التفكير في المستقبل ينبع من الحاضر ويرجع إلى الماضي؛ فالماضي والحاضر والمستقبل تيار واحد متصل لا يتجزَّأ. من أجل ذلك فإن الحديث عن الزعماء الراحلين حَتْمٌ لا غنى عنه؛ فإضافاتهم باقية في حياتنا بإيجابياتها وسلبياتها، ولا مفر من التعامل معها بطريقة أو بأخرى. وطبيعيٌّ أن يَسُوق الحديث عنهم إلى تقييمهم، ومهما التزم المتحدثون بالموضوعية وسلامة القصد فلن يخلو تفكيرهم من الأهواء العقائدية والحزبية التي تُوَجِّه أفكارنا.

ولذلك فإن التقييم العادل الكامل لأي زعيم لن يتأتى إلا بعد انقضاء عصره الحضاري، عند ذاك تسكن زوابع الأهواء، وينحسر غبار الأغراض عن الصورة، فتتضح الرؤية ويقول التاريخ كلمته. وعلينا نحن — المعاصرين — أن نجاهد أنفسنا ما وسعنا ذلك، لعلَّنا نهتدي إلى ما فيه خيرنا وخير أمتنا، فإذا حالفنا التوفيق في جهادنا فقد نخرج بدروس مفيدة لحاضرنا ومستقبلنا. وما أبرِّئ نفسي من الأهواء التي أشرت إليها، ولكني أعتقد أن كثيرين يتفقون معي على تقدير ما ورثناه من الماضي من قِيَم كالحرية والعدالة الاجتماعية، وإنجازات مثل تمصير الاقتصاد والتصنيع وتغيير التركيب الطبقي، ولكي تتم الفائدة من الرجوع إلى الماضي فعلينا أن نتذكَّر ما استدرجنا إلى الهزائم المنكرة وضياع الأموال والأرواح والأرض، فترك بلادنا الجميلة أطلالًا تجري من تحتها المجاري الطافحة، وما استدرجنا إلى الهزائم إلا أننا لم نمدَّ أَرْجُلَنا على قدِّ لحافنا، وثملنا بجنون العظمة، فانبرينا لقيادة الثورات وتحرير الأمم تاركين شعبنا يغرق في الأمية والعري والجوع والأمراض؛ لذلك بدأنا ثورتنا المباركة في وقت واحد تقريبًا مع ثورة الصين الشعبية، ولكنها ركزت على البيت، على حين تبنينا مشكلات الكرة الأرضية، فانظر أين تقف الصين اليوم وأين نقف نحن! هذا ما أرجو أن نفيده من الرجوع إلى الماضي وتذكُّر الزعماء، أما التقييم النهائي لأي رجل فسيُسَجَّل في وقته المعلوم لا قبل ذلك.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.