هناك من لا يحبون الصيف أو الحر، كما أن معظم الأطفال يخشون الليل والظلام، ولكن كل ذلك لم يمنع من تداول الفصول وتوالي الليل والنهار، وذلك رغم كراهية الأولين وخوف الآخرين. ويبدو أن الأمر كذلك مع «العولمة»، فهناك من لا يحبون العولمة ومن يرى فيها خطرًا داهمًا على الفقراء والمهشمين وتدميرًا للبيئة وتلاعبًا بعقول الناس وعواطفهم، وغير ذلك كثير من المسالب والمآخذ. ورغم أن بعض هذه المثالب صحيح، فإنه يبدو أن التاريخ البشري قد بلغ مرحلة من الترابط والتعقد بما يجعل التراجع عن «العولمة» ضربًا من الخيال أو خيارًا بالغ التكلفة على البشرية.

كذلك فإن الكثيرين من معارضي «العولمة» يفهمون «العولمة» بمعنى «الأمركة»؛ أي هيمنة أمريكا على الكون، ولكن الشواهد تفيد بأن «الهيمنة الأمريكية» بدأت رحلة التراجع، ليس بمعنى أن أمريكا سوف تنهار، فهذا لا يبدو في الأفق القريب، ولكنها بدأت تفقد «الهيمنة» المطلقة على مقومات العالم. وسواء ظلت «الهيمنة الأمريكية» أو تراجعت، فالغالب أن تستمر «العولمة». «فالأمركة» هي أحد مظاهر أو عوارض «العولمة» وليست جوهرها.

ولنبدأ بالتذكير بأن «العولمة» ليست أيديولوجية أو مذهبًا سياسيًّا أو اقتصاديًّا بقدر ما هي تعبير عن أوضاع العالم المعاصر في تطوراته السكانية، والتكنولوجية، والبيئية، والاقتصادية، والمالية. فقد بلغ سكان العالم رقم البليون لأول مرة حوالي عام ١٨٢٠، ليجاوز ستة بلايين نسمة عند نهاية القرن العشرين. فالبشرية احتاجت أكثر من مائة وخمسين ألف سنة منذ ظهور «الإنسان المفكر» Homo Sapiens لتصل إلى رقم البليون، وخلال القرن العشرين وحده أضيفت خمسة بلايين نسمة أخرى. وفي خلال هذه الرحلة عَمَر «الإنسان» جميع أرجاء المعمورة — ربما باستثناء القطب الجنوبي. ولا يمكن إشباع حاجات هذه الكتلة الكبرى من السكان على أساس من الاكتفاء الذاتي لكل دولة أو جماعة، بل لا بد من عمليات للتبادل والتجارة. ولكن نمو التجارة والاعتماد المتبادل على هذا النطاق العالمي لم ينتج لاعتبارات اقتصادية فقط، وإنما ساعدت عليه التطورات التكنولوجية في تقدم وسائل المواصلات البرية والبحرية منذ القرن السادس عشر، وجاءت نهاية القرن العشرين فأضاف إليها ثورة المعلومات والاتصالات لتسهل الانتقال المباشر والآني للمعلومات والأفكار، كذلك عرف النصف الثاني للقرن العشرين أكبر تخفيضات في الرسوم الجمركية والحواجز بين الدول. وإذا كانت التجارة العالمية قد نمت بمعدلات تبلغ ضعف معدلات نمو الناتج الإجمالي خلال نصف القرن المنصرم، فإن العصر الحديث شاهد أيضًا أكبر معدلات لانتقال الأفراد ورءوس الأموال عبد الحدود. فقد زادت انتقالات العمالة — كما السياحة — بين الدول بشكل كبير، ليس هذا فقط، بل إن انتقالات رءوس الأموال بين الدول زادت بشكل مذهل، ويكاد لا توجد دولة ما تزال تفرض قيودًا على حرية تحويل رءوس الأموال إلى الخارج. ولكن الأكثر أهمية وخطورة هو درجة الاندماج والتداخل بين البنوك والمؤسسات المالية، والتي حققت من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات «ثورة مالية» للأسواق المالية. أضف إلى ذلك الارتباط العالمي نتيجة هذا الارتباط التكنولوجي والذي جعل من العالم «قرية كونية» تظهر على شاشات التليفزيون أو الإنترنت، أو في الأخبار حيث تتابع ما يدور على اتساع العالم لحظة بلحظة.

ولكن الارتباط والتداخل العالمي لا يقتصر على ما يحقق زيادة الإنتاج والرفاهية، ولكنه يمتد إلى مكافحة مخاطر البيئة والطبيعة. وكلنا يعرف ما يهدد البيئة ويلوثها نتيجة لانبعاث غازات ثاني أكسيد الكربون والميثان وأكسيد النترات وغيرها، والتي ساعدت على ظهور ثقب الأوزون والارتفاع الحراري. وها هي الأوبئة الجديدة مثل أنفلونزا الطيور والخنازير وغيرها مما يتطلب معالجة كونية مشتركة، كذلك هناك مشاكل نفاد الطاقة وضرورة البحث عن مصادر جديدة، وهناك خطر الانتشار النووي، ومكافحة الجريمة المنظمة، والقائمة طويلة. العالم لم يعد قادرًا على الانفصال أو الانعزال لأعضائه، وهم مضطرون للتعاون والتنسيق والتعايش معًا.

وليس معنى ذلك أن «العولمة» في شكلها المعاصر عادلة أو كفء، ولكن يعتريها في الواقع أوجه عديدة من القصور والظلم الذي يحتاج إلى إصلاح وتغيير، ولكنها تظل مع ذلك مثل الديمقراطية التي قال عنها تشرشل إنها «أسوأ نظام للحكم، وإن كانت أفضل جميع البدائل المطروحة». فالعولمة كذلك ليست كاملة ولا هي منصفة، ولكنها أفضل ما هو متاح، فضلًا عن أنها ليست صيغة ثابتة، بل هي قابلة للتعديل والتغيير بجهود الدول الأعضاء.

وجاءت الأزمة المالية الأخيرة فأوضحت ليس فقط مدى الترابط والتداخل بين مختلف أجزاء الاقتصاد العالمي، بل إن علاج مشاكلها يتطلب أيضًا العمل الجماعي المشترك. ومن هنا جاء تكوين مجموعة العشرين لتمثل الصيغة الجديدة للتعاون والإشراف على القضايا المالية والاقتصادية. ولم يكن غريبًا أن تتشكَّل في مثل هذه الظروف مجموعة العشرين من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية. وتضم هذه المجموعة تسع عشرة دولة بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي (الأرجنتين، أستراليا، البرازيل، كندا، الصين، فرنسا، ألمانيا، الهند، إندونيسيا، إيطاليا، اليابان، المكسيك، روسيا، السعودية، جنوب أفريقيا، كوريا الجنوبية، تركيا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة).

وكانت الولايات المتحدة قد سيطرت على الاقتصاد العالمي لما يزيد على نصف قرن من خلال دورها في المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العامة، وبوجه خاص نتيجة لقيام الدولار بدور عملة الاحتياط العالمي. فالولايات المتحدة تتمتع بما يشبه حق الفيتو في هذه المؤسسات المالية، ومن خلالها تتحدد قواعد التعامل المالي والاقتصادي الدولي. أما التأثير الأكبر للولايات المتحدة فقط جاء نتيجة استخدام الدولار كعملة للمعاملات الدولية، الأمر الذي وفر لها موارد هائلة من مدخرات الآخرين التي توظَّف في الأسواق المالية الأمريكية. ولكن لا يقل خطورة سيطرة أمريكا على المدفوعات المالية الدولية، ذلك أن جميع المعاملات بالدولار تسوَّى — إلزامًا — عبر نيويورك، مما أعطى الولايات المتحدة حق مراقبة جميع التعاملات الدولية بالدولار.

ومن هنا فمن المتوقع أن يكون تكوين مجموعة العشرين هو نواة التشكيل الجديد لنظام النقد العالمي المستقبل. ومن الطبيعي أن الشكل النهائي لهذا التشكيل سوف يحتاج إلى وقت قبل أن يتبلور في صورته النهائية. وعندما شُكلت هذه المجموعة ارتفعت أصوات في مصر — بحسن نية — تتساءل كيف لم تدخل مصر هذا التشكيل إلى جانب جنوب أفريقيا وتركيا والسعودية وإندونيسيا مثلًا. والحقيقة هي أن مصر دولة مهمة على الخريطة الجيوسياسية بين قارات ثلاث وفي قلب الوطن العربي، وأحد أهم مراكز العالم الإسلامي، ومع ذلك فإن الوزن الاقتصادي المصري — على المستوى العالمي — ما زال متواضعًا لا يؤهلها للقيام بدور ملموس في إدارة الاقتصاد العالمي. ولكن كيف يمكن تقييم وزن الدولة في الاقتصاد العالمي وبما يؤهلها للمشاركة في الإدارة الاقتصادية للعالم؟

في كتاب حديث لستيفن جرين رئيس مجلس إدارة بنك HSBC ذكر أن فاعلية المشاركة في عولمة الاقتصاد تتطلب التأثير بشكل واضح على الاقتصادي العالمي، من خلال التأثير على أحد أربعة أضلاع: الضلع الأول هو وجود أسواق واسعة لاستيعاب الإنتاج العالمي؛ فبدون أسواق عالمية لا اقتصاد عالميًّا، وهذا ما تقوم به الأسواق الأمريكية بالإضافة إلى الأسواق الأوروبية. فلولا وجود هذه الأسواق واستمرار نموها لَتراجَع الإنتاج الصناعي في عدد غير قليل من الاقتصاديات الناشئة. والضلع الثاني هو ضرورة تدفق المواد الأولية ومصادر الطاقة، والتي بدونها سيتأثر الإنتاج العالمي، وتأتي في مقدمة ذلك موارد الطاقة من البترول والغاز، فضلًا عن صادرات المواد الأولية الأخرى من المعادن والأخشاب والسلع الغذائية. ولكن كل هذا لا يكفي، بل لا بد من وجود مصنِّعين لهذه المواد الأولية، وهذا ما تقوم به حاليًّا الصين، وإلى حد ما الهند والبرازيل وكوريا الجنوبية وإندونيسيا ومعظم دول جنوب شرق آسيا. فهذه الدول أصبحت هي «مصنع العالم» World workshop، وهذا هو الضلع الثالث. ويأتي الضلع الرابع في المعادلة، وهو الدول التي تصنع الآلات ورءوس الأموال وتصدرها، وهذا هو ما تقوم به كل من ألمانيا واليابان. هذه هي مجموعات الدول الرئيسية التي تتحكم في الاقتصاد العالمي. فأين مصر من هذه الدول؟ للأسف لا تشارك مصر في أي من هذه الأضلاع بشكل ملموس.

فمصر لا تعتبر سوقًا مهمة للإنتاج العالمي. فإذا كان حجم السوق يقاس بالناتج الإجمالي فإن هذا الحجم يضع مصر في المرتبة الخمسين تقريبًا بين دول العالم، حيث يتراوح هذا الحجم حول ١٦٠ بليون دولار يسبقها في ذلك بطبيعة الحال الصين (حوالي ٤٫٤ تريليون دولار)، والبرازيل (حوالي ١٫٥ تريليون دولار)، والهند (حوالي ١٫٢ تريليون دولار)، والمكسيك أكثر من تريليون دولار، وكوريا الجنوبية قريبًا من التريليون دولار، وتركيا (حوالي ٧٣٠ بليون دولار)، وإندونيسيا (حوالي ٥١٠ بليون دولار)، والسعودية (حوالي ٤٨٠ بليون دولار) وجنوب أفريقيا (حوالي ٢٧٥ بليون دولار).

وإذا نظرنا إلى الضلع الثاني في توفير المواد الأولية ومصادر الطاقة، فإن مصر دولة فقيرة في مواردها الطبيعية، فباستثناء كميات محدودة، ومؤقتة، من النفط والغاز فإن صادرات مصر من الموارد الطبيعية قليلة وغير مؤثرة على العالم، بل هي مستورِدة ليس فقط للعديد من المواد الأولية وإنما أيضًا للمواد الغذائية. وليس الأمر كذلك بالنسبة للسعودية وروسيا أكبر مصدرَين للطاقة، أو جنوب أفريقيا أكبر مصدر للذهب والعديد من المعادن، فضلًا عما تملكه من قاعدة صناعية محترمة. أما من حيث القدرات التصنيعية فما زالت الصناعة المصرية محدودة، وقدرات الصادرات الصناعية المصرية متواضعة لا تقارن بصادرات الصين أو الهند أو كوريا أو البرازيل أو تايوان أو إندونيسيا أو حتى تركيا. وبالنسبة لتصنيع الآلات ورءوس الأموال فإن مصر غائبة تمامًا من الصورة. وأخيرًا فإنه نتيجة للعناصر المتقدمة فإن مصر ضعيفة ماليًّا، فهي دولة مدينة وليست دائنة، تعتمد على الاقتصاد العالمي بأكثر مما تموله.

لكل هذه الأسباب لم يكن غريبًا أن يختفي اسم مصر من مجموعة العشرين. حقيقة أن لمصر تاريخ مجيد ولها دور ثقافي مؤثر، ونحن — كمصريين — نحبها كثيرًا ونتمنى أن نراها دائمًا في المقدمة، ولكن عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد والمال، فإن حسابات الأرقام تكون أكثر بلاغة من العواطف والتمنيات. وآسف للإزعاج، ولكن الأرقام هي التي تتكلم. وعلى أي الأحوال «فالحقائق» المُرة أفضل من «الأوهام» المريحة. والله أعلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.