فكرت مرارًا في نقل شكسبير إلى لغتنا العربية، فكان يقعد بي عن ذلك ويصدني عن محاولته علمي أنه مطلب وعر، وهو شعر، فكيف ننقله؟ أنقلبه في لغتنا نثرًا؟ إذن يفقد مزية الشعر، وهي لا حلى ولا زيادة لا يضر الكلام أن تنقصه، وهل يستوي أن نسوق الكلام شعرًا كان أو نثرًا وأن نورده موزونًا — مقفًّى أو غير مقفًّى — أو نرسله إرسالًا؟ كلا! وما يقول بذلك إلا من لا يرى ولا يُحس فرقًا بين الشعر والنثر، وإن بينهما لفرقًا، وإنهما لضربان من الكلام متباينان من حيث البواعث، والأصول، والتأليف، والشكل، والأثر؛ والشعر كما نعلم فن سبق إليه الإنسان وتدفقت عواطفه على أوزانه، وليس بقيد اختياري لا معنى له ولا محصول وراءه، ولا ضرورة إليه، ولا بأس من نقل شكسبير نثرًا، بل عسى أن يكون ذلك في لغتنا — كما هي إلى الآن — تمهيدًا لازمًا، والنثر — كما هو بديهي — أعوَن على الدقة وأكفَل بالضبط في الأداء، ولكن هذا لا يحل المشكل ولا يفك العقدة، ولا ينفي الحاجة إلى نقل شكسبير شعرًا، وإلا فَقَدَ في لغتنا صفته ومزيته وروحه، وهل شكسبير هو هذه القصص والحكايات التي لم يخترعها، والتي اتخذها سلمًا لما هو فوقها، وأداة إلى ما هو أكبر منها، وقاعدة يبني عليها، ومراكز يرسم حولها العوالم الحافلة المائجة الجائشة بتيارات الحياة المختلفة؟ ولو كان شكسبير هو هذه القصص لاستغنى الناس بالأصل الذي أخذ منه ونقل عنه، أو لاجتزءوا فيما بعد بالخلاصات التي وضعها الكتَّاب للطلبة وأشباههم — إن القصص والحكايات كثيرة، وفي وسع الخيال الإنساني أن يخلق منها «توافيق وتباديل» لا نهاية لها إذا أعياه أن يخترع، ولكن الحكاية ليست كل شيء، ولا هي الأول والآخر والظاهر والباطن، وقد يسمع المرء القصة البارعة فلا يحفلها ولا يتذوق لها طعمًا؛ لأن الذي يرويها ليس بالفنان، فيتثاءب السامع وتتقطع السلسلة على أذنه، ويجيء آخَر فيقص عليك الحكاية الفاترة؛ فيستهوي قلبك ويستولي على لبك، ويخدعك عن نفسك ويدخل عليك السرور، ويحرك عواطفك ويستثير أعماقها؛ ذلك أن للأداء فضله ومزيته وعمله، ولكنا نوشك أن ندافع عن الشعر! فما أشبهنا بمن يحتاج أن يثبت أن للحياة قوانينها، وأن لوجود هذه القوانين مسوغًا كافيًا!

ومتى ترجمتَ الشعر نثرًا، فلا أقل من أن تتحرى الدقة في النقل، والضبط والإحكام في الأداء، والقدرة في الصياغة، وإلا فقدت كل مبرر لترجمة الشعر نثرًا، وإذا كان من ينقل الشعر من لغة إلى الشعر في لغة أخرى له عذره إذا أكرهته قيود الشعر وضروراته وطبيعة اللغة التي ينقل إليها على قليل من التصرف لا يرى متحولًا عنه أو مهربًا منه، فما عذر ناقل الكلام نثرًا وهو حر في اختيار العبارة وانتقاء الألفاظ والتقديم والتأخير والوصل والفصل والابتداء والانتهاء؟ لا عذر سوى العجز أو التهاون، إلا إذا شاء المرء أن يتهم اللغة نفسها بالقصور والضيق، وهي لا تضيق بغير الجامدين وضيِّقي الحيلة والذهن.

ولنا في الترجمة الأدبية مذهب لا ننكر أنه شديد الإرهاق والعنت؛ ذلك أن من رأينا أن المترجم ينبغي أن يكون كالممثل، أي أن عليه أن يدرس الكلام ويضع نفسه في موضع القائل، ويسبغ على نفسه العواطف والخوالج التي يصورها أو يلمح إليها الكلام والموقف، ولا يكتفي بذلك بل يتصور الحواشي والهوامش، ولا يغفل عنها أو يهملها ليجيء أداؤه مضبوطًا وكما أراده الروائي، كذلك المترجم إذا أراد أن يجيء الكلام في اللغة التي ينقل إليها كما هو في لغة الكاتب، ولو أن الترجمة كانت ألفاظًا بألفاظ، لهان أمرها ولمَا عجز عنها أحد، ولكنها ليست كذلك على الأقل في رأينا، وأنها عندنا لأشق من الكتابة وأصعب مراسًا وأبهظ كلفة، وليست هي بالعمل الآلي، فإن حاجة المترجم إلى الخيال ليست دون حاجة الواضع والمؤلف، وكثيرًا ما يرسل الكاتب أو الشاعر الكلام كالملهم، ولعله لا يدرك مدى التوفيق فيه، ولا يفطن إلى ما فيه من القوة أو الجمال أو الحق، ويأتي المترجم المسكين فإذا الجملة الصغيرة كضمير الفؤاد الذي يقول فيه ابن الرومي إنه «يلتهم الدنيا» ويتسع لأخلد الحقائق وأعمقها وأضخمها، فيكد خاطره ويضني نفسه ولكن هيهات! وهل كل امرئ يستطيع مثلًا أن ينقل إلى لغة أخرى شعرًا كشعر المتنبي؟! أفي وسع كل إنسان أن يقذف بحِكَمه وأمثاله كما قذف بها أبو الطيب؟! أفي مقدور كلٍّ منا أن يؤتي معانيه في اللغة ينقلها إليها، تلك القوة والقدرة على السير والتعلق بالخواطر والتشبث بالنفوس والعقول؟ ألا يحتاج مترجم المتنبي أن يكون له مثل جزمه ويقينه ورجولته، وذلك الاستعداد النفسي الذي يجعل أسلوبه قذفًا متتابعًا كما تُقذف القنابل من فوهات المدافع، أو كما يتلاحق هزيم الرعد؟ بلى، وما يُطلب في مترجم المتنبي إذا توفر فيه لا يجعله صالحًا لترجمة ابن الرومي، أو المعري، أو البحتري، أو النواسي، ممن لهم مزايا وخصائص أخرى مختلفة جدًّا.

ونوشك أن نقول — بل نحن نقول — كنا نُؤْثر أن يظل كل شاعر مقروءًا بلغته التي نظم بها، فما من سبيل إلى كل هذا الإنصاف في النقل، وأن الرجل الذي يدخل في مقدوره أن يجعل بترجمته الشاعر في لغة أخرى كما هو في لغته الأصلية، هذا الرجل يجني على نفسه ويظلمها؛ لأن في وسعه أن يكون شيئًا معدودًا وأن لا يُفني مواهبه في الترجمة ويقتلها بالنقل وإضاعة العمر فيه، وعسى من يعترض بأن الملكات اللازمة للتأليف والابتكار غير تلك اللازمة للترجمة، وهو اعتراض له محله وقيمته، ولكن من هو الذي يحكم بأن هذه الملكة موجودة وتلك معدومة؟ أهو المرء نفسه؟ فما أكثرَ ما يضل الإنسان عن حقيقة نفسه! أليست المصادفات هي التي هدت أكثر الأفذاذ من نوابغ الأدباء والشعراء إلى ما نبغوا فيه؟ ماذا كان شكسبير يكون لو لم يُضطر إلى الهرب إلى لندن، إذا صدقنا هذا التاريخ المشوش المضطرب المتناقض لسيرته وحياته؟ كان على الأرجح يقضي حياته قصابًا أو حلاقًا أو حمالًا أو عاملًا أو فلاحًا أو شيئًا من هذا القبيل، ثم كان يموت كما يموت مئات الآلاف من الخلائق في العالم، ولا يفوز حتى بجملة يؤَبَّن بها في كنيسة القرية، فهي المصادفات التي تُطلِع المرء على نفسه وتعرفه بها، وتكشف له عن استعدادها الدفين وقدرتها الكامنة، وماذا يسعك أن تعرف من نفسك إذا لم تتح لك الفرص لتجريبها وامتحانها وقياس كفاءاتها المتنوعة؟ كم عَدَل المرء عما يُحسن إلى ما لا يُحسن وهو لا يدري؟ وكم قاد الحظ شاعرًا أو كاتبًا أو عالمًا إلى ميدانه وهو ناقم ساخط، ومتأفِّف ضَجِر، يحسب أنه ظُلم وأُكره على ما لا مجال له فيه؟ وهي الحياة كلها كذلك؛ يجيء الإنسان إليها عفوًا وعلى غير إرادته وبلا سابق تدبير منه، ويُقاد فيها إلى التوفيق أو الفشل، والنجاح أو الخيبة، والشهرة أو الخمول، في كل شيء لا في الأدب وحده، حتى في الحب وفي الصحة والمرض!

***

وأمامي وأنا أكتب هذا، ترجمة الأستاذ محمد حمدي بك ناظر مدرسة التجارة العليا «وأستاذ الترجمة بمدرسة المعلمين العليا سابقًا» لرواية «يوليوس قيصر»، وهو أستاذ لا يفتقر منا إلى شهادة أو تزكية، حظه من اللغتين الإنجليزية والعربية عظيم، ومثله الأستاذ محمد كامل سليم الذي ذيَّل الرواية بتلخيص وافٍ لها، وقد قرأت الترجمة ثم عدت إلى الأصل ثم سألت نفسي: أهذه تلك؟ نعم، القصة واحدة والمعاني كذلك، والأداء في اللغة العربية سليم في الأغلب والأعم، وإذا كانت العبارة لا تخلو من هنة هنا وأخرى هاهنا، فمن الذي يصفو كلامه من كل كدر، ويَخلُص من كل شائبة؟ ولكني مع ذلك أفضل الأصل لأسباب، منها: أن الأصل هو الأصل، وأعني بذلك أني أقرأ شكسبير كما كتبه، ولا أخطئ شيئًا من مزاياه وخصائصه التي رفعته هذا المكان وأفردته فيه، أما العربية فليس فيها إلا القصة والحبك وأسلوب التناول لموضوعه، أي طريقة عرضه والتصرف فيه، أما شكسبير الشاعر فليس هنا ولا أثر له، وليس هذا عيب الأستاذ المترجم، ولا هو مما ننعاه عليه ونأخذه به، ولكنما هو عيب كل ترجمة، ونقص يلازم كل نقل، ومن أجل هذا قلنا من قبلُ إنّا نُؤْثر أن يُقرأ الشاعر بلغته.

ومن الأسباب التي تردنا إلى الأصل وتصرفنا عن الترجمة أن الترجمة ليست بأسلوب الأديب الفنان، بل بأسلوب المحصل الذي ليست الكتابة فنَّه، وهذا تفريق دقيق، وقد يكون مما يقربه إلى الأذهان ويكشف عن المعنى الذي نقصد إليه أن نقول: إن كل امرئ متحضر لا يعجزه أن يبسط مائدة الطعام وينظمها، ويضع أدواتها في مواضعها ولا ينسى شيئًا من لوازمها، وتراها فترى الأكواب والملاعق والسكاكين والأطباق في أمكِنتها، ولكن جمال المعرض ليس هناك؛ لأن يد الأخصائي ليست هي التي تولت الترتيب والإعداد، والأخصائي لا يبتكر أطباقًا ولا يخترع أكوابًا وملاعق، ولا يخلق مناشف، ولكنك مثلًا تلف المنشفة أو تطويها أو تفعل بها غير ذلك وتضعها على الطبق أو إلى جانبه، أما الأخصائي فيعمد إلى هذه المنشفة بعينها فيجعل منها وردة أو سمكة ويقيمها بحيث تلفت النظر إليها وتروقه، ويرسم لك في الملاعق والأشواك والسكاكين أشكالًا معجِبة، ويضع الأكواب في حيث يتناسق وجودها بين سواها، إلى آخر ذلك، وتأخذ العين هذه الهندسة فيُفتح لها القلب وينشرح لمنظرها الصدر وتقوى الرغبة في الطعام ويشتد الإقبال عليه والسرور به، كذلك الكاتب الفنان لا يخلق ألفاظه ولا يخترع كلماته، فإنها ملك مشاع ومتاع مشترك يجده من يطلبه، وإنما فنه في التأليف والمزاوجة بين هذه الألفاظ، وصوغها بحيث تكون أعون للذهن على التلقف والاستيعاب، فلا تعترضه عقبة ولا يتعثر في حَزَن، ولا يصرفه عدم استواء الطريق عن المجلس الذي ينبسط لعينيه، وقد لا يختلف المعنى إلا قليلًا باختلاف الصور التي يعرض فيها، ولكن نشاط القارئ للمعاني وإقباله عليها وتناوله إياها ورغبته في تقصيها — هذا هو الذي يختلف تبعًا للصور التي تبدو لخياله وتجذبه بحسنها أو قوتها أو بساطتها، أو تصده دمامتها أو ضعفها أو فتورها أو التعمُّل فيها، ومن الخطأ أن يتوهم أحد أن المعاني لا تكسب أو تخسر شيئًا من جراء الأسلوب، نعم إن المعاني موجهة إلى العقل، ولكن المعرض الذي تساق فيه المعاني هو الذي يعين العقل على الفهم والنظر والتدبر بتحريكه للخيال وتنشيطه للنفس.

ويوليوس قيصر في العربية ينقصها الفن، وتعوزها «الحرية» في التعبير؛ وهذه هي قدرة الكاتب الفنان، وهي «حرية» لا سبيل معها إلا مع الإدراك الصحيح والذوق السليم، أو بعبارة أخرى أصح — وإن كانت أعم وأغمض — إلا مع السليقة المؤازرة الفطرة الملهمة، وإلا انقلبت آفة وفسادًا.

أتريد مثلًا؟ هاك أبسط ما يكون:

في المنظر الثاني، من الفصل الأول، يدخل قيصر ومعه طائفة من الرجال والنساء لا حاجة بنا إلى أسمائهم، وينادي قيصر زوجته كالبيرنيا ويأمرها أن تقف في طريق أنتونيوس حينما يجري، ثم يلتفت إلى أنتونيوس ويُذكره بأن يلمسها وهو يعدو؛ «لأن العاقر تبرأ من العقم» إذا لمسها وهو يجري في هذا السباق، ولا يكاد يتم كلامه ويفرغ من التشديد على أنتونيوس حتى يناديه العراف: «قيصر!»

فيلتفت قيصر إلى مصدر الصوت ويقول: «ها! من يناديني؟»

أفتدري كيف ترجم الأستاذ حمدي بك هذه الجملة القصيرة؟ ترجمها هكذا: «صه، من يناديني؟»

«صه» هذه تجعلني أطوي الكتاب وأنصرف عنه، واللفظ — ككل لفظ آخر — لا عيب فيه، وليس غيره بأفضل منه، ولكن الفصل يبتدئ بقيصر ينادي كالبيرنيا ثم أنتونيوس، ويأمر تلك أن تقف في طريق هذا، وهذا أن يلمس تلك، وآخِر من يتكلم قبل أن يفتح العراف فمه لينذر قيصر ويحذره — هو قيصر نفسه، أفترى قيصر يأمر قيصر أن يسكت؟ أليس من الواضح أن هذا ليس محل الأمر بالسكوت؟ بلى، واعتبار آخر يحسن أن نأتي عليه وإن كان أخفى وأدق، ذلك أن شكسبير كأنما أراد من مطلع الفصل نفسه أن يرينا أن قيصر صار ملكًا في الواقع وإن لم يفز باللقب؛ فكبراء الدولة يمشون في ركابه ويحفون به، وإذا هَمَّ بالكلام تولى واحد منهم أن يأمر الناس بالسكوت والإصغاء، كأنما على قيصر أن يتكلم حين يريد، وعلى الناس أن ينصتوا بلا حاجة منه إلى تنبيه، وإذا كان لا بد من الدعوة إلى الإنصات، فإن غير قيصر — ممن هم دونه — هو الذي يعمل ذلك؛ ففي فاتحة الفصل ينادي قيصر كالبيرنيا فيصيح «كاسكا» بالموسيقى أن تكف عن العزف لأن «قيصر يتكلم»، ولمَّا سمع قيصر نداء العراف وسأل عمن يناديه، عاد «كاسكا» يهيب بالجمع أن يُخرِسوا كل نغمة ويحبسوا كل صوت، هذه هي الروح المطردة في الفصل، وكان على الأستاذ المترجم أن يجعل باله إليها، وأن لا يدع قيصر يأمر نفسه بالإصغاء!

ثم إن «ها» صوت أراد به شكسبير أن يقوم مقام حركة الالتفات حين يسك السمعَ صوت مفاجئ بالنداء، فهو لا يريد أن يجعل قيصر يأمر أحدًا بالسكوت إذا كان هو آخر متكلم، وإنما قصد أن قيصر انتبه على صوت غريب يدعوه باسمه؛ ﻓ «ها» صوت له دلالته لا لفظ له معناه، وكان الأَوْلى بالأستاذ أن يتمسك ﺑ «ها» هذه وأن لا يخشى أن تلتبس على القارئ بصوت الضحك؛ فما له محل.

ومن هذا القبيل أيضًا في البساطة وفي الدلالة أن قيصر يسأل عن العراف الذي يحذره «أي رجل هذا؟» يريد أن يعرف مهنته أو شأنه، ولكن الأستاذ المترجم ترجم العبارة هكذا «من الرجل؟» وواضح أن السؤال ليس عن الاسم، ولو ذُكر اسم العراف لقيصر لزاد به جهالة؛ لأنه من غمار الخلق وعامة الناس الذين لم يرتفع بهم الذِّكر إلى مقام قيصر.

ولسنا نورد هذه الملاحظات على أنها نقد لخطأ في الترجمة، فإنها على العموم وبالإجمال صحيحة، ولكنما نسوقها للدلالة على أن الأستاذ المترجم فاتته روح الرواية، وأمثال ذلك كثير ولا داعي للاستقصاء فيه، وقد يُعَدُّ هذا تشددًا مِنَّا، ولكنا أسلفنا أن هذا التشدد هو مذهبنا في الترجمة، وقد نتجاوز عن الكلمة نرى أن غيرها كان أولى بمكانها أو أَصدَقَ في الأداء وأَكشَفَ عن المراد، نغتفر العدول عن استعارةٍ في الأصل إلى استعارةٍ غيرها ما دام المؤدَّى واحد والمعنى لا يختلف، ولكنا لا نستطيع أن نغتفر أن يخطئ المترجم روح الكاتب؛ فإن هذا خليق أن يغيِّر وجه المسألة كلها.

***

وقد شاء الأستاذ حمدي بك أن يقول في شكسبير إنه «الشاعر الروائي الإنجليزي الديمقراطي»، فهل يسمح لنا الأستاذ أن نقول له إنا نشتم رائحة «السوق»؟ ديمقراطي يعني ماذا؟ إنه لفظ قد يصلح رقية للجماهير، وكلمة يلوكها الحكام أو الطامعون في الحكم لينيموا بها الشعوب ويحملوها على الرضا بحالها ويخدعوها عن الحقائق، وليوهموها أن الأمر كما يصورون لها كما هو في الواقع، ولكن الأدب شيء آخر، وهو أرستقراطية صارخة.

وقد يكون شكسبير منحدرًا من ظهر قصاب أو زبال أو حداد أو نجار أو من شئت غير ذلك، وإن كانت الديمقراطية ليس معناها ضعة الأصل؛ ولكنه مع ذلك، وعلى الرغم من ذلك في أسمى ذروة من الأرستقراطية الصحيحة، أرستقراطية العقل التي لا تورث عن الآباء والجدود، ولا يفوز بها المرء بفضل الحظ الذي لا يد له فيه، ولا بفضل أرستقراطية ترفعه حتى عن الممتازين وأهل السبق، فضلًا عن الشعب، وتُفرده وتنأى به عن الأنداد والأشباه، وتسكنه مع الخالدين جبل أوليمبيا، والذي تصور هذا التأليه هو الشعوب نفسها! هو من الشعب ولكنه أشبه بالملك يتبسط مع رعاياه ويلاطف شعبه فينزل إلى مستواه، وفيما عدا ذلك لا يشاطر الشعب عواطفه ولا كثافته، بل يحلق فوقه بإدراكه وخياله وروحه وفطنته الملهمة، ويسبقه أجيالًا، حتى ليعجز المعاصرون أحيانًا عن اللحاق به ويعييهم أن يفهموه ويقدروه، وربما أنكروه لأنه ليس منهم ولا من عصرهم، وإن كان عائشًا معهم دائمًا غاديًا بينهم، فإذا كان المراد أن شكسبير رجل من الشعب، وأن أباه لم يكن شيئًا، وأنه هو كان في صدر أيامه يسرق ويهرب ويقف بالخيل على أبواب المسارح، قلنا نعم، هو كذلك فيما يُروى عن أصله الوضيع، ولكن هذا ما شأنه بأدبه الذي بز به الخلق في الغرب والشرق؟ بودنا أن نعرف من أي ناحية يريد الأستاذ أن يصفه بالديمقراطية؟ وليت من يدري هل أراد أن يمدحه أو يذمه؟ أو ليت من يدري ماذا عنى بها؟ لا أكتم الأستاذ أن هذا الوصف أضحكنا وأنه آخر ما كنا مستعدين له، وأكبر الظن أنها كلمة لا تنم إلا عن رغبة في تملق جمهور القراء في هذا العصر المضطرب المفتون بالألفاظ.

***

وبعد، فإن للأستاذ حمدي بك أجزل الشكر منا على هديته، وإنا لنقدِّر جهده ونعرف له قيمته ونحمده له، وما نرتاب في أن الطلبة سيجدون في هذه الترجمة والتذييل الملحق بها عونًا كبيرًا لهم في درس الأصل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.