هل استقر الأدب في مصر على حدوده وعرف نفسه، وأدرك غاياته وتمكن من وسائله؟ وهل انقضى زمن الاضطراب والحيرة والتمهيد وشارفنا زمن البناء والتشييد؟ وما هو الأدب والأديب وما رسالتهما في الحياة؟ وما قيمة اللغة من حيث هي أداة للعبارة عما في النفس من خوالج وخواطر وصور ومعانٍ؟ وإلى أي حد تأثَّرَ القديم بالجديد، وساير الشعر النثر في نهضته؟ والنثر ماذا بلغ من تحرره؟ وكيف تطورت القصة في الأدب العربي؟ وإلى أي حد يجوز لنا أن نعتمد عليها في تصور عصور التفكير المختلفة؟ وهل نشأ هذا الفن في مصر؟ وما علة ضعفه وفتوره أو قصوره إلى الآن؟ والتأليف المسرحي ما شأنه وما غاياته؟ والأدب القومي ماذا ينبغي أن يكون مصدر الوحي الأكبر فيه؟ وما هو مبلغ الاتصال بين مصر الحديثة ومصر القديمة؟

هذه طائفة قليلة من كبرى المسائل التي يتناولها صديقي الدكتور هيكل بك في كتابه الجديد «ثورة الأدب»، ويلقي إليك بجوابها عنده، وهو كتاب قديم جديد كما يقول؛ قديم لأن فصولًا منه نُشِرت من قبلُ، ولكنه جديد «من ناحيتين: الأولى وحدة الفكرة التي تنتظم فصوله جميعًا، والثانية أن بعض الفصول جديد لم يسبق نشره، وبعضها — مما سبق نشره — زيد عليه أو حُذِف منه ما يجعله يتفق ووحدة الفكرة، وبعضها أُلِّفَ من أكثر من جزء من عدة فصول نُشِرت، وهذه الأجزاء جميعًا تتسق من حيث الفكرة، وتؤدي إلى الغاية التي وُضِع الكتاب من أجلها. فالكتاب إذن جديد قديم، وأحسب طابع الجدة فيه أغلب؛ لأن الفكرة التي دعت إلى نشره لم تكن بارزة في أي من الفصول التي سبقت إلى نشرها، بروزها فيه».

ويجيبنا الدكتور هيكل بك عن هذه المسائل التي يثيرها في فصول كتابه إجابة فيها السداد والتوفيق والوضوح والقصد، فيقول لك إن الأدباء سألوا أنفسهم «إلى أي أدب وإلى أية فلسفة في الماضي القريب والماضي البعيد يجب أن ننسب إذا أردنا أن يكون (الأدب) مظهرًا لحضارة ما؟ وقف المجددون هذه الوقفة وواجهتهم هذه المسألة، فلم يتردد أكثرهم في هذه الإجابة، فإن ماضيهم هو الأب الطبيعي لحضارتهم أو أدبهم، أما القلائل الذين قالوا بالأخذ بالحضارة الغربية في كل مظاهرها وصورها على نحو ما فعل الأتراك، فلم يجدوا لأقوالهم إلا صدى ضعيفًا زاده ضعفًا … فتور النفس الغربية بعد الحرب عن الأدب الكبير. من هنا بدأت الصلة بين أنصار القديم وأنصار الجديد، فبدأ هؤلاء يقبلون على تراث السلف ينقبون فيه بالوسائل العلمية الحديثة، وبدأ أولئك يُقرِّون هذا ويعتبرون في ثمرات الجهود التي يبذلها أنصار الحديث في بعث الأدب الجاهلي وأدب عصور الإسلام المختلفة بعثًا علميًّا دقيق التحقيق، خطوة موفقة في سبيل إعادة الحياة إلى حضارتنا الدفينة».

ومن هذه العبارة التي نقلناها لك تلمح غاية الكتاب والروح التي تسري في فصوله، ثم يقول لك الدكتور هيكل بك إن الأدب العربي القديم وحده لا يكفي، وإن كان لا مفر للأديب من الوقوف عليه والإحاطة به، وإن أدب أية لغة من اللغات — قديمة وحديثة — لا يكفي وحده لثقافة الأديب، وإن الأدب العربي لم يكن منقطع الصلة بغيره من الآداب التي أتيح له أن يتصل بها، وإن العرب جدوا في نقل علوم الفرس واليونان، وإن الجاحظ وابن المقفع كانا متأثرين بهذه العلوم والآداب، والحاجة إلى الاطلاع على الآداب المختلفة «ليس معناها الانصراف عن الأدب العربي قديمه وحديثه، فنحن بحاجة إلى التضلع في هذا الأدب؛ لأنه هو الأساس الذي نبني عليه ونريد أن نبلغ به الكمال»، والأدب الحديث لا يكفي وحده لسد النقص والقول بذلك «غرور لا يليق بالأديب». ويتوسع الدكتور هيكل في بيان القيمة التي للغة كأداة، ويسهب في ذلك فيقول: «أنت بحاجة إلى إتقان دراسة اللغة وتاريخها في المعاجم وفي كتب الأدب إذا أردت أن تكون لغويًّا وكفى، كما أنك بحاجة إلى هذه الدراسة إذا كنت ممن وُهِبوا هبة الأدب».

ولكن درس اللغة «لا يتصل بالأدب لذاته إلا من حيث هي كساء للأدب، وبمقدار حاجة الأدب لهذا الكساء»، وصلة اللغة بالأدب تتطور كما تتطور «صلة الأزياء بأقدار الناس في الحياة، وصلة الأزياء بالأقدار تتلاشى رويدًا رويدًا بما تنزع طبقات الجماعة كلها إليه من البساطة في اللباس، بساطة يمتاز فيها الذوق على قيمة الثياب»، وكذلك لغة الأدب «صار أجدرها بالأدب ما كان شفافًا عن المعاني والصور التي يعبِّر عنها، معوانًا على زيادة ما في هذه الصور والمعاني من حياة وموسيقا»؛ ولهذا «فشل المجددون الذين أرادوا قطع الصلة بين حاضر اللغة وماضيها، ورجع أكثرهم إلى الدائرة التي يعمل فيها المجددون بعقل وحكمة، حتى قطعوا منها في سبيل إحياء اللغة العربية شوطًا بعيدًا».

ولكن النثر لم يبلغ كماله، بل «وقفت (ثورته) عندما أبدت الظروف مساس الحاجة إليه، وما أحسب واحدًا من الكتَّاب يحدث نفسه بأن الكتابة بلغت من مثلها الأسمى الذي تصبو إليه غاية المدى، أو أصبحت وليس يحول بينها وبين دقة الأداء عن كل ما يجول بخاطر الكاتب إلا قصور ألفاظ اللغة وأساليبها»، وقد تخلف الشعر عن النثر، «انظر إلى الشعر الغرامي: ليست جولييت، وليست ليلى، وليست هلويز لذواتهن شعر الشاعر، إنما الشعر ما في جمال أولئك وما في عاطفتهن من خالد يتنقل على الأجيال، فيشدو به الشاعر ويسبغ عليه كل ما واتاه به العلم والفن والخيال من مشاعر وصور. وكما أن الحب عاطفة تحرك الشاعر، كذلك الإيمان عاطفة تحركه، والشفقة أيضًا عاطفة تحركه، ولن يكون إيمانه شعرًا إذا هو كان إيمانًا مطمئنًا، كما لن يكون الحب شعرًا إذا هو كان حبًّا مطمئنًا، بل لا بد — في الحب، وفي الإيمان، وفي الإشفاق، وفي الحرية، وفي مختلف مظاهر الطبيعة، وفيما تتأثر به النفس — من مجال المطمح إلى غاية تكون مثلًا أعلى وأملًا ساميًا لتفيض به النفس شعرًا، وليكون هذا الشعر على الزمن بقاء، فأما ما دون ذلك من أثر هذه العواطف في النفس فالشعور به مشترك بين الناس جميعًا، والإفضاء به لا شيء من الشعر فيه، وإن أمكن أن يكون فيه نظم وكلام فخم وفصاحة وبلاغة وبيان بديع.» وهو يعني بهذا الشعر المتخلف ما يسميه «شعر المناسبات».

وينتقل الدكتور هيكل بك بعد ذلك من مظاهر الأدب إلى القصة، وهي فن له «فضل إلهام غيره من الفنون الجميلة، فهو أسبق من الشعر والتصوير ومن الحفر بل من الموسيقا نفسها، إلى التقاط صور حياة الجماعة التي يعيش فيها، ثم هو أقدر من هذه جميعًا على رسم أمل الجماعة في المستقبل، وتصوير المثل الأعلى الذي تصبو إلى تحقيقه.» ولكن هذا الفن لا يزال راكدًا في مصر، وإن كانت الأقصوصة قد نشطت، وأسباب ذلك عنده: ذيوع الأمية «وفتور السراة والأغنياء عن تعضيد الأدب كله، وتعضيد الأدب القصصي بنوع خاص تعضيدًا هو الذي شجَّع كتَّاب أوربا في القرون التي تلت «البعث»، والتي كانت كعصرنا هذا غير بارزة بالكتابة والكتَّاب». وفي مصر ينقص الأديب الأثر الحافز الذي للمرأة، «ولم يكن أثر السيدات في الغرب وحده هو الذي حفز الأدب إلى نهضة كبرى كالتي نهضها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بل كان أثرهن هو الذي حفز الأدب دائمًا في كل الأمم وفي كل العصور، ولن تعوزنا الأمثال إذا نحن رجعنا إلى العرب في الجاهلية، وفي صدر الإسلام، وفي أيام عظمته وازدهاره.» ومن هنا يرى الدكتور هيكل «أن كثيرين من الذين يكتبون قصصهم في الشرق يقفون عند القصة الأولى، يروون فيها تاريخ عاطفتهم الأولى حين كان الشباب ما يزال يدفعهم لتخليد هذه الصفحة من صحف حياتهم، فإذا وقعت لهم بعد ذلك تواريخ عاطفية أخرى، ولم يكونوا قد وجدوا التشجيع من ربح مادي، أو رعاية عظيم، أو عطف سيدة مهذَّبة تعرف كيف ترتفع بهم إلى ما فوق الاعتبارات الثانوية، فتقوي ضعفهم وتنفض عنهم غبار فتورهم — نزعوا إلى الناحية التي يرونها أوفر كسبًا وأكفل بالشهرة والمجد.» وثَمَّ سبب آخَر يذكره الدكتور هيكل هو أن ضعف أدب القصص «كضعف استمتاعنا بالحياة استمتاعًا كاملًا، يرجع إلى عدم تربية عواطفنا تربية صحيحة.» وهو يرى أن الحب عندنا «ما يزال قريبًا جدًّا من الغريزة الجنسية، محصورة دائرته أو تكاد فيما تلهمه هذه الغريزة لتخليد النوع وتحسينه.» وأخيرًا يجيء العامل السياسي، وما أدى إليه من الانصراف «عن التأمل في الحياة وجمالها إلى صور من النضال والكفاح لكسب حقوق سياسية جديدة».

بعد هذه المباحث يخطو الخطوة الطبيعية المنتظرة، ويتناول المفتاح ويضعه في القفل ويديره أمام عينك في فصل ممتع عن الأدب القومي، يختمه بهذه العبارة: «ليست طبيعة مصر وليس نيلها وواديها هي وحدها ذات السحر والفتنة، بل إن تاريخها القديم والحديث ليحوي من ذلك أكثر مما يحتوي أي تاريخ غيره، وهذا التاريخ وذاك الوادي ونهره كلها جديرة بأن تكون مصدر الوحي لأدب قومي يصور مصر في ماضيها وحاضرها، صورة صادقة قوية تنطبع في أنفس أبنائها، وفي نفوس الأجانب عنها ممن يقرءون هذا الأدب فيعرفون مصر كما هي حقًّا، لا مصر التي شُوِّهت شر تشويه بالدعاية الفاسدة لغايات سياسية وغير سياسية، ويومئذٍ تنتقل النفس المصرية خطوة واسعة في سبيل الاعتزاز بنفسها وبوطنها، وتنتقل خطوة واسعة في سبيل تمثل الجمال والخير والحق، وتسمو بذلك إلى المكان الإنساني الصحيح الذي ألقي على عاتق الأدب في مختلف العصور أن يمهد له، فيعد الإنسانية عن طريقه لبلوغ الكمال».

ويلي ذلك أبدع فصول الكتاب وأقواها وأجملها، فصول كل فقرة منها تشف عن روح هيكل ونزعته النفسية، وتشهد له بالقدرة على الخيال الذي يحلق ويحيط بما يشرف عليه جملة وتفصيلًا، والإدراك المتعدد الجوانب، والإحساس الغامر، والشاعرية الوثابة، والنظر النافذ الفاحص، والاتزان الذي يكبح الحماسة الفياضة ويمنعها أن تطغى، والإلهام الذي ينجد المرء حيث يخون العقل ويخذل العلم.

وخاتمة الكتاب أقصوصتان بارعتان كالتطبيق لنظريته، وقد وصل بهما ما كان قد انقطع.

***

وبحسبي الآن هذا التلخيص الوجيز لثورة الأدب، ومنه يرى القارئ أنه كتاب حافل بالمباحث الموفَّقة، وأنه يتناول أكثر مسائل الأدب ويتولى الإجابة عنها، بما وهبه الكاتب من سداد النظر ودقة الفكر وقوة الخيال وسمو النزعة ووفاء الاطلاع، وأنا أوافقه على أكثر ما ذهب إليه وإن خالفته في بعض المقدمات، وعلى أن هذا لا قيمة له ولا اعتداد به، فكثيرًا ما تكون الغاية واحدة، ولكن الطرق المفضية إليها تتعدد، وسيتاح لي — فيما أرجو — أكثر من فرصة لتناول ما يزخر به الكتاب من الآراء، بعد أن قمت بواجب العرض والتلخيص.

حاشية

نشر صديقي الدكتور هيكل بك في ملحق السياسة ردًّا على مقالي الأول، وجَّه إليَّ فيه عتبًا مشوبًا بالمرارة؛ لأنه ظن أني لم أتلقَّ كتابه بالعناية الواجبة فأهملت قراءته وقصرت كلامي على العنوان، وإن كان هو قد اختصني بأول نسخة مما أهدى، ثم ناقش رأيي في «الثورة» بما لا يدفعه أو يزحزحني عنه كما أرجو أن أبين في مقال آخَر، ويعنيني هنا أن أؤكد له أن لا محل لعتبه، وأنه مخطئ فيما توهم، وصحيح أني فقدت نسختين من كتابه؛ نسخة أهداها إليَّ، ونسخة استعرتها من «البلاغ»، وقد عرفت أن بعض أقاربي حملوهما عن مكتبي ليقرءوهما، وتركوا لي كلمة يخبرونني فيها بذلك، ومن سوء الحظ أني لم أطلع عليها إلا بعد فوات الوقت، ولكن هذا ليس من حقه أن يثير في نفسه ما أثار من الخواطر، وإنه لأعرف بي من أن يظن أن اعتزالي العمل في «السياسة» يغريني بهذا الجحود، وهَبْني لا أعرف هيكل ولا أحبه ولا أُجِلُّه، فإن أدبه أكبر من أن يستخف به رجل يزعم نفسه ذا فهم ولا أقول أديبًا. وقد شبَّهني صديقي هيكل بك وهو يمزح أو يتهكم بأناتول فرانس، حين جاءه أديب ناشئ يعرض عليه كتابًا له ويطلب رأيه فيه، فقال له فرانس آخِر الأمر: يا بني، إني في مثل سني لا أقرأ جديدًا، وحسبي أن أعيد ما أقرأ.

وجوابي أن أذكِّر صديقي بأني لم أبلغ الثمانين وعسى أن لا أبلغها، وأني لست كأناتول فرانس ولا أطمع أن أكون مثله، وأنه هو … وهنا أمسك، على أني أتقبل عتبه شاكرًا له جمال العاطفة التي صدر عنها فيما كتب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.