جلسنا في مقاعدنا كالعادة، ثم رفعوا الستار بعد أن دقوا دقاتهم الثلاث، فرأينا شكسبير يقول لحاجب الجلسة: علينا بشاعر القطرين.

فصاح محمود رضا: خليل بك مطران.

وخرج صديقنا مطران من القفص، وتقدَّمَ بين يدي القضاة وهو رافع الرأس، وحلف اليمين التمثيلية، وقال: ها أنا بين أيديكم أنتظر أسئلتكم لأجيب عليها.

فقال شكسبير: أنت متهم بتهمتين؛ الأولى أنك لم تُخرِج على المسرح من رواياتي غيرَ ثلاث روايات، وهي عطيل ومكبث وهملت، ومن واجبك أن تسعى في إخراج رواياتي جميعها على المسرح. وثانيهما أنك تتوانى في التأليف مع مقدرتك المعروفة. فأين روايتك «عنتر»، أَمَا زالت تشغل حيِّزًا من فكرك، أم أصبحَتْ في عالم النسيان؟

ثم التفَتَ شكسبير لروستان وقال: عند النيابة أقوال؟

فأجاب روستان: أجل يا حضرة الرئيس المحترم، دعوني يا حضرات القضاة أوفي موضوعي حقه، فالرجل الواقف أمامي هو من كبار رجال الشرق، وإني أحبه حبًّا جمًّا، وأعجب به أيما إعجاب، لقد اشتغل بالشعر عهدًا طويلًا سالكًا طريقًا جديدًا لم يستمرئه ذوقُ الشعراء في بادئ الأمر، ثم اعترفوا بنبوغه، فهو مِن فحول شعراء المعاني الذين يرتفعون بوحيهم إلى سماء الخيال، ناظرين إلى الحياة نظرةً طويلةً تشف عن شفقة وحنو، هذا هو الشاعر الكبير خليل مطران الذي أتينا به اليوم لنحاكمه. ولماذا نحاكمه؟ لأنه سار في طريق التمثيل ثم حاد عن هذا الطريق ولا ندري لماذا؟ ترجَمَ رواية عطيل ووضعها في أسلوب عربي متين لا نسمع بمثله على المسارح، ثم سكَتَ دهرًا طويلًا، ثم أخرَجَ مكبث، وتلاها بهملت، ولم يكن حظُّهما من وجهة متانة الأسلوب وجمال التعريب بأقل من حظ عطيل. ومن ذلك العهد لم يُخرِج للمصريين شيئًا جديدًا، وسمعنا أنه يؤلِّف روايةً عن عنتر الشاعر الجاهلي، ونحن لا نجد بين الشعراء مَن تسمح له كفاءته بتأليف رواية عن عنتر غير شاعرنا مطران، فلماذا أحجَمَ عن تأليفها وهي ثاني رواية مؤلَّفة ومنظومة بعد رواية «علي بك» لأمير الشعراء أحمد بك شوقي؟ فنحن في غاية الدهشة لهذا السكوت الطويل، ونعدُّه جنايةً عظيمة على الفن في مصر. أجيبوني أيها القضاة الأفاضل: هل يخطر ببالكم أنه سيكون للتمثيل شأن عظيم في مصر إذا أهمَلَه أمثالُ هذا الشاعر المفلق؟ لماذا يسكت المطران ويغادر ساحةَ هذا الفن الجميل بعد أن سمعنا أسلوبه الرشيق يتمشى في حنايا الصدور، ويفعل بها ما تفعله الخمر في الرءوس؟ حرام أيها القضاة المحترمون أن يسكت المطران، وفي سكوته ضربة قاضية للفن، نحن نطالب باسم هذا الفن، بل باسم الشعر الذي يعيش المطران من أجل رفعته، أن يعود المطران لقلمه، ويُخرِج للمسرح المصري بقيةَ رواياته، ولهذا أسأل المحكمة أن تعاقبه بالمادة ١٠٩ من قانون العقوبات التمثيلي، وهي تقضي بأن يترجم المطران رواية يوليوس قيصر، ويسعى في تمثيلها، وأن يستأجر منزلًا في مصر الجديدة ليؤلِّف فيه رواية عنتر شعرًا، ففي هذه البلدة جادَتْ قريحته بقصيدته التي يقول في مطلعها:

أَتَيْتُكَ أَسْتَشْفِي إِلَيْكَ فَوَافَنِي

عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مِنْكَ أَنَّكَ لِي آسِي

وهي من خير ما قال، وحيث إنه سينظم رواية عنتر من بدئها إلى نهايتها، لهذا أشير عليه أن ينظمها في هذه البلدة. هذا ما أطلبه من المحكمة، وأملي أن تجيب هذا الطلب.

فابتسم شكسبير وقال: ليدافِع المتهم عن نفسه.

فقال خليل بك: يا حضرات القضاة، يسرني أن أراكم في هذه الساعة أمامي، يسرني أن أقف بين أيديكم وقفةَ المتهم، وكم كنتُ أمني نفسي من قديم بهذه الأمنية الكبيرة؛ لأشكو لكم آمالًا ضاقَ قلبي عن احتمالها، واليومَ أبوحُ بها لكم؛ لأنكم من خيرة الرجال، بل أنتم خير مَن خدم الفنون، وأقام منارها في العالم أجمع، وإني لا أقول ذلك أملًا في استرضاء قلوبكم، وحاشا أن أكون هذا الرجل؛ لأني لم أعتَدْ ذلك في حياتي، وإني أحمد الله على ذلك، تتهمونني بتهمتين: الأولى أني حدت عن طريق التعريب، والثانية أني لم أؤلِّف روايةَ عنتر، وأنتم محقون في ذلك، إني لا أدَّعِي العبقرية والنبوغ، ولكني أعتقد أن ضميري يُملِي عليَّ في كلِّ آونةٍ أن أتمَّ عملي في باب التعريب والتأليف، ومن واجبي أن لا أحيد قيدَ شبرٍ عن ذلك. لقد أقدَمْتُ على تعريب روايات شكسبير، وأنا على وشك الانتهاء منها، ولكني لم أسمح إلا بتمثيل ثلاثٍ منها، وكان من واجبي أن أُخرِجها على المسرح، ولكني لستُ الملوم في كل ذلك، إني أحمد الله وأشكره لوقوفي بين أيديكم أشرح لكم سرَّ هذا الإحجام، وَلْنرجع معًا إلى عدة سنوات ماضية لندرس معًا تاريخ إخراج هذه الروايات على المسرح. شاهدت جوقة أبيض تؤلَّف لأول مرة، فسرَّني تأليفها بعد أن لبث التمثيل عهدًا طويلًا وهو يتلمَّس طريقه في ذلك الظلام الدامس فلا يهتدي إليه، أُعجِبت بتجارب رواية لويس وأوديب، فأمسكت بقلمي وعرَّبت رواية عطيل، وقدَّمتها لأبيض ليمثِّلها على المسارح العربية، ولكني بعد أن شاهدتها تُمثَّل أسفت على ما فعلتُ، وقلتُ خيرًا لي أن أطبع هذه الرواية لتُقرَأ من أن أراها تُمثَّل على المسارح. لا أنكر أن الأخ أبيض أجاد تمثيلَ دور عطيل، ولكني آسف كل الأسف على دور ياجو. لا أدري لماذا مثَّل عزيز أفندي عيد هذا الدورَ، لقد مسخه مسخًا، وأخرج لنا «ياجو» هزأة على المسرح، وأنت تعلم يا شكسبير شخصية ياجو. بل أنت يا روستان، أَلَمْ تَرَ بعينَيْ رأسك بول مونيه يمثِّل هذا الدور؟ وأين بول مونيه من عزيز عيد؟ إني لا أنكر على عزيز عيد قدرته التمثيلية، ولكني أنكر عليه تمثيل الأدوار التي لا توافق ميوله التمثيلية. ولم يقتصر الأمر على ذلك يا حضرات القضاة، فقد رأيتُ الروايةَ بعد أن نزلت الكوارث بجوق أبيض تُمثَّل على مسرح الكازينو بعد أن اقتضبوا منها ما اقتضبوا، رأيتهم يعهدون بأدوارها إلى ممثلين يرفعون المفعول وينصبون الفاعل. ثم اشترك أبيض مع المرحوم حجازي وكوَّنا جوق أبيض وحجازي، ورأيت روايتي تُمثَّل على مسرح برنتانيا والكورسال في ماتنيه الحاج مصطفى حفني مع قطع بهلوانية ليس لها أي قيمة فنية. أليس من العار على الفن يا حضرات القضاة أن نرى روايات شكسبير تُمثَّل مع قطع راقصي الدبكة وعجائب الراقصين على الجبل؟ رأيت روايتي في هذا الثوب الأسود، فرجعتُ إلى الوراء وحطمت القلم، وقلتُ حاشا لمثلي أن يجني على شكسبير في بلدٍ كمصر. وسكتُّ عهدًا طويلًا، وإذا بالصديق أبيض يناديني ويقول لي: «لقد ألَّفتُ جوقًا جديدًا من خيرة الشبَّان يجمع بين المحامي والمهندس والطبيب، فأين رواياتك يا خليل؟» لبَّيْتُ نداءَ أبيض ونسيت ما مضى، وقلتُ الخيرة في الواقع والمستقبلُ كفيلٌ بتحقيق آمالي، وترجمتُ رواية مكبث وافتتح بها أبيض لياليه الجديدة. لا أنكر أن أبيض أجاد مكبث، ولكنه لم يتحوَّل عن طريقه، أي إنه لم يُحسِن الابتكار وفعل بدور «ماكدوف» ما فعله بدور «ياجو»، فعهد به إلى الأستاذ رشدي، والأستاذ يعجز عن تمثيل مثل هذه الأدوار، ونزلت بمكبث كوارث عطيل، فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وتدهور أبيض مع جوقته حاملًا تحت إبطه روايتي، ثم حلَّ جوقه وحطَّمتُ قلمي، ولكنه عاد وألَّفَ جوقه من جديد، وسألني أن أترجم له هملت. والآن دعوني أبكي يا سادتي، أجل دعوني أبكي على خير روايةٍ أخرجَتْها لعالم الوجود أكبرُ قريحة في العالم، ترجمتُ هذه الرواية وقدَّمتُها لأبيض، فقام بتمثيل دور هملت، ومثَّلَ عبد العزيز دور هوراتيو، ومثَّلَ طليمات دور لايرت، وقام منسي فهمي بدور الملك، والسيدة إبريز بدور أوفيليا، فلم يُحسِن التمثيلَ غير منسي وإبريز. أما أبيض فلم يفعل في الدور شيئًا يُذكَر، وهل يحسن التمثيلَ مَن لا تفارق عيناه قبوَ الملقِّن؛ لم يحفظ أبيض من دوره كلمةً واحدةً، وحطَّمَ الرواية بيده فماتت، وهل تموت رواية هملت؟ لهذا عاهدت نفسي يا سادتي ألَّا أُخرِج للمسرح روايةً من رواياتي قبل أن أثق من الجوق الذي سيمثِّلها، فهل تريدون بعد ذلك أن أؤلِّف رواية عنتر؟ ولمَن أؤلِّفها يا سادة؟ ألجوق أبيض وقد عزم على المكوث في ربوع الشام؟ أم لجوق رشدي ونحن لا نسمع به الآن؟ هذه هي قصة رواياتي يا سادة، وإني أكتفي بما قلتُ، ولكم القول الفصل.

فقال شكسبير: الحكم بعد المداولة.

ودخل القضاة لجهة الكواليس، والتفَتُّ يسرةً فرأيت جماعة من الممثلين يقولون: «لقد أحسَنَ شاعر القطرين دفاعه.» وسمعت طليمات يقول للسيدة ميليا: «أراهن أن الحكم سيكون في جانب المتهم.» وإذا بالشيخ قد التفَتَ إليَّ وقال: ما رأيك؟

فقلت: البراءة.

وإذا بالأستاذ رشدي والأستاذ عزيز عيد قد اقترَبَا منَّا وقالَا: لا نظن ذلك، بل الإدانة.

وخشيت أن أناقشهما فقلت: سنسمع بعد حينٍ حيثيَّات الحكم.

واقترب منَّا الأستاذ أبيض وهو يقول: كنتُ أودُّ أن أصعد إلى المسرح وأصرخ في المتهم صرخةً تُسكِته.

فقال له الشيخ: بل كان الأجدر بك أن تدافِع عن نفسك.

فقال أبيض: وماذا أقول يا أستاذ؟ أنا لا أنطق على المسرح إلا بالأدوار التي أحفظها عن ظهر قلب.

فقال رشدي: ومتى حفظْتَ أدوارك عن ظهر قلب؟

فقال أبيض: أحيانًا، ولكني أَعِدُكَ أن … لا أدري بماذا أَعِدُكَ، دعني يا رشدي بالله دعني.

وابتسم عزيز عيد ابتسامةً صفراء وقال: أنا لا أحفظ أدواري، ولكني مشهور بالتقاطها من فم الملقِّن كما يلتقط العصفور حبات القمح.

فقال الشيخ: ولهذا تمطُّ يا عزيز ألفاظك مطًّا.

فضحك عزيز عيد وقال: ربما.

وصاح صيحة كبيرة وقال: ولكن أين الشيخ سيد؟ لقد كان معي الآن. مَن الذي اختطفه مني؟

وغادَرَنا ليبحث عن الشيخ سيد، وإذا بالقضاة قد عادوا إلى أماكنهم، ونطق شكسبير بالحكم قائلًا: بعد المداولة، وحيث إننا رأينا أن شاعر القطرين لم يقصِّر في حقنا، وأن الأجواق المصرية عبثَتْ برواياته التي ترجَمَها عنَّا مما جعله في حل من إخراج رواياته الأخرى على المسرح؛ حكمنا بما هو آتٍ: براءة خليل بك مطران من التهمتين.

فصفَّقَ الحاضرون إعجابًا وصاحوا جميعًا: «ليحيَ العدل، ليحيَ القضاة.» وجاء إلينا خليل بك وهو يبتسم، وصافَحَه جميع الممثلين و …

هذا ما كتبه الفقيد في هذا الباب، وقد حالَتْ ظروفٌ دون إتمامه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.