«ثورة الأدب»؟

جعلت أكرر اللفظتين لنفسي بلهجة المستفسر أو المستغرب، وأنا أنظر إلى جمال خطهما على الغلاف، وأتأمل التواء الراء وقيام الألف على اللام وكأنهما فرعان من أصل مجتث، ثم وضعت الكتاب على ركبتي واضطجعت، وقد صدني العنوان عن تقليب صفحاته، ثم ابتسمت.

ابتسمت لأن أمر الكتب عجيب؛ فيها الصبر الذي يروقني، والاحتمال الذي تروعني القدرة غير المحدودة عليه، هذا الكتاب الذي على ركبتي في وسعي أن أضعه حيث أشاء — على رف أو تحت كرسي — وأن أهمله سنين وسنين، وأن أنساه كأنه لم يكن ولم يتعب في تحبيره وإبراز ما فيه عقل دائب لا يكل ولا يتوقف وهو يشق — كالسفينة — عباب الحياة الزاخر، وبعد سنين وسنين من الإغضاء والإغفال والنسيان أستطيع أن أكر إليه وأن أتناوله، وأن أفتحه وأن أقرأ فيه — من أوله أو آخره — فلا يبخل عليَّ بما أبغي منه، ولا يصدني عما أنشد، ولا يتبرم أو يتأنف أو يتوجع لطول الإهمال، ولا يتغير أو يخفت أو يبح الصوت الذي كنت حقيقًا أن أسمعه منه قديمًا، وإذا قرأت فيه ثم صرفتني عنه الشواغل، وعدل بي عن المضي فيه الكِبْر أو الغرور أو الحماقة أو العجز عن الفهم أو شيء من مفاتن الحياة الأرضية، فلا شكوى ولا عتاب ولا ملام، وفي مقدوري أن أستأنف القراءة من حيث وقفت وأنا لا أخشى تقريعًا ولا أحتاج أن أطلب غفرانًا أو أَبْسُط عذرًا، وإذا لم أفهم بعض كلامه، فإن لي أن أعاود القراءة مرة، وثانية، وثالثة، فإن الكتاب لا يمل ولا يضجره التكرير والإعادة، ولا يدعوه غبائي إلى احتقاري، ولا يبعثه ذكائي على إكباري، وإذا فهمت ورفضت الحجة، لم يغضب ولم يسخر ولم يهجم عليَّ بغروره ودعواه، وإذا جنحت إلى الموافقة لم يفرح، وإذا مزَّقته لم يَشْكُ ولم يتوعد.

هذا التحليق فوق الحياة، هو فيما أظن الذي يسبيني من الكتب، وهذا التجرد من الخوالج والعواطف والإحساسات الإنسانية هو مصدر فتنتها عندي، وليس ما بها برودًا، فإن حرارة الحياة كامنة فيها كما يمكن أن نقول إن حرارة الشمس كامنة في الشجر الذي يبدو للعين جافًّا جافيًا.

ومع الكتب يمضي الزمن في سكون لا يزعجه أو يفسده شيء، فإن في الكتب — كما في المقابر — تسليمًا عميقًا تامًّا، والمرء وهو يقلب الكتب ويتدبرها ويصغي إلى أصواتها القوية أو الضعيفة، العالية أو الخفيضة، القديمة أو الحديثة، ويتفكر في إلحاحها عليه بالحجة أو النظرة أو الصورة أو غير ذلك، لا يسعه إلا أن يدرك أن ضغط الزمن باطل وخدعة، وكما أن الذي يمشي بين المقابر تهوله في أول الأمر مظاهر الموت وآيات الفناء الذي يركد في ساحته عباب الحياة، ثم تسكن نفسه شيئًا فشيئًا إلى ضآلة هذا الموت، وتعود كثرة المقابر كثرة في الشواهد على هذه الحقيقة، أو يحلِّق المرء بنفسه ويسمو، فينأى عن سحق الهول الذي يأخذه أول الأمر، كذلك يحس الذي يحيا بين الكتب ويلتمس الروح والراحة فيما تنطوي عليه، فينتقل من اليأس الذي يُشعِر النفس أن كل سَعْي عبث، والفزع الذي يثير الاضطراب أو يثيره ويجره الاضطراب في التفكير إلى السكون والرضا والاستقرار، لا عراك هنا ولا تنازع ولا حماقات ولا شيء إلا هذه الأصوات التي انبعثت من — ثم انقطعت عن — بواعثها الأرضية الوقتية، حتى أبرع أغاني الحب وأخلبها وأقواها سحرًا، تلطف وتصفو فلا تذكر بها اللحم والدم اللذين حرَّكاها وأطلقاها.

هذا السكون، هذا الاعتزال الروحي في العالم، هو غايتي ومطلبي، وإني لأحيا حياتي وسأظل أحياها — ما وسعني ذلك — في بساطة ومن غير تكلُّف، ولكني أحب أن يكون في وسعي أن أغشى الميدان بلا حقد أو نقمة، وأن أحتمل الخيبة بلا مرارة، وأن أتقبل الحياة بغير استكراه للصبر، وأن أتلقى الإحساس بما فيها من الجمال بغير شرهٍ أو تهالك، وأن أخلق في نفسي كهفًا لا تعصف به الشهوة والخوف والطمع. وإني في سبيل ذلك لأتعثر من خاطر إلى خاطر، وانتقل من كتاب إلى كتاب، وأفتح عيني من حلم لأغمضها على حلم آخَر، وإني لينقصني وحي الصوت الهادي وإشارة الأصبع المرشد، وقلما أفهم أو أدرك ما تجيبني به الكتب عما أسألها عنه، وما زلت كثير التردد شديد الإحجام عن أخذ الصمت في إصرار ومثابرة إلى هذه الغاية. ويا رُبَّ ضحكة فضية لفتتني وألهتني وأنستني غايتي، وأضلتني عن طريقي ثم تركتني مغيظًا محنقًا واجف القلب خائفًا، ومتى يا تُرَى يستطيع المرء؟ وبعد كم سنة من الرياضة يسعه أن ينتقل من السكون الذي تفيضه حياة العقل أو الرغبة فيها، إلى الحصانة؟ والحصانة هي مطلب الإنسان في الحقيقة، حتى الرغبة في الخلود — ومبعثها الخوف من الموت، ومن ثمارها البعث — ليست عندي إلا في مرتبة دون مرتبة الحصانة؛ ذلك أن الرغبة في الخلود لا تخلو من امتزاج الشوق إلى الراحة بالسحق، أو لا تخلو من مثل فزع هملت من الأحلام الخالدة، ولكن الرغبة في الحصانة توفِّق بين طلب الراحة وطلب الحياة أيضًا.

بهذا المزاج تناولت كتاب صديقي الدكتور هيكل بك، وقد كاد عنوانه يصرفني عن قراءته، فقد صرت أمقت الألفاظ الجامحة والكلمات النارية، وهو لا يكتفي «بالثورة» في العنوان، بل يشعل نارها في كل صفحة، والثورة على لسانه أبدًا، والمرء يحس لفحها وهو يقلب ورق الكتاب، فالتجديد ثورة، والحضارة الإنسانية ثورة متصلة، والبركان فائر أبدًا لا يهدأ ولا يفتر، ومن كان مثلي يؤثر سكينة الروح، ويعالج أن ينقر لنفسه في جوفه غارًا يأوي إليه ويحتمي به ويعتزل فيه، فإن هذه الثورة المضطرمة لا شك تزعجه، وإني من أجل ذلك لعاتب على صديقي؛ فما أستحق منه الإفزاع، ولقد أحسست وأنا أقرأ مقدمته كأنَّ يدًا ضخمة عنيفة أطبقت عليَّ، وانتزعتني من كهفي وألقت بي بين جبال متقلعة من الموج، وأنا لا أُحسِن السباحة، فأنا من أجل هذا أشدُّ حرصًا على كهفي وطلبًا له ولِياذًا به.

كلا! لا ثورة ولا شبهها، ولكن توليد، وكل جهد يلد جهدًا، وكل سعي ينتج سعيًا، وكل باب يؤدي إلى باب، ولا ثورة هناك في الأدب أو الحضارة أو غيرهما، والدنيا تمشي على مهل، والزمن خطوه وئيد، والذي يُخيَّل للمرء أنه انقلاب شامل محيط، لا يلبث بعد أن تقر الضجة وتهدأ فورة الكلام أن يتضح أنه ليس أكثر من خطوة قصيرة، لا تنقطع بها الصلة ولا يخفى بعدها النسب، وماذا كانت الثورة الفرنسية الكبرى؟ وماذا صنعت؟ أطارت آلافًا من الرءوس عن الأبدان، وغيَّرت أسماء الأيام والشهور، وجاءت بدين جديد، ومحت الألقاب، وأزالت الفوارق بين الناس، وأقامت المساواة والإخاء، ولا أدري ماذا أيضًا؟ وشحذت حد الجيلوتين للمُنكِر والمكابر والرافض والمتردد والشاك حتى فيما بينه وبين نفسه، وفرضت الإيمان بها على الخلق بهذا الحد القاطع، ثم ماذا؟ ثم دارت الأيام دورة قصيرة، وإذا بالدِّين الجديد يُمحَى ولا يبقى به مؤمن، وإذا بالأيام والشهور تفقد أسماءها الجديدة وتسترد ما سلبتها الثورة من الأسماء القديمة، وإذا بالألقاب تعود كرة أخرى وتعود معها الفوارق بين الناس، وإذا بالمساواة والإخاء على عهد الدنيا بهما؛ فلا مساواة على الأرض ولا إخاء بين الناس، ولا عدل إلا العدل الذي عرفته الدنيا والذي لن تعرف سواه، وإذا كل ما أثمرته «الثورة» الفرنسية الكبرى أو كل ما تمخضت عنه وأورثت الدنيا إياه، هو ما شاع من الآراء والمبادئ قبل الثورة بفضل روسو وأمثاله من الكتَّاب والأدباء والعلماء، وظهر أن الدنيا لم تكن بها حاجة إلى كل هذه الثورة لتستفيض هذه المبادئ والآراء وتفشو. ولقد أحدثت الثورة رد فعل أي حركة رجعية لمقاومة هذه الآراء والمبادئ، فانقضت سنواتٌ وسنواتٌ قبل أن تستطيع هذه المبادئ أن تتغلب على مقاومة الرجعية، فلو لم تَقُمْ هذه الثورة الطاغية لما احتاج شيوع هذه الآراء والمبادئ إلى أكثر من الوقت الذي انقضى في العراك بينها وبين الرجعية. ولقد كان خيرًا للدنيا لو ذاعت هذه الآراء على مهل، وتقررت شيئًا فشيئًا في ثرى النفوس، ورسخت فيها على الأيام بلا حاجة إلى هذه الرجة العنيفة.

أعود فأقول إني لست ممن يؤمنون بالثورة، بل لست ممن يرون أن لهذا اللفظ معنى.

ولقد أسلفت أن كل حركة مولَّدة من حركة تسبقها، ولا سبيل إلا إلى هذا في الدنيا، ولا يمكن أن تكون الحركة الجديدة المولَّدة إلا بنت السابقة، وإلا خطوة واحدة بعدها، والتعبير بلفظ الثورة عما يحدث من مظاهر التطور والانتقال البطيء من حال إلى حال في هذه الحياة — خطأ في رأيي، والألفاظ تخدعنا وترسم في أذهاننا صورًا غير صادقة لما نتناوله بالتفكير، والمرء مجبول على إيثار الأسهل والأيسر، والصور اللامعة تعشي العين عما يكون أقل لمعانًا وبريقًا وأخفى من أجل ذلك، وإن كان أصح وأصدق، وليس منا من لا تضله الألفاظ، بما تقرر لها في النفوس من المعاني الموروثة، والخطأ في التفكير يرجع أكثره إلى الألفاظ والمعاني التي اكتسبتها واستقرت عليها، ومن سوء حظنا أننا لا نستطيع إلى الآن أن نتصور المعاني مجردة عن الألفاظ، أو أن نفكر بغير هذه الأداة، وقد يجيء اليوم الذي يتحرر فيه العقل الإنساني من هذا القيد — قيد اللفظ — فيستطيع أن يُجرِي المعاني ويديرها وهي طليقة عارية من هذه الكُسَا الخداعة، ولكن هذا اليوم لا يزال مع الأسف بعيدًا، ومتى جاء فسنستغني عن اللغات جملة، ولا تعود يومئذٍ بنا حاجة إلى الكتب، ولا يبقى هناك جديد ولا قديم، ولا ثورة مزعومة من ذاك على هذا؛ لأنه متى وسعنا أن نفكر من غير أن نحتاج إلى الاستعانة بأداة كالألفاظ، فإنه لا شك يسعنا أن ننقل الخاطر أو المعنى أو الصورة أو الإحساس من ذهن إلى ذهن مباشرة، أيْ بغير واسطة الألفاظ التي نكون قد استغنينا عنها في التفكير، فنتخاطب بالنظر، ونتفاهم بإرسال موجات من الفكر، ونتبادل الشعور على هذا النحو.

ويومئذٍ ماذا يفعل الله بهؤلاء الأدباء الذين لا يفتئون يعصرون نفوسهم وأدمغتهم، ويُخرِجون للناس الكتاب في إثر الكتاب؟ لا تبقى بالدنيا حاجة إليهم، وإنَّ هذا اليوم لآتٍ لا محالة، وإنه لآخِر خدعة الخلود في الحياة، وإن الأدباء ليحسنون إلى أنفسهم وإلى الناس بإدراك هذا المصير من الآن بإراحة الدنيا من ضجتهم الفارغة، وليتهم يفعلون مثلي: يبنون كهوفًا لأنفسهم — في أنفسهم — يلجئون إليها، ويبغون فيها عزلة الروح وسكونها، والتحليق فوق هذه الضجات الكواذب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.