كنت قد قلت في حديث عن «الحب» أذيع منذ أربع سنوات إنه «يُخيل إليَّ أن الحب اسمه غلط؛ فإنه يبدو لي أن هذه العاطفة التي نسميها الحب خالية في الحقيقة من الحب، والعلاقة فيها بين الجنسين ليست علاقة مودة.» وقد شرحت ذلك يومئذٍ شرحًا ظننته كافيًا؛ فبينت أن الحبيبين أشبه بالمتقاتلَين المتبارزَين منهما بالصديقَين المتوادَّين، وقلت: «وهما لا يستعملان سلاحًا ولا يُحدثان جراحًا، ولكن الواقع أن القُبَل والعناق والضم وغير ذلك مما يكون بين المحبين — هذا كله ليس إلا وسائل للتليين بغية التغلب والإخضاع، وقد استعمل الشعراء ألفاظًا كثيرة كانوا فيها صادقين من حيث لا يشعرون، فذكروا في مواقف الحب وحالاته المختلفة السيف، والجراح، والأكباد القريحة، والقلوب المفجوعة، والنفوس الكليمة، والسهام وما إلى ذلك مما يجري هذا المجرى؛ فأشاروا بذلك إلى حقيقة العلاقة بين الحبيبين من حيث يُحسون بها بالفطرة ولا يدركونها بالعقل.»

وقد توسعت في البيان على قدر ما سمح المقام والوقت، ونُشر الحديث بعد ذلك في مجلة «الراديو المصري»؛ فقرأه من شاء على مهل، ومع ذلك زارني شاب بالاعتراض على هذا الرأي والاحتجاج على مذهبي في وصف الحب وتصويري لما أعتقد أنه الحقيقة فيه؛ فقلت له: «يا صاحبي، إنهما أمران لا أظن أن لهما ثالثًا، فإما أن أكون أنا قد قصرت في البيان والشرح فالذنب ذنبي، وإما أنك أنت — لشبابك — تتلقى الموروث من الآراء بالتسليم، ولا تكلف نفسك عناء النظر ومشقة التدبر، بل ثَمَّ احتمال ثالث هو أن خيالك يسحره المعنى المتوهَّم للحب، ولا يطيب لك أو يهون عليك أن تفسده بمنظر الحقيقة العارية المعروفة؛ ولا تحسب أن النعامة وحدها هي التي تدس رأسها في الرمل حتى لا ترى مما لا تحب فيتسنى لها أن تخادع نفسها، وتغالطها فيما تخشى أن يكون، فإننا جميعًا هذه النعامة وإن كنا نظلمها بضرب المثل بها؛ نعم، الحب حرب بين إرادتين وإن كانت غايتها واحدة وهي النسل وحفظ النوع به، ولعل من تهكم الأقدار أن يقتتل الرجل والمرأة ليصلا إلى ما يَنشُده كلاهما وما لا مأرب لهما سواه، والآن نترك هذا الكلام العام فإني أخشى — ولا أودُّ — أن تعده ضربًا من التقريع لك والتهكم عليك؛ فإن لك من شبابك عذرًا كما كان لي فيما سلف من عمري، وإني لأحسدك؛ فإنك تُعذر إذا أخطأت أو طشت أو جهلت، ولكن مثلي في مثل سني وتجربتي لا يُعذر وإن كان لا بد أن يخطئ في كل خطوة، فما تعصمنا السن والتجربة ولا العلم عن الزلل والعار والشطط والجهل، وأَصدُقك فأقول: إني أجهل عامدًا في بعض الأحيان لعلي أستعيد بذلك الشعور بالشباب الراحل في اندفاعه وتهوره وطيشه؛ ما علينا، ولنعد إلى حرب الحب، ألا تُسلِّم معي أن الحب ضرب من الجوع؟»

قال: «لا أعرف بماذا أدفع هذا الوصف، فأنا أُسلِّم أنه جوع معنوي على سبيل التشبيه.»

قلت: «أرجو أن تحذف من معجمك في حديثنا لفظ «المعنوي»؛ فإنه يخرج بنا إلى التخريف حين نتناول الحقائق، الإنسان يا سيدي ليس معنًى وإنما هو مادة، هو حيوان ككل حيوان في تركيبه وأعضائه، بل في عدد عظامه، فكل ما يصدر عنه راجع إلى طبيعة تكوينه، وإلى الطريقة التي يؤدي بها ما اشتمل عليه هذا البدن وظائفه، حتى الوهم والخيال والفكر نتيجة حركة في جوفك — أي حركة مادية — ولكل شيء مما تصفه بالمعنوي أداته المادية المحسوسة في بدنك، وهذه المعنويات كما تسميها تبطل ولا يعود لها وجود إذا تعطلت الأداة أو اختلت واضطربت، وأحسب أن بي غنًى عن سَوق الأمثلة وإيراد الشواهد؛ فلا تقل (جوع معنوي)، بل قل: إن الحب جوع مادي، وكل ما في الأمر أنه من ضرب مختلف؛ لأن غايته ووسيلته مختلفتان، فليس الغرض منه ملء المعدة بالمحبوب طلبًا للصحة ومحافظة على الذات، بل التخلص والاستراحة من إحساس قوي وشهوة ملحة طلبًا للنسل أي محافظة على النوع، والغاية تخفى أو لا يجعل المرء باله إليها في كل حال، فالذي يجوع ويطلب الطعام لا يُحدِّث نفسه في كل مرة أنه جائع ويريد أن يأكل ليحفظ ذاته ويقيها الضعف أو الموت، وإنما يُحس ويأكل ولا يُعني نفسه بغير ذلك — على الأقل في الأغلب والأعم — وكذلك الأمر في الحب؛ يُحس الرجل بالحاجة إلى المرأة، وتُحس المرأة بالحاجة إلى الرجل؛ فيطلب كلاهما صاحبه من غير أن يفكرا في أن هذا الإحساس مجعول وسيلة إلى غاية هي النسل وحفظ النوع، وقد يصدفان عن خدمة النوع بالنسل ويتقيان أن يُرزقاه لسبب من الأسباب، أي يكتفيان بالوسيلة دون الغاية ويعينهما على هذا الاكتفاء والصد عن الغاية أو مقاومتها أن للوسيلة إغراءها القوي، ولولا قوة هذا الإغراء لما أمكن أن تُقدِم المرأة مثلًا على التعرض لما ينطوي عليه الحمل والوضع من التضحية، ولكن هذا الاكتفاء لا يمنع الأصل: وهو أن الحب وسيلة لا غاية، وأنه مجعول أداة للنسل وحفظ النوع، وأظن أن هذا واضح.

والآن نتنقل خطوة أخرى: يتحاب الرجل والمرأة، وكل منهما يخدع نفسه؛ فالرجل يتوهم أن المرأة التي أحبها نسيج وحدها، والمرأة التي تحب تتصور أن رجلها يُعيي الزمانَ مكانُ ندِّه — كما يقول البحتري — وليس هذا بصحيح، وكثيرًا ما يحدث أن يأكل المرء «فسيخًا» — مثلًا — ثم يذهب فيقول إن هذا أشهى وألذ ما أصاب من الطعام في حياته، وإحساسه حين يقول هذا هو الصادق، ولكن حكمه على الآكال الأخرى بأنها أقل طيبًا ولذة هو الذي لا يصدق فيه.

والأصل أن الإنسان مبني على الأثرة ككل حيوان آخر؛ ولهذا كان الإيثار معدودًا من الفضائل لأنه تكلُّف لا طباع، والمرء يروض نفسه عليه، ولا يستطيعه لو كان الأمر كله لغريزته وفطرته، وتستطيع أن ترى مصداق ذلك إذا تدبرت أحوال الأطفال وتصرفهم، فإن رياضتهم غير تامة أو لم تبلغ مبلغها في الكبار، فالفطرة هنا أكثر حرية وأوضح أثرًا، والطفل يجري أولًا على السجية، وقد احتاجت الجماعة الإنسانية إلى النظام ليتسنى كبحها عما تغري به الفطرة الساذجة وتدفع إليه الغرائز التي لم تصقل ولم تهذب، على أن هذا استطراد؛ فلنرجع إلى الأثرة في الفرد وأنها الأصل، وهي تبدو في الحب على أوضح صورة، فالرجل يطلب أن تكون المرأة التي أحبها خالصة له وحده، والمرأة تطلب أن يكون الرجل الذي أحبته خالصًا لها وحدها، وكان الإنسان يجري على حكم الأثرة في الطعام ولكنه تعلم المشاركة على الأيام، وترقَّى من الرضى بالمشاركة إلى الشعور بأن فيها لذة تُطلَب ومتعة تُنشَد، ولكنه مع ذلك إذا جاع وتضور وأشرف على الهلاك يرتد إلى الأصل ولا يُحجِم عن خطف اللقمة من فم ابنه، على أن الإنسان لم يتعلم المشاركة في الحب كما تعلمها في الطعام، فهو لا يزال يحرص على الاستئثار ومثله المرأة، فمطلبه أن يستولي عليها ومطلبها أن تستولي عليه، ولكلٍّ منهما سلاحه، فسلاح الرجل القوة والبأس — وهذا على الأقل هو الأصل — وسلاح المرأة الجمال كما يقول أناكريون في قصيدة ظريفة له، وهو يحاول أن يغلبها على أمرها ويخضعها لنفسه بوسائله، وهي تحاول أن تغلبه على أمره وتخضعه لنفسها بوسائلها، فالدلال مثلًا استثارة للرغبة وتأريث لنار الشهوة، والقبلة إذاقة للذة وحث على الاستزادة منها بتصور ما هو أعظم، والابتسامة المغرية، والنظرة الداعية، واللفتة المثيرة، والخطرة التي تعرض المحاسن، والتثني الذي يكشف عن اللين والمرونة — كل هذا وما إليه من الوسائل التي تلجأ إليها المرأة لتليين الرجل، وللرجل وسائله لتليين المرأة وإخضاعها، ووسائله مبنية على الأصل أي القوة — قوة الحيلة إذا لم تكن قوة البدن — فهنا إرادتان تتصارعان، فإذا لم تكن هذه حربًا فلست أدري كيف تكون الحرب إذن؟ وإنما يغلطنا أن لفظ الحرب مقرون في أذهاننا بالضرب والطعن والقتل والدم، وهذا الاصطراع يطول أو يقصر ويعنف أو يفتر تبعًا لمبلغ حدة العاطفة ومدتها؛ ومن هنا نشأت الغيرة؛ لأن الإنسان يجري في الحب على الاستئثار لا على المشاركة، وكذلك المرأة، والغيرة في نظر العقل سخافة، ولكن الأمر فيها إلى الطباع والعادة لا إلى العقل، وقد أفضى الباعث على الغيرة — وهو الرغبة في الاستئثار — إلى قيام نظام الزواج، وهو يبقى ما بقيت المبادئ الحالية التي تقوم عليها حياة الجماعة الإنسانية، وكونه باقيًا لا يمنع أن يتطور، والحروب تعجل بالتطور وتحتث خطاه؛ فمثلًا: كان الرجل هو الذي يطلب المرأة ويسعى إليها، ومن هنا كان الرجل هو الذي يخطب المرأة — جريًا على الأصل إذ كان هو الأقوى — ولكني ألمح تطورًا جديدًا جاءت به الحرب الحاضرة أو يوشك أن تجيء به؛ ذلك أني قرأت في صحيفة أجنبية كلمة يدعو فيها كاتبها أو كاتبتها الفتيات ألا ينتظرن حتى يتقدم إليهن الجنود في الأندية ومجالس السهرات وما إليها طالبين معرفتهن أو مزاملتهن، بل عليهن أن يتقدمن هن إليهم؛ فإن الحياء والأدب كثيرًا ما يصدانهم فيحرمانهم الأنس بهن والمتعة بمجلسهن، فعلى الفتيات أن يقاومن هذه العادة العتيقة ويخرجن عليها إكرامًا لهؤلاء الجنود الذين يبذلون أرواحهم في سبيل بلادهم؛ وقد لفتت نظري هذه الدعوة فلبثت بعدها أتساءل عن الجماعة الإنسانية والمبادئ التي ستقوم بعد الحرب حياتها على قواعدها، تُرى ماذا تكون؟ وأحسبني سأظل أتساءل حتى تكثر البوادر وتتعدد إلى حدٍّ يتيسر معه معرفة الاتجاه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.