جاء في بعض يومياتكم:

… لعل صاحبة القضية الحقة من بنات حواء تسكت ولا تتكلم، وكلمة الحق مصدر تستعمل هنا صفة، ويلزم إفراد اللفظ وتذكيره كما قال ابن مالك في الألفية:

ونعتوا بمصدر كثيرًا

والتزموا الإفراد والتذكيرا

ولست أريد بهذا الكلام تسقطًا للأخطاء، وإنما دفعني إلى الكتابة إليكم رغبتي في الاستفادة والمعرفة، فربما كان هناك رأي يجيز هذا الاستعمال، أو ربما كان هناك خطأ مطبعي غير مقصود، ونحن كثيرًا ما نلاقي العنت من السادة المفتشين لاستعمال الطلاب هذه الألفاظ الدائرة على أقلام الكتاب، مثل: مشاريع، ومفاهيم، ومواضيع، والرصيف، واللافتة … إلى آخر هذه القائمة الطويلة …

فوزي محمد حباتر، مدرس بدار المعلمين بأسوان

بغير مناقشة «الألفية»، تصح كلمة الحقة؛ لأنها — كالحق — مصدر لفعل حق تثبته المعجمات اللغوية.

فإذا سلمنا أن المصدر يأبى الجمع في موضع الصفة على حالة من الحالات، فالحقة جائزة حيث استعملناها كما تجوز كلمة «الحق» بلا خوف.

ولكن المصدر يجمع في غير موضع الصفة على جميع الأقوال إذا تنوعت معانيه، وقد جمعوا الفضل على أفضال، وهم يجمعون المجد في العصر الحاضر على أمجاد إذا أرادوا بها مجد الآباء، مجد الأجداد، ومجد الفتوح ومجد العلوم ومجد الأخلاق، وغير ذلك من الأمجاد.

والفتوح التي ذكرناها هنا وذكرها مئات المؤرخين والشعراء من قبلنا هي أيضًا جمع المصدر فتح «فتحًا» قد جاز فيها الجمع حين جاز التعداد.

فإذا صح جمع المصدر على هذا المعنى فقد بقي أن نطالب من يمنعون جمعه في موضع الصفة بالدليل من شواهد البلغاء والعرب المتقدمين، ولا ندري كيف جاءهم الشاهد الذي يبنون عليه المنع كما قال صاحب الألفية؟

هل حدث أن المتقدمين استعملوه ثم جاء من يمنعه على المتقدم الأول؟

هل تكون الحجة أن كلام المتقدمين خلا من جمع المصدر وتأنيثه، فأصبح خلو الكلام منه حجةً على تحريمه؟

إن القرآن الكريم قد خلا من كلمات كثيرة صحيحة غاية الصحة، ولا يعتبر ذلك شاهدًا على وجوب اجتنابها.

ولسنا نخالف النحاة في تصور معنى المصدر الذي لا يقبل الجمع؛ لأنه غير الحدث المتكرر، فهذا تصور دقيق لمصدر الفعل يدلُّ على حالة عقلية ولا يدل على أحداث قابلة للتكرار، ولكن الحالة نفسها تجمع إذا تنوعت، والصفة تخرج الكلمة من معنى المصدرية إلى المعاني التي يجوز فيها اتباع الموصوف على «حالاته».

وقد يكون لصلاح اللفظ حكمة في الإجازة والمنع حسب مجراه على الألسنة، فلا يصح في جميع الكلمات ما يصح في بعضها على القياس، ولكن التصرف الذي لا ينكره اللفظ السائغ ولا المعنى المعقول بابٌ سمحٌ تتسع معه القاعدة دون أن يخرج بها الاتساع عن حدِّ اللغة المحمود، وليست المرأة الحقة بأصعب لفظًا من المرأة العدلة، وهي تجوز.

وإن مفتشيكم لمشكورون على تحري الصحيح، والتحذير من المخالفة التي لا حاجة إليها، ولكنهم إذا لم يقبلوا التوسع في ذلك الحدِّ المعقول؛ فعليهم أن يراجعوا كلمة «التفتيش» نفسه ليجيزوا بقاءهم «مفتشين»، أو ينظروا في اختيار اسم آخر أوفق لعملهم من اسم التفتيش …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.