادة مصر والمُشرفين على أمرها اليوم، والمُتَسلطين على أبنائها الذين أُرِيدَتْ لهم الحرية، وطُلِبَ لهم الاستقلال، وبُذِل في سبيل حريتهم واستقلالهم ما بُذِلَ من النفوس والدماء والجهود.

تستطيع أن تسأل سادة مصر والمشرفين على أمرها الآن عن استقلال مصر ما هو؟ وأين هو؟ وكيف يكون؟ ولمن يكون؟ فستعلم أنه استقلال آخر يُخالف أشد المخالفة ذلك الاستقلال المشرق، الجميل، الذي يحيي النفوس ويوقظ الهمم.

ستعلم أنه استقلال آخر لا إشراق فيه ولا جمال، لا يبعث في النفوس حياة، ولا يَفْتَحُ أَمَامَها أَمَلًا، ولا يُثِيرُ في القلوب نشاطًا، ولا يُوقِظ للناس همًّا.

إنه لو سُلِّطَ على نفوس الناس وحده لدَفَعَها إلى اليأس دفعًا، ولغمرها بالقنوط المميت.

إنها لمقارنة لاذعة هذه التي تستطيع أن تعمد إليها ساعة من نهار، حين تقرأ ما كان الناس يتحدثون به أيام الثورة، وما يتحدث الناس به الآن.

في تلك الأيام، كان الناس يتحدثون بالحرية الحُرَّة التي لا مغمز فيها ولا غبار عليها، وكان الناس يتحدثون بتضحية المُضَحِّين، وجهاد المُجَاهدين، وتنافس المتنافسين في التضحية والجهاد، وكان الناسُ يَتَحَدَّثون عن كل شيء إلا عن سعادة الفرد، وراحته وآماله ومَطَامِعِه، إِنَّما كانوا يتحدثون عن سعادة الشعب، ومجده واستقلاله، وكرامته التي تعترف بها الشعوب.

كان الناسُ يلقون الشدائد في النَّهار ويتحدثون بها إذا كان الليل، ويَتَأَهَّبون للقاء مِثْلها أو شر منها إذا أشرقت شمس الغد.

أَمَّا الآن، فأنت تعلم. بمَ يتحدث الناس؟! يتحدثون بهذه المخزيات التي أفسدت جو الحكم إفسادًا، وشككت الناس في كل شيء تشكيكًا، وشوهت الفضيلة والمروءة تشويهًا، وألقت في روع الأفراد والجماعات أن المصريين قد أصبحوا أدوات تُستغَل لا أكثر ولا أقل.

يتحدثون في هذه المخزيات التي لا تشرق شمس إلا ازدادت انتشارًا، وظهرت آثارها أقبح وأَشْنَع مِمَّا كانت قبل أَنْ تشرق الشمس.

يتحدث النَّاس عن افتضاح الأسرار، وتهتك الأستار، وظهور السادة الأخيار، كما هم الآن، يتقاذفون ويترامون بما تستخذي له الأخلاق، وتَسْتَحي له أيسر النفوس حظًّا من الكرامة والإباء.

يتحدثون بالكورنيش، ويتحدثون بالمقاولات، وما يتصل بها من هذه السيئات التي نكره أن نُسَمِّيها في هذا الحديث، ضنًّا بذكرى الشهداء الطاهرين أن يُقرَن بها فساد المفسدين.

نعم؛ ويتحدثون بهذه الحرية التي طُرِدَتْ عن مصر طردًا وأُبْعِدَتْ عنها إبعادًا، وعن هذا الأَسْر الذي فُرِضَ على شَعبٍ كَامِلٍ؛ فَمَنَعَهُ أَنْ يَقُولَ ما يُريد، أو يأتي ما يُريد، أو يلتقي كما يريد.

نعم؛ ويتحدثون عن هذه الحُرِّية التي احْتَكَرَها فريق من المصريين احتكارًا، واستبدوا بها استبدادًا، وهم إنْ أحصيتهم لا يبلغون الألف، بل لا يدنون من الألف، احتكروا لأَنْفُسِهِم هَذِه الحُرِّية، واختصوا بها أنفسهم من دون الشعب كله.

ثم ظنوا أنهم أحرار حقًّا؛ فلم تكد تعصف بهم العواصف، وتلم بهم الحوادث، حتى ظهر لهم وللناس جميعًا أنهم لم يعرفوا الحرية في يوم من الأيام، ولم يستمتعوا بها في لحظة من اللحظات، وإنما كانوا يخدعون الناس، ويخدعون أنفسهم قبل أن يخدعوا الناس. كانوا يرون أنهم يمثلون الشعب، ويصورون كَرَامَته وعزته، ويستمتعون بما ينبغي أن يستمتع به ممثلو الشعب من الحرية، ثم ظهر أن الشرطة السرية تقفو آثارهم، وترقبهم حين يغدون، وترقبهم حين يروحون، تُسجل حركاتهم كما تُسجل حركات الوفد وغير الوفد من المعارضين، وتمنع اجتماعاتهم في السر والخفاء، وبالحيلة والدَّهاء، كما تمنع اجتماعات الوفد في الجهر والعلن، وبالقوة والعنف. وكانوا يعلمون هذا ويصبرون عليه، لا يكرهونه ولا يشكون منه — فرضًا — ويبتغون إليهم الوسائل، ويضحون في سبيلهم بما هو أعز من النفس والمال — بالأخلاق — وكانوا مع ذلك يزعمون أنهم أحرار، وأنهم سادة، ولا يتحرجون من أن يعلنوا ذلك ويَجْهَرُوا به، في هذا المكان الذي يَجِبُ أَنْ يتنزه في أن يُقال فيه غير الحق، ويُعلَن فيه غير الصدق؛ وهو البرلمان.

ثم تعصف العواصف وتلم الحوادث، وإذا القوم يختلفون، فيهبط فريق ويصعد فريق، وإذا السر يُذاع، وإذا الخزي يشاع، وإذا الذين كانوا يحتكرون الحرية لا حظ لهم من الحرية، وإذا المنصب الذي كان يُذِيقُ الشَّعب المِصْرِيَّ كُلَّه ألوان الجور لا يفرق بين الخصم والنصير، ما زال كما هو، يُحَارِبُ المُعارضين جهرة، ويُحارب المناصرين سرًّا، يبعث على أُولئك وعلى هؤلاء هذه الشرطة السِّرية التي تحصي ما يقولون وما يفعلون، وإذا طغاة أمس يشكون حين ذاقوا مرارة الطغيان، وإذا سادة اليوم يذكرونهم بما كانوا يقترفون، وإذا جماعة من أنصار صدقي باشا أمس يقولون لصدقي باشا وأصحابه اليوم في مجلس النواب، وتحت قبة البرلمان: اخجلوا! ويقولون لهم: إنما أنتم ثائرون على النظام، ناشرون للفوضى! ويقولون لهم وهم يخرجون: سَفَر سعيد!

بهذا كله يتحدث الناس الآن، فأين أحاديث اليوم من أحاديث أمس؟! أين أحاديث الهزل من أحاديث الجد؟! أين أحاديث اللعب من أحاديث العمل؟! أين أحاديث الاستقلال الصحيح من أحاديث المنافع والأهواء؟!

أمَّا الشَّعْبُ المصري، فإنه يحفظ ذلك الاستقلال الصحيح في قلبه، ويطمح إليه من أعماق نفسه، لم يَنْسَه ولن ينساه؛ لأنه لم ينفق ما أنفق، ولم يحتمل ما احتمل، ولم يُضَحِّ بما ضحى لينسى. إنما أنفق واحتمل وضحى ليذكر دائمًا، ويجاهد دائمًا، وينتهي إلى ما يريد.

وأما الذين استأثروا من دونه بالمنافع واحتكروا من دونه المزايا وأغوتهم الأهواء، وعبثت بنفوسهم المآرب العاجلة، فهم كما تراهم الآن في أمر مُختلط؛ يقذف بعضهم بعضًا، ويمكر بعضهم ببعض، ويكشف بعضهم لبعض ما اقترف من الإثم وما اجترح من السيئات.

فليعتبر المصريون بهذه الآخرة، وليقارن المصريون بين أحاديث الاستقلال الصحيح وأحاديث الاستقلال الموهوم، ولينظر المصريون أين يكون الحق، وأين تكون الكرامة، وأين تكون الحرية، وكيف يُطلَب الاستقلال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.