النكتة مظهر فطنة، والأغلب أن يكون مدارها على ظاهر السلوك، ويندر أن يستطيع صاحبها التحليق فوق المظاهر، أو الغوص إلى الأغوار البعيدة، وهي تُضحِكنا بما فيها من مقابلة بين أمرين أو حالين أو سلوكين، مستورين، أو مستور وبادٍ، أو باديين. مثال ذلك ما عُزِي إلى صديقنا الأستاذ محمد خطاب بك من أنه قال لسيدة زعمت أن زوجها يهدي إليها في كل عيد ميلاد لها مائه جنيه: «إذن أنت مليونيرة!» وكثيرًا ما تدور النكتة على تشابه الألفاظ في الجرس واختلاف في دلالاتها أو معانيها، ومثل هذا الضرب لا سبيل إلى نقله إلى لغة أخرى؛ لأنه يتعلق باللفظ لا بالمعنى أو الصورة، وفي النكتة معنى النقد، بالسخرية والتهكم وما نسميه «القفش». كان للمرحوم إمام العبد الشاعر الزجال صديقٌ يقضي النهار في النوم والليل في السهر، فقال إمام على سبيل «القفش» لصديقه وتصوير حاله المقلوب، إنه رسم صورته عصر يوم بالقلم الرصاص على «طاولة» في مقهى، فلما غابت الشمس نهضت الصورة واقفة!

***

أما الفكاهة فشيء مختلف جدًّا؛ لأنها تدور على المعاني والحقائق، وتغوص على الجوهر، ولا تتعلق بالصور العارضة، وأنا أخالف من يذهبون إلى أن هناك فكاهة لفظية وأخرى معنوية، وعندي أن ما يسمى فكاهة لفظية أولى به أن يدخل في باب النكتة، وأخالف أيضًا من يظن أن الفكاهة من شأنها أن تغري بالضحك أو على الأقل بالابتسام، وعندي أن الفكاهة قد تضحكك أو لا تضحكك، فليس هذا بالذي له قيمة، وهو راجع إلى الأسلوب الذي يساق فيه المعنى. وقد تجيء الفكاهة صارمة الجد، بل أصرم من الجد نفسه، وسواء أحملتك أم لم تحملك على الضحك أو الابتسام، وأدخلت أو لم تُدخِل على نفسك السرور، فإنها لا بد أن تغريك بالتأمل والتفكر، والنظر والتدبر، وسأسوق مثالًا واحدًا له نظائر كثيرة: قصيدة الشاعر الإنجليزي توماس هاردي اسمها على ما أذكر «وفد الأرض»، وفيها يتخيل الشاعر أن وفدًا من الكرة الأرضية صعد إلى السماء، واستأذن فدخل على «الرب»، وشكا إليه سوء حال الجنس الإنساني، وما يلاقي من الحروب والأوبئة والطواعين والظلم والقسوة إلى آخر ذلك، فأخذ الرب يتفكر ويحاول أن يتذكر، ويقول كمن يُحدِّث نفسه: الأرض؟ الجنس الإنساني؟ إني أتذكر أني قبل ملايين من السنين خلقت شيئًا كهذا في جملة ما خلقت من ملايين الكواكب والنجوم، فهل هذه الأرض لا تزال موجودة؟

وهنا ينبغي أن أقول: إن الشاعر مسيحي صحيح الإيمان بدينه، وليس بملحد كما قد يسبق إلى وهم القارئ، وقصيدته هذه تنتهي بما يشهد له بصحة العقيدة وعمق الإيمان، وهو لا يريد أن يقول إن الله — سبحانه — نسي الناس وكرتهم الأرضية، وإنما يريد أن يصور ضآلةَ هذه الكرة — التي يتوهم الأكثرون أنها مركز الدائرة وقطب الرحى في هذا الكون المهول الذي لا يُعرَف له أول أو آخر — وهوانَ شأن الإنسان المغرور المنتفخ الأوداج، وقد تبتسم حين تقرأ قول الشاعر على لسان الرب فيما يتخيل: ألا تزال هذه الأرض موجودة؟ ولكن الابتسام يغيض حين تدرك المعنى المقصود، وتفطن إلى ما بطن به هذا المزح، فتروح تفكر في هذا الإنسان الضعيف المغتر، وهو أن شأنه شأن أرضه، وطموحه المضحك على الرغم من جلاله، وتوهمه أنه شيء له قيمة، وسعيه ودءوبه، وتعثره وتخليطه، وتوفيقه مرة وإخفاقه مرات، وحيرته حيال الأقدار الراصدة له في حيث سلك إلى آخر هذا، ودَأْب توماس هاردي ووكده، في شعره ورواياته، أن يضع الإنسان في كفة، والأقدار في كفة أخرى، والقدر غالب، ولكن هاردي لا يسخر من الإنسان، بل يعطف عليه ويرثي له، بغير كلام يُعرِب به عن العطف والمرثية، لأن قلبه كبير، وأفقه واسع، على خلاف أناتول فرانس معاصره، فإنه مر وعر.

***

ويُخيَّل إليَّ أن النكتة المصرية بنت عوامل ثلاثة على وجه الخصوص:

أولها: ما اشتهر به المصريون من أقدم العصور من الذكاء الفطري وحدة الفؤاد، وحضور البديهة وسرعة الخاطر، وليس هذا مدحًا، وإنما هو تقرير حقيقة، وقد يخفى هذا الذكاء من جراء الأمراض الوبيلة التي تستنفد الحيوية وتترك من يعانيها أشبه بالبُلْه أو الأغبياء، ولكن هذه الأمراض على شدة فتكها بالأبدان وامتصاصها لحيويتها، لم تستطع أن تحجب فطنتهم الطبيعية، فلا تزال ألسنتهم — على الرغم منها — تجري بالنكتة اللاذعة والسخرية المُرَّة.وثانيها: ما هم مفطورون عليه من الجَلَد المدهش، والقدرة على التشدد والصبر والاحتمال، ومن أعون الأشياء على الجَلَد أن تستطيع أن تهوِّن الأمر على نفسك بنكتة ساخرة، وأن تهوِّن أمر مَن منه بلاؤك ومصابك بأن تركبه بالهزل، وأن ترسم له صورة تغري بالضحك منه، والاستخفاف به، وبذلك تدرك غرضين: تخفِّف وقع ما تكابد، وتشرح صدرك، والضحك مدد قوي للنفس، ونجدة في ساعة المحنة، ومَن وسعه أن يضحك وهو يتوجع، فقد وسعه أن يستل الإبرة الواخزة، وينزع السهم الواقع. والغرض الثاني أنك تشعر بأنك أخذت ثأرك وشفيت نفسك، وانتقمت من ظالمك أو خصمك بتحقيره وتصغير شأنه وإضحاك الناس منه، بل هناك غرض ثالث تدركه بالنكتة، هو أن مَن تُطلِقها عليه يكون قد أخفق؛ لأنك إذا استطعت أن تقابل عنته وجوره أو لؤمه بضحكة ساخرة، فكيف يمكن أن يقال إنه قد نالك بمساءة؟ أو أن ما توهمه مساءة قد بلغ حيث يريد؟وثالثها: أن المصري عاش في ظل حكم استبدادي غاشم آلافًا من السنين، والعسف يورث النفوس مرارة، ولا يبيت الناس منه إلا على حذر وتقية، وإذا كان المصريون لم يستطيعوا في هذه الأدهار الطويلة أن يغيِّروا الحال تغيُّرًا يمحو ما استقر في أعماق نفوسهم، فقد كان ملجؤهم التحرز وإضمار سوء الظن وإطلاق اللسان، وألفوا أن يدعوا حكامهم وولاة أمورهم يفعلون ما يشاءون، على أن يقولوا هم فيهم ما يشاءون، ولست أعرف أمة أخرى — وقد أكون مخطئًا — تبسط ألسنتها في رجالها ورؤسائها وحكامها كما يبسطها المصريون، أو تحرص على حرية «الاغتياب» مثل حرصهم، وأحسب أن «الحاج» براون لم يخطئ حين استخلص في كتاب «بونابرت في مصر» من تاريخ الجبرتي، أن من أسباب ثورة المصريين مرتين على الجيش الفرنسي الذي دخل مصر بقيادة نابليون، ما فرضته قيادة هذا الجيش على المصريين من قيود على حرية الكلام، أو على الأصح حرية «الاغتياب».

ولعل هذه العوامل التي ذكرتها هي التي جعلت المصري أَمْيَل — في الأغلب والأعم — إلى النكتة منه إلى الفكاهة بالمعنى الصحيح، وأقدر عليها، على أني قد أكون مخطئًا في تصوري أو تصويري، ومَن ذا الذي لا يخطئ؟ ولكني أظن أني على صواب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.