كانت حياة المرحوم الزهاوي مضطربة هائجة مائجة كروحه، حافلة بالحوادث و[النوب] كزمنه، وقد ذكر مترجمه صديقنا الأستاذ رفائيل بطي في كتابه «الأدب العصري في العراق العربي» أن الزهاوي ولد في «التاسع والعشرين من ذي الحجة سنة ١٢٧٩ هجرية — يوم الأربعاء الموافق ١٨ حزيران سنة ١٨٦٣ ميلادية» فيكون قد أدركه الحين في الثالثة والسبعين من عمره أو حوالي ذلك، ولكني أعتقد أنه كان أسن من ذلك، وأكبر ظني — فإني لست على يقين لفرط جهلي بالحساب — أن التاريخين الهجري والميلادي لا يتفقان، ولا أظن أن في الوسع معرفة يوم الميلاد وسنته بمثل هذه الدقة في زمن كالذي جاء فيه الزهاوي إلى الدنيا، ولعله لم يكن هناك نظام محكم لتقييد المواليد والوفيات في تلك الأيام في بغداد، على أني سمعت من الزهاوي في بغداد بيتين له أنشدنيهما وفيهما يذكر عمره ويقول إنه في التسعين أو إنه جاوزها، والمرء يبالغ في كل شيء إلا في عمره، وليس الرجل بأقل كلفًا بتمويه الحقيقة في ذلك وسترها من المرأة. ودليل آخر على عدم الدقة في تعيين تاريخ الميلاد ذلك أن مترجمه يقول إنه ولد في سنة ١٢٧٩ هجرية، وهذه سنة ١٣٥٤ هجرية، فعمره يوم وفاته يكون على هذا الحساب حوالي خمسة وسبعين عامًا، ولكن المترجم يذكر في مكان آخر أنه كان في الثلاثين من عمره لما عُين سنة ١٣٠٣ هجرية عضوًا في مجلس المعارف في بغداد، وعلى هذا الحساب الجديد يكون عمره إحدى وثمانين سنة ثم إنه أصيب بالفالج منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، والأستاذ بطي يذكر أنه أصيب به في الخامسة والخمسين من عمره.

على أن العبرة ليست بالسنين وعددها، بل بالحيوية والإحساس. وقد كان الزهاوي إلى آخر أيامه شابًّا فتيًّا إذا اعتبرت الروح، وشيخًا مضعضعًا حتى في صدر أيامه وحداثته إذا اعتبرت الجسم، فقد أصيب في الخامسة والعشرين من عمره — وهو في شرخ الصبى — بداء في نخاعه الشوكي لم يبرأ منه قط، وتوالت عليه العلل والأدواء بعد ذلك ولازمته، كالفالج وتصلب الشرايين وضعف القلب، وغير ذلك مما لعله أدهى ولكن هذا كله لم يؤثر في روحه ولم يضعف عقله ولم يزد نفسه إلا حدة.

وكانت عيشته مُرة في ظل السلطان عبد الحميد، فأحيط بالجواسيس في الأستانة، ومُنع من السفر منها إلى بغداد حتى ضاق صدره بالعيون التي عليه فنظم قصيدة يهجو فيها السلطان الطاغية ويقول فيما يقول:

إلى أن يقول:

وكان طيشًا أن يهجو الطاغية في عاصمته، ولكنه لم يكتفِ بذلك بل أنشد أبا الهدى الصيادي هذا الهجاء، فرفع خبره إلى السلطان، فسجنه مع الزهراوي وصفا بك الشاعر التركي ثم نفاه إلى بغداد.

وفي ذلك يقول:

ولم يجد راحة في بغداد فقد كان واليها يكرهه، وأغرى به هناك رجل وهابي أخذ يحرض الحكومة عليه ويتهمه بالكفر والزندقة وبأنه يبسط لسانه في السلطان عبد الحميد، فطلب الوالي من حكومة الأستانة أن تبعد الزهاوي إلى بلد قصي، فاضطر الزهاوي إلى تأليف كتاب «الفجر الصادق» في الرد على خصمه الوهابي، وصدره بمدح السلطان اتقاء لأذاه المجرب، ولكنه جعل يهجو ولاة الترك في بغداد كلما جاء منهم واحد وقصائده فيهم مثبتة في ديوانه.

وأعلن الدستور فظن أنه نجا وأنه سيجد في ظله السلامة إذا لم يفز بالراحة، فجعل يخطب الناس ويبين لهم مزايا الحكم الدستوري، ثم رحل إلى الأستانة فعُين أستاذًا للفلسفة الإسلامية في المكتب الملكي ثم مدرسًا للآداب العربية في جامعة دار الفنون، ولكن وطأة المرض ثقلت عليه فعاد إلى بغداد فعُين مدرسًا لما يسمونه «المجلة» في مدرسة الحقوق ويعنون بها — أي بالمجلة — مجموعة القوانين، وكان يكتب إلى المقتطف والمؤيد فنشر له المؤيد مقالًا في «المرأة والدفاع عنها» هاجت عليه الناس في بغداد وذهبوا إلى واليها يطلبون منه عزل الزهاوي فأقاله، وبلغ من سخط الناس عليه أن اضطر إلى ملازمة داره خوفًا من الاغتيال، ولكن العقلاء في مصر وسوريا أنصفوه وأيدوه.

ولما سكنت الضجة أعيد إلى تدريس المجلة، ثم انتُخب مرتين، نائبًا مرة عن المنتفق ومرة عن بغداد فذهب إلى الأستانة ودأب في المجلس على الدفاع عن حقوق العرب، ومن نكاته الجريئة المشهورة أن المجلس مرة أراد أن يقرر تلاوة البخاري لينفع الله بها الأسطول، فصاح الزهاوي بهم إن الأسطول إنما ينفعه البخار لا البخاري.

وكانت حياته في السنوات العشر الأخيرة موزعة بين السرير إذا اشتدت به العلة وبرح به الداء، والقهوة؛ يذهب إليها ويقرأ فيها الصحف والكتب، أو يلعب «الداما» أو النرد، وكان يرسل شعر رأسه ولحيته وشاربيه فيختلط كل أولئك، ويكاد يخفي وجهه النحيل المتهضم فلا يبدو منه إلا عينان تومضان حين يتكلم وتفتران حين يصمت، وجبين حفر فيه الزمن أخاديد عميقة. وأنف كبير أقنى يشي بصدق العزم وقوة الإرادة، وكان على ضعفه ومرضه مفرطًا في التدخين، وقد سمعته يضحك مقهقهًا فانقبض صدري وانعصر قلبي، فما خفيت عليَّ نبرة اليأس المرة في هذه القهقهات التي تشبه حشرجة المتشنج، رحمه الله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    ABID HUSSAIN Mir ·٢٩ أبريل ٢٠١٤، ١٧:٤٢ م

    ارجوا منكم ان ترسلوا بعض الكتب لجمىل الزهاوى كى تساعدنى فى البحث جزاكم الله