لما دعا المغفور له قاسم أمين في مستهلِّ القرن العشرين إلى «تحرير المرأة» من رق الجهل ومن رق الحجاب، لقيت دعوته أول أمرها معارضة أشد المعارضة من نواحٍ مختلفة، عارضها القصر وصاحبه، وعارضها رجال الدين، وعارضها ساسة الوقت، وعارضها الكُتَّاب، وعارضها مجموع الشعب معارضة عنيفة غاية العنف، وصمد قاسم لهذه المعارضة، ونشر بعد عام منها كتابه الثاني «المرأة الجديدة» فلم تخفف قوة حجته من شدة خصومه، وإن بدا إقدامه يكسب له أنصارًا، مع ذلك لم تثمر دعوة اجتماعية في مصر ما آتت دعوة قاسم من ثمرات إيجابية. وبحسبك أن تذكر أن مصر لم يكن بها يوم رفع قاسم صوته بدعوته غير مدرسة واحدة مصرية للبنات بالعاصمة. وهذا اليوم عشرات مدارس البنات، بل مئاتها قائمة في أنحاء مصر كلها، وأن تذكر أن وجه المرأة كان يومئذ عورة تستره عن الرجال، وعن أقرب الأقربين منهم ما لم يكن مَحْرَمًا. وها نحن نرى المرأة تشارك الرجل اليوم في مختلف ميادين الحياة سافرة غير مقنعة. ونرى السيدات قائمات بألوان من الإصلاح الاجتماعي، قائمات إلى جانب ذلك بكثير من أعمال البر والإحسان، ذاهبات يذعن الدعوة إلى المساواة العامة بين الرجل والمرأة في الحقوق السياسية، دعوة يشاركهن الكثير من الرجال فيها. بحسبك أن تذكر هذا وأن تذكر إلى جانبه كيف فرض الدستور المصري التعليم الإلزامي على البنين والبنات، وكيف أفسحت الجامعة معاهدها للمتعلمات بعد أن كان قد صدر قرار في سنة ١٩٢٢بتحريم الدخول في امتحان شهادة الدراسة الثانوية على البنات، لترى ما لقيت دعوة قاسم من إقبال سريع عليها، وما صادفها من نجاح سريع لم يصادف غيرها من الدعوات الاجتماعية في مصر، بل في الشرق كله.

وقد كان هذا طبيعيًّا. فليس يسيغ عقل تلك القيود القديمة التي فرضها الماضي على المرأة بحرمانها من حق المعرفة، ومن حق حرية الحركة في الحياة. والقيود تبقى ما أمسكتها العادات والأوهام، فإذا تسلطت عليها قوة الرأي ومنطقه تحطمت، لكن قيود المرأة تحطمت بأسرع مما كان يتصور صاحب الدعوة نفسه. ذلك بأن حاجات الحياة المادية عاونت على هذا التحطيم، فقد أخذ الشبان يفكرون في دعوة قاسم في هذه الشريكة لحياتهم الغارقة في بحار جهالتها وعبوديتها، وينكرون منها أن تكون بهذا القدر من الجهل. ورأى الآباء الصيحة تعلو بهذا، ورأوا الشبان يقرءون في الصحف ويسمعون من فوق المنابر دعوة قاسم فأخذوا يفكرون. إن هؤلاء الآباء ينكرون تلك الدعوة ويرونها بدعة وإثمًا، ولكن مستقبل بناتهم سيعرَّض للأذى إذا لم يتعلمن. إذ ذاك ذكروا حكمة علي بن أبي طالب «لا تقسروا أولادكم على أخلاقكم فقد خلقوا في زمان غير زمانكم.» وإذ ذاك بدءوا يبعثون بهاتيك البنات للمدارس، وازداد عدد المدارس شيئًا فشيئًا بازدياد إقبال آباء البنات على تعليمهن. وبذلك خف صوت معارضي قاسم، وسارت دعوته سيرها السريع، وبدأ التفكير العام يتأثر بهذه الحالة الجديدة، ثم كانت الحرب وما أثرت في التقدير الخلقي والمعنوي للناس في أنحاء العالم المختلفة، فحطم ذلك من قيود الحجاب ما كان باقيًا، واندفعت الفتاة في سبيل الحرية، وخيل إليها أنها ظفرت بها كاملة بمجهودها، فالتفتت إلى ناحية الرجل مزدرية تعلن إليه هذا الفوز على قديم ظلمه، وتعلن إليه حرصها على أن تأخذ بحقها من اضطهاده إياها في الماضي. ولا تبالي بأن تباريه في ذلك بألد الخصام، ناسية أن الفضل في حريتها لرجل هو قاسم، ولرجال نصروا من بعده دعوته، وازدادت اندفاعًا فأرادت أن تثبت كذب قول الشاعر:

كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول

ومن يدري؟ لعلها تظفر في الحرب القادمة من القتل والقتال بالنصيب الأوفى!

كانت حاجات الحياة المادية إذن هي التي أسرعت بدعوة قاسم إلى الانتشار والنجاح. وكان الانقلاب الذي أحدثت الحرب هو الذي دفع بالمرأة لتطلب من صور الحرية كل ما يرسمه لها خيالها المتوهج الوثاب، ولتنال من هذه الحرية حظًّا عظيمًا. على أن خيالها لم يبدع لها من صور الحرية إلا ما عرفت منها في أوروبا؛ فالأزياء الغربية، والعادات الغربية، والحياة المنزلية الغربية، وألوان اللهو الغربية من رقص وما شابهه؛ كل ذلك كان ما صورته المرأة المصرية لنفسها في سبيل حريتها، لم يجل بخاطرها أن تبدع جديدًا أو تفكر على نسق غير النسق الغربي، ولها من العذر عن ذلك أن الرجال أنفسهم في مصر وفي الشرق لا يبدعون جديدًا، ويعملون لينقلوا صورة الحياة الغربية إلى مصر والشرق كما هي. ولما كان النقل غير ميسور في شأن حضارة من الحضارات؛ لأن لكل حضارة أصولًا بعيدة الغور في التاريخ الفكري والاقتصادي لأية أمة من الأمم، فقد اقتصر النقل عند الأمور الظاهرة، ولم يتخطه إلى ما وراءها. ذلك هو الشأن بالنسبة للرجل، وهو الشأن بنوع أخص بالنسبة للمرأة المصرية والمرأة الشرقية، وقد يظل الحال كذلك زمنًا غير قليل.

والحق أن الفترة التي انقضت بين دعوة قاسم وهذه النهضة التي قامت بها المرأة أقصر من أن تجعل للمرأة الشرقية شخصية قائمة بذاتها معتمدة على ثقافة أصيلة في نفسها. وما ثلث قرن من الزمان ينتقل فيه نصف الإنسانية الشرقية من رق الجهل ورق الحجاب إلى نور العلم وضياء الحرية، وينتقل ليجد الرجال يستعيرون ثقافتهم وطرق معيشتهم من الغرب مع محاولة جعله شرقيًّا إذا أمكن. إن طبائع الأشياء لتقتضي أجيالًا متعاقبة، ليصبح مثل هذا الانتقال الذي نتحدث عنه أصيلًا قائمًا بنفس الجنس آخذًا منه مأخذ الإيمان حتى ليدافع عنه إذا أراد أحد الاعتداء عليه أو الانتقاص منه. وذلك لا يكون والأمر ما يزال مجرد تقليد ومحاكاة، وهذا هو الحادث بالفعل في مصر وفي الشرق، فالمرأة تندفع في سبيل النهوض والتقدم، وتبلغ فيهما ما وجدت السبيل أمامها ممهدًا والظروف مؤاتية، فإذا قامت عقبة في سبيلها كانت أدنى إلى الخوف والتراجع منها إلى الإقدام والثورة، فيقوم وزير للمعارف نصير للمرأة، فيفتح أمامها الأبواب، ويمنحها التسهيلات، ويدع لها من الحرية ما يعتقد فيه خير المجتمع، فتعتقد أنها انتصرت بعملها ومجهودها، وأنها غالبت الرجال وغلبتهم، وأحرزت عليهم فوزًا محققًا، ثم يقوم وزير آخر للمعارف محب للمرأة غير حريص على حريتها لحبه إياها، فيوصد دونها الأبواب ويقيم في سبيلها العقبات، فإذا هي تتراجع ولا تقدم وتخاف ولا تثور، ولها في الحالين عذرها. فهي مؤمنة خطأ بأن الرجل ظالمها وخصمها، فهي لذلك تعتبر كل خطوة تخطوها كسبًا تناله على حساب الرجل ومظلمة من مظالمه تتخلص منها، وهذا في تقديرها انتصار لها وفوز عليه. والواقع أن هذا التقدير من جانبها غير صحيح البتة، فهي إن كانت قد نهضت فالفضل في نهضتها يرجع إلى إيمان طائفة من الرجال بأن حريتها خير للإنسانية وأعود عليها بالسعادة، وإن كانت قد نالت حظًّا من الحرية، فالفضل فيه راجع إلى مثل هذا الإيمان من جانب طائفة من الرجال، وهي إذا كانت اليوم تأخذ من العمل العام بنصيب، تشارك الرجال في المناصب، وتقوم من أعمال البر بما لم تكن تقوم به من قبل، فذلك راجع إلى اقتناع الرجال بما في هذا التضامن والإخاء وفي هذه المساواة من خير للمجموع. وسيبقى الأمر كذلك إلى أن تصبح المرأة المصرية والمرأة الشرقية قوة بذاتها يحسب الرجل حسابها، ويخشى عاقبة ثورتها وغضبها، وليس في القول بأن هذا الوقت لم يئن بعدُ شيء من الغلو أو المبالغة.

متى يحين ذلك الوقت؟ ومتى تتحقق الغاية التي قصد إليها قاسم من دعوته؟ تحدث إليَّ صديق شاب كثير الأسفار يتردد على أوروبا ويغشى الجماعة الأوروبية، فسألني عن السبب الذي من أجله تبدو الأوروبية المتعلمة التي نالت من الثقافة أعظم حظ بسيطة في حديثها، رقيقة في اتصالها بالحياة، غير مبالغة في تقدير أنوثتها ولا في تقدير علمها وفضلها، بينما تنقص الشرقية المتعلمة هذه البساطة والأناقة وهذه السلاسة التي تبعث في الجمعية حياةً وروحًا لا سبيل لمثلهما بغيرها، ولم أحتج إلى كبير عناء في الاعتذار عن المرأة الشرقية المتعلمة، فهي محدثة التعلم مزهوة لذلك به، وهو محدث الثروة مزهو بثروته، وهي في هذا الزهو لا تختلف كثيرًا عن الرجال، فهم كذلك محدثون في ثقافتهم مزهوون لذلك بها. وآية ذلك أنك ترى الرجل أو المرأة لا يتحدث أحدهما إلا عن نفسه وعن عمله إن لم ينل من غيره، والسيدات في ذلك أبرع من الرجال. وقلَّ أن تجد الجمعية المصرية التي تسمو فوق ذلك من الرجال والنساء، قلَّ أن تجد الجمعية المصرية التي تتناول حديث الحياة، وما فيها من علم وأدب وفن وذوق في المطعم والملبس وجمال في الجو، أو في غير الجو ورياضة ذهنية أو بدنية، يوم توجد هذه الجمعية تضم الرجال والنساء، ويوم تكون المرأة مصدر الوحي، وسر الحياة لهذه الجمعية، تكون الغاية التي قصد إليها قاسم من دعوته قد تحققت.

وأرجو أن لا يكون بيننا وبين هذا اليوم زمن بعيد، فهذا اليوم هو الذي تتهذب فيه العاطفة، ويتهذب فيه الشعور، وتصبح فيه المرأة حقًّا ملاك المودة والرحمة في الجمعية الإنسانية، وتكون فيه ملهمة الرجل خير آثار الفن والأدب. ولئن رجوت أن لا يكون هذا اليوم بعيدًا، فذلك لأن النهضة النسوية كنهضة الثقافة العامة في مصر والشرق ما تزال في جزر ومد ليس من اليسير قياسهما، وليس من اليسير تقدير المستقبل في أمرهما. على أن المجهود الضخم الذي يبذل في سبيل الوصول إلى ذلك اليوم، وتطور الحياة الإنسانية السريع في الشرق يدعو إلى كثير من الرجاء في مستقبل غير بعيد، مستقبل تثمر فيه دعوة قاسم خير ثمراتها، وتكون المرأة الشرقية فيه روح الجمعية الشرقية، ومصدر الوحي إليها وإلهامها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    فارس الشمس ·٦ يوليو ٢٠١٤، ٩:١ ص

    ما كان تحرير المرأة من الحجاب تحريرا ، بل هو رق من نوع آخر، ان فرض المولى عز و جل الحجاب على المرأة ليس من قبيل الرق و لكنه دفعة عظيمة للمرأة نحو حرية من نوع آخر.