لقد كانت موقعة التل الكبير التي حضرتها وشهدتها ووقفت على كل دقيق وجليل من تفصيلها لطخة عار لا تُمحى في تاريخ الإمبراطورية، كان حلمًا شيطانيًّا حققته بريطانيا، ومهدت له، وأعدَّت ما استطاعت، وسلكت له كل السبل، تارةً الديبلوماسية السوداء، وانتهاك حرمة القوانين الدولية، ومقاومة فرنسا التي كانت تزاحمها مزاحمة عنيفة، وطورًا بمعاداة إسماعيل باشا خديوي مصر، وتربصها للإيقاع به، واستدراجه إلى الاستدانة، ومقاومة عزمه على تقوية الخطط الدستورية التي اتجه إليها لينقذ وطنه.

وقد استمرت هذه المعاداة لأحمد عرابي والبرلمان المصري؛ لأن الدستور لو توطدت أركانه في مصر، كان خليقًا بأن يزحزح الكابوس الإنجليزي الجاثم على صدر مصر ويشل يدها القابضة على عنق الدلتا.

فلما حل موعد الموقعة، لم تركن بريطانيا إلى قواعد الحرب أو قوانين القتال، ولم ترع حيدة القناة المضمونة ضمانًا دوليًّا، بل أسرجت خيول سانت جورج (عبارة مجازية عن الجنيهات الإنجليزية الذهبية) وأطلقتها في حلبة السبق، لتحرز النصر، سداه الغدر والخيانة، ولحمته الرشوة والدسيسة.

وقد قام في فرنسا نزاع خطير حول الدفاع عن قناة السويس ليبرَّ دلسبس بوعده لعرابي، فإنه تعهَّد لزعيم الثورة وقائد الجيش المصري بقوة حربية فرنسية تقاوم إلى جانبه إذا أنزلت بريطانيا جنودها في الإسماعيلية، أو خرقت حرمة القناة الدولية.

ولم يكن دلسبس كاذبًا، ولكن السياسة تكذب، فقد تقدم موسيو دي فريسنيه رئيس وزراء فرنسا إلى مجلس نواب باريس بفتح اعتماد لإعداد الحملة الحربية للدفاع عن القناة، فلم يجبه المجلس إلى طلبه فاستقال في أول أغسطس سنة ١٨٨٢.

وتشكلت وزارة دوكلاك وقيل لنا في المجلس الحربي المنعقد في الزقازيق في أواخر أغسطس: إن دوكلاك ليس مواليًا للإنجليز، ولكنه تهيب بسمارك ويخشى أن يخالفه، وإن جلادستون قد نال رضى بسمارك وحاز موافقته، فلم يستطع الوزير الجديد أن يستمر في الخطة التي سلكها سلفه دي فريسنيه وأدت إلى استقالته.

وقد فسرت لعرابي وللبارودي وطلبة جمعة وبقية رفاقهم معنى هذه الحركة، وهو أن ألمانيا وفرنسا بعد إيطاليا قد كففن أيديهن عن معونة مصر، وتركنها لقمة سائغة للإنجليز، وبدأت أقنعهم بضرورة ردم القناة وسدها وتعطيلها لتحول بيننا وبين نزول الجيش الإنجليزي إذا عبرت سفائنه قناة السويس، ولم يدرك أهمية هذا العمل غير محمود فهمي باشا ويعقوب صنوع (صاحب أبي نضارة زرقا) وعبد الله النديم والأخيران لم يكونا رجال حرب ولكن صحفيان نابهان وطنيان مخلصان.

ولكن عرابي عمي وصم عن خير وطنه، ولو أنه أصغى لنصحي ونصحهما لنجت مصر إلى الأبد، ولأخلد اسمه، وصار بحق منقذ مصر، واستحق تقدير الوطن.

كان أحمد عرابي مستقيمًا وخادمًا لوطنه، وشغوفًا بالحرية ومؤمنًا بالحق، وخطيبًا فصيحًا، وكانت شهرت تبلغ شأو جاريبلدي، ولكنه لم يكن قائدًا بالمعنى المعروف عندنا في سويسرا على الأقل، لم تكن عنده حرارة ديفور (محرر مقاطعة جنيف وطن الكاتب) ولا دافل (محرر مقاطعة لوزان)، ودع عنك غيوم تل «بطل سويسرا الأول».

ولكن كان حوله رجال أفذاذ ذوو شجاعة وإقدام وعقول مدبرة، وعلى جانب كبير من فنون الحرب والهندسة، ولكن أحمد باشا لا يسمع لنصحهم ويخشى بالوهم ما يسميه الرأي العام في أوروبا.

وطالما أفهمته أن هذا الرأي العام خرافة وأن أوروبا متألِّبة على الشرق، وأنها دبرت مؤامرة منذ عشر سنين لابتلاع قارة أفريقيا شمالها وجنوبها شرقها وغربها.

وكان بجانب الأمناء الثقات، الثقات في جيشنا بمديرية الشرقية، خونة يدفعهم الإنجليز ويدفعون لهم ويحرضهم توفيق باشا ويمنيهم بالباطل، وفريق ثالث من الباشوات الشراكسة الذين يحقدون على الجنس المصري الفلاح ويتربصون بهم الدوائر، ومن هؤلاء علي يوسف (الشهير بخنفس)، وقد زعم البعض أنه مصري صميم، والحقيقة أنه من حثالة الترك، وكان قائد قلب الجيش المصري للأسف الشديد، وهو الذي توسط سلطان باشا في شراء ذمته للإنجليز فانسحب بفرقته ليفسح الطريق لجنود ولزلي.

ثم عبد الرحمن حسن قائد الخيالة الكشافة (فرقة الاستطلاع السواري)، وقد تعمد إغفال تنبيه الجند وتحذير الجيش عندما رأى الغزاة يدبون مشاة في الظلام.

ثم راغب ناشد بك وهو قائم مقام في المقدمة، هؤلاء هم الخونة، أما الأورطة السودانية التاسعة فقد حاربت حرب الأبطال حتى فنيت عن آخرها، وصمدت للإنجليز وأذهلتهم.

وطالما نصح محمد عبده وعبد الله النديم ويعقوب صنوع لعرابي أن لا يأمن جانب الشراكسة؛ لأنهم لا يعتبرون مصر وطنهم، ولأنهم يعلمون بغضه إياهم، ويطيعون الخديوي توفيق، وقد أعطاهم سلطان باشا أكياسًا من النقود الذهبية، وتكشفت لهم بعد الهزيمة نحاسًا مموهًا بالذهب، وقد ضبط بعضها في الأسواق وقبض على أصحابها.

وكان معنا في معسكر التل الكبير الدكتور مصطفى بك طبيب عرابي الخاص، وهو رجل صادق شريف راجح الفكر، وقد عاشر عرابي كما عاشرته واتفق معي على أن عرابي يختلف عمن حوله، وأنه الوحيد الذي لا غاية له إلا خدمة وطنه وقومه، وأنه لا يسعى إلى دنيا يصيبها أو منصب يرتقيه، وأنه متنوِّر في دينه، ولا يحمل تعصبًا ولا يضمر كيدًا لأحد.

ولكنه كان كثير التصديق يبذل ثقته بسهولة، ويحسن الظن بكل من يبشُّ أو يهش في وجهه، ومن سلامة نيته وطهارة قلبه أن خدعه سعود الطحاوي، ذلك البدوي الأفَّاق المأجور، شيخ القبيلة التي أعادها إسماعيل باشا، بعد أن جلاها سلفه سعيد عن الحدود، لكثرة فسادها في الأرض.

وظن عرابي أن سعودًا شيخ قبيلة الطحاوية عربي بالمعنى القديم المعروف؛ أي إنه وطني مؤمن مخلص صاحب نجدة عارف لجميل، فإذا به وسلطان باشا يدخلان على رأس الغزاة يحملان المشاعل، وكان هذا الرجل البدوي يتناول باليدين، يأخذ من عرابي ومن الإنجليز ويخدم إلهين ويأكل على مائدتين ولم يرع إلًّا ولا ذمةً.

وقد دخل البدو الطحاوية مع الإنجليز قدمًا بقدم، وكان منهم من أطلق النار على عرابي باشا نفسه، وسبُّوه أقذع السب في مواجهته، وحرضوا بعض الجنود على الفرار من الميدان.

وكان عرابي يخوض غمار المعركة شاهرًا سيفه، ويخطب في الجنود ويحثهم على الثبات، وقد ثبتوا فذبحوا عن آخرهم تلك الليلة القمرية، ونجا كل الخونة؛ لأنهم دبروا فرارهم قبل خوض غمار المعركة الصورية المزيفة ليعلنها الإنجليز نصرًا مؤزرًا، وهم يعلمون أنها كادت تكون لهم هزيمة منكرة لو لم يلجئوا إلى الخيانة والرشوة.

وكنت بجانب عرابي، وبيدي بندقية، ولما أوشك الإنجليز أن يطبقوا على عرابي رجوته في الثبات فاستعد للموت والاستشهاد، ولكن طبيبه الدكتور مصطفى بك (لا خادمه الخاص) نصح له بالفرار على صهوة جواده.

أما الثبات فلم يكن مستطاعًا إلا للسودانيين الذين خندقوا، وأما موت عرابي، فكان خليقًا أن يحفظ اسمه ويخلد ذكره.

وأشهد وأنا أسجل هذه الأحداث عقب حدوثها مباشرةً، وبعد أن نجوت من الموت بمعجزة لأدوِّن ذلك الكتاب المخزي لأعداء مصر، أن محمود فهمي قائد المدفعية كان عظيمًا وكذلك كان عبد العال.

أما محمود سامي ويعقوب سامي فجركسيان انضما للحركة الوطنية نكاية في توفيق، ولكنهما ضابطان شريفان مخلصان، بغض الطرف عن الحوافز والدوافع والبواعث، فلا هما ولا طلبة جمعة تجرأ أحد من مدبري الخيانة والرشوة أن يتقدم إليهم.

وعندي الآن كل الأدلة والوثائق على أن المؤامرة دبرت ضد مصر قبل يوليو ١٨٨٢، وقبل ضرب الإسكندرية بالقنابل، وكان شريف ورياض (الباشان اللذان توليا الوزارة مرات عدة) مع الإنجليز، ويضمران للخديو توفيق الاحتقار، ويسعيان للوصاية على العرش بعد خلعه، وانضم إليهما سلطان باشا رئيس مجس النواب.

وهذا الأخير قد تهتك في خدمة الإنجليز ورفع نقاب الحياء وافتخر جهرًا بنيشان «ميخائيل وجورج» الذي قلده الإنجليز إياه بجانب عشرة آلاف جنيه دُفعت له تعويضًا.

أما موقعة كفر الدوار ومناورة القصاصين، ووقوع محمود فهمي باشا في الأسر، وإصابة حوافر جواد ولي عهد إنجلترا، ومذبحة طنطا والدور الذي مثَّله إبراهيم أدهم مدير الغربية الجركسي، فيجدها القارئ في مكان آخر من هذا الكتاب. انتهى.

ولا تعقيب إلا ارتعاش الكاتب والقارئ وارتجافهما ارتجاف العصفور، لا الذي بلله القطر، بل بللته الدموع وعرق الخجل!!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.