لم تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية كما تُمتحن الآن، ولم ترسب مصر في امتحان خطر كما ترسب الآن في هذا الامتحان. ويكفي أن تلاحظ أن حديث المفاوضات بدأ بيننا وبين الإنجليز منذ العام الماضي، وأنه لم ينقضِ إلى الآن ولا يعرف متى يريد أن ينقضي. ومصدر ذلك بسيط، وهو ضعف الخلق السياسي عند فريق من المصريين؛ فهم لا يتحدثون إلى الإنجليز كما يتحدث الندُّ المؤمن بحقه إلى الندِّ المغتصب لهذا الحق، وإنما يتحدثون إليهم كما يتحدث الضعيف المتهالك الذي لا يقدر على شيء — والذي يريد مع ذلك أن يعيش — إلى القوي المتماسك الذي لا يشفق من شيء ولا يحتاج إلى شيء، والذي يملك من أمر هذا الضعيف كل شيء.

من أجل هذا تردد النقراشي باشا وأسرف في التردُّد قبل أن يطلب من الإنجليز الأخذ في المفاوضات، حتى تعجله صدقي باشا وألحَّ في تعجله، وحتى أنذره مكرم باشا وألح في إنذاره، وحتى غَلَى الرأي العام وكاد ينفجر. هنالك تقدم النقراشي باشا في أدب واستحياء وتسليم بأكثر من نصف الحق، ورد عليه الإنجليز في فتور وبرود واستمساك بما قُدِّم إليهم من الحق. ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسيسكو قبل أن تضع الحرب أوزارها، وقبل أن يُدفعوا إلى هذه المطالبة بالوكز والوخز واللكز كأنما كانوا يُساقون إلى الموت وهم ينظرون.

ولو قد كان النقراشي باشا وأنصاره ذوي خلق سياسي قوي لطالبوا بالحق كاملًا غير منقوص، ولطالبوا به في لهجة جازمة حاسمة، لا تهالك فيها ولا استحياء. ولكنهم كانوا مُحدَثِين أتيح لهم الحكم على غير استحقاق منهم للحكم، فآثروا أنفسهم على أمَّتِهم، وآثروا بقاء عهدهم السعيد على الجلاء ووحدة وادي النيل. ثم عصفت العاصفة بالنقراشي باشا وأنصاره، ونهضت الوزارة القائمة بأعباء الحكم، وكان المنتظر من رئيسها الذي تعجَّل حتى تعب وأتعب، وألح حتى مَلَّ وأَمَلَّ، كان المنتظر أن يكون أصرح لهجةً وأمضى عزمًا، وأحرص على أن يستخلص الحق في غير تردُّد ولا تلكؤ ولا إبطاء، ولكنه نهض بالحكم في فبراير ولم يصِل إلى شيء، ونحن الآن في شهر سبتمبر لأن خلقه السياسي وخلق أنصاره ليس أقوى من خلق النقراشي باشا وأنصاره. ولم يكن الفرق بين أولئك وهؤلاء إلَّا أن فريقًا كان في الحكم فأظهر الحكم في أخلاقهم ما كان خفيًّا، فلما وثب الآخرون إلى الحكم أظهر الحكم من أخلاقهم ما كان خفيًّا أيضًا.

ولو كان سادتُنا المفاوِضُون ذوِي شدة في الحق، وصلابة في الرأي، وقوة في الخلق السياسي، وقدرة على أن يقولوا لا حين يجب أن تُقال؛ لما وقفوا أنفسهم وأمتهم هذا الموقف الرائع البديع الذي يصوره أبدع تصوير قول العاشق القديم:

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي

متأخر عنه ولا متقدم

ولكن الله أراد أن تُمتحن مصر في أخلاقها السياسية، وبرجال هذا العهد السعيد، أولئك الذين يرون كل شيء متاحًا مباحًا إلَّا أن ينزلوا عن الحكم، ويوضعوا حيث وضعهم الله في منزلة القلة التي لا ينبغي أن تنوب عن الشعب، ولا أن تنطق بلسانه، ولا أن تتحدث باسمه، ولا أن تقضي في أمره؛ لأنها لا تملك من ثقته شيئًا، ولأن النيابة عن الأمة لا ينبغي أن تكون إلَّا نتيجة للثقة الخالصة الكاملة.

سادتنا اليوم مستأثرون بشئون الحكم والسياسة عن غضب لا عن ثقة، وهم يشهدون على أنفسهم بذلك حين يتقاذفون تهم التزوير في الانتخابات.

هم غاضبون لحقوقنا الداخلية، كما أن الإنجليز غاضبون لحقوقنا الخارجية؛ فأي غرابة في أن يشق الأمر على الغاصبين من أولئك وهؤلاء؟ وأي غرابة في أن يشفق الإنجليز من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة، فالاتفاق مع القلة أيسر من الاتفاق مع الكثرة؟

وأي غرابة في أن يشفق ساستنا من قطع المفاوضات ومن إضاعة الفرصة التي تتيح لهم البقاء في الحكم والاستمتاع بما يتيح لهم من جاهٍ وسلطان. والأمر كله راجع إلى ضعف الخلق السياسي. فلو قد كان الخلق السياسي قويًّا لآثر ساستنا أمتهم على أنفسهم، ولما رضُوا أن يقِفُوا أنفسهم وأمتهم من الإنجليز هذا الموقف المؤذي المهين. وما رأيك في قوم يُقدِّمون إلى الإنجليز مذكرة يسجلون فيها الحماية على وطنهم تسجيلًا، فإذا أحسوا من الإنجليز تمنُّعًا واستعلاءً لم يجرءوا على قطع المفاوضات، وإنما طاولوا وماطلوا وألقَوْا بعض أعينهم إلى جنة الحكم، وألقوا بعضها الآخر إلى نار الحرمان، فطاولوا وماطلوا وأضافوا مطاولة ومماطلة حتى أصبح الأمر مماحكةً لا أكثر ولا أقل.

ومن ذا الذي يستطيع أن يلوم الإنجليز إذا دلوا وتاهوا وأسرفوا في الدل والتيه … وتركوا ساستنا المحنكين ينضجون على نار هادئة؟

وليس أمر التعديل الوزاري بأقل دِلالة على ضعف الخلق السياسي من أمر المفاوضات. فقد استكشف رئيس الوزراء — فجأة وعلى غير انتظار — أن وزارته ضعيفة تحتاج إلى تقوية، ومزعزعة تحتاج إلى تثبيت؛ لأنه رأى فيما يُقال فريقًا من المفاوِضين يتردَّدون في أن يمضوا معه إلى آخر الشوط، فأراد أن يأخذ للأمر عُدَّتَهُ، وأن يدعم وزارته بالقادرين على أن يمضوا معه إلى آخر الشوط بقوم أشجع من هؤلاء السادة الذين يستحون من أنفسهم ويوشكون أن يستحوا من الناس. وأغرب من هذا أن النقراشي باشا استكشف — فجأة وعلى غير انتظار — أنه يستطيع أن يتعاون مع صدقي باشا بعد أن كان يرى أن هذا التعاون آثم في شهر فبراير الماضي. ولِمَ لا؟ لقد أظهر صدقي باشا أنه كفؤ للتعاون مع النقراشي باشا، فحكومته قد سفكت دم الشباب كما سفكته حكومة النقراشي، وحكومته قد أهدرت حرية الشعب كما أهدرتها حكومة النقراشي باشا، وحكومته قد تهالكت على رضى الإنجليز كما تهالكت عليه حكومة النقراشي باشا. وكان النقراشي باشا يخاف في شهر فبراير أن يكون صدقي باشا قد غيَّر سيرته حقًّا، فلان لمواطنيه وخشن على الإنجليز، فلمَّا رأى أن البيت القديم ما زال صادقًا، وأن صدقي باشا ما زال يطرب حين ينشد المنشدون:

أسد عليَّ وفى الحروب نعامة

فتخاء تنفر من صفير الصافر

لم ير بأسًا من أن يشاركه في النهوض بأعباء الحكم.

أمَّا الأحرار الدستوريون فليسوا هناك، وإنما هم قوم هيِّنون ليِّنون كما يقول الشاعر القديم؛ يستجيبون لكل دعاء، ويسرعون إلى كل مائدة، ويذوقون من كل صنف، يرضون ليغضبوا، ويغضبون ليرضوا، وأمرهم أيسر من أن يشقى به رئيس وزراء كائنًا ما يكون. أحبُّ شيءٌ إليهم الحكم، وأبغض شيءٌ إليهم اعتزال الحكم؛ فهم يشاركون النقراشي باشا وهم يشاركون صدقي باشا، وهم يشاركون الرجلين حين يتفقان، وليس عليهم بأس من أن يشاركوا النقراشي باشا وحده، أو من شئت من رؤساء الوزارات إن كتب الله على صدقي باشا أن يريح ويستريح.

وقد قيل إن الأحرار الدستوريين غاضبون لأن صدقي باشا يريد أن يزحزح أحدهم عن منصبه، وهم غاضبون حتى يروا العين الحمراء، ويتبيَّن لهم أن الغضب لن يغني عنهم شيئًا. هنالك يرضون كل الرضى، ويستقبلون ما يعرض عليهم من مناصب الحكم باسمين شاكرين، أو قُلْ فَرِحين مرحين مستبشرين. والغريب أن بين المصريين من هؤلاء الساسة من يعرفون المثل القديم: إنك لا تجني من الشوك العنب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.