ألقى رئيس مجلس الوزراء، الرئيس جمال عبد الناصر، خطابًا في ليلة القدر، أعلن فيه أن البرلمان سيعود في شهر يناير سنة ١٩٥٦؛ بذلك تنتهي فترة الانتقال. وقد طلب سيادته إلى صاحب كل رأي وفكرة أن يتكلم حتى تلقي آراء أبناء الوطن على الفترة المقبلة نورًا يضيء الطريق الذي نسلكه لنحقق للوطن خير ما يصبو إليه أبناؤه.

ودعوة ذوي الرأي لإبداء آرائهم في المسائل التي تتصل بنظام الحكم دعوة صالحة، بل دعوة حكيمة من كل الوجوه. وأول ما فيها من مظاهر الحكمة أنها تُشعر الشعب بأن المسئولين عن الحكم يريدون الاسترشاد برأيه في تصوير مصيره. فنظام الحكم في بلد ما هو الذي يقرر مصير هذا البلد. واشتراك الشعب بإبداء الرأي فيما يجب أن يكون عليه هذا النظام خطوة أساسية ليكون النظام ديمقراطيًّا سليمًا.

وقد يتعذر على أولي الرأي اليوم أن يبدوا رأيهم في النظام المقبل الذي يتمثل في البرلمان المنوي عقده بعد سبعة أشهر؛ فلم يُنشر إلى اليوم دستور أو مشروع دستور تتضح فيه صورة هذا النظام ليقول من شاء رأيه فيما يحتوي عليه هذا الدستور من قواعد ومبادئ فيؤيدها أو ينقدها، ولم ينشر إلى اليوم قانون انتخاب أو ما يحل محل قانون الانتخاب ليعرف أولو الرأي الوسائل والإجراءات التي تؤدي إلى اختيار هذا البرلمان وإلى انعقاده، وليبدوا آراءهم في هذه الوسائل والإجراءات. وإنما عرف الناس من الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء في ليلة القدر خطوطًا عامة لمبادئ مجلس الثورة، وفكرة مجملة لما يدور بذهن هذا المجلس وأعضائه من صورة الحكم التي يريدونها لمصر. والخطوط العامة والفكرة المجملة لا يكفيان لتكوين رأي في أمر له من الأهمية وجلال الخطر في حياة البلاد ما يقتضي إنعام النظر ودقة التفكير إنضاجًا للرأي وبيانًا للصورة التي يريد الإنسان أن يستقر عليها مصير البلاد.

وكنت أود أن أؤيد فكرة وردت مجملة في خطاب رئيس الوزراء، تلك فكرة الحكم القومي. ولقد طالما دعوت إلى هذه الفكرة من سنين كثيرة خلت على اعتبار أن الحكم القومي هو الحكم لصالح المحكومين على اختلاف طوائفهم وميولهم وآرائهم، وأن الحكم غير القومي هو الذي يجري لصالح الحاكمين وأنصارهم على حساب من لا يؤيدونهم ويسيرون في ركابهم. ولو أن الخطاب صور الحكم القومي على هذا النحو لما ترددت في تأييد الفكرة. لكني رأيت الخطاب يذهب إلى أن المراد بالحكم القومي أن يكون لصالح العمال والفلاحين فتولتني الحيرة في تفسير المقصود من هذه العبارة. فالعمال والفلاحون هم لا ريب أكثر طوائف الأمة عددًا، وهم الأيدي العاملة والأذرع القوية التي يعتمد عليها الإنتاج القومي، ويجب لذلك أن تُرعى حريتهم وكرامتهم وأن تُحمى مصالحهم، وأن تتولى كل حكومة هذه الرعاية وهذه الحماية. لكن العمال والفلاحين لا يؤلفون مجموع أهل البلاد، بل هناك الطبقة المتوسطة التي منها الموظفون وأرباب المهن الحرة والمشتغلون بأعمال غير الزراعة والصناعة، وأرباب الفنون وغيرهم ممن لا يدخلون في نطاق العمال والفلاحين. وهذه الطبقة المتوسطة هي في كل أمة العصب الذي لا تستطيع الأمة الاستغناء عنه، كما أنها لا تستطيع الاستغناء عن العمال والفلاحين، ويجب لذلك أن ترعى كل حكومة شئون هذه الطبقة، وأن تحمي حريتها ومصالحها من غير إضرار بمصالح الطبقات الأخرى. فمن حسن الرأي، ومن مصلحة البلاد، ألا يقف تفكير مجلس الثورة في أمر هذه الطائفة فيما دون الحدود التي يتناولها تفكيره في أمر العمال والفلاحين.

ولا أتحدث عن غير الطبقة الوسطى، ولا أذكر من يسمونهم الأرستقراطية؛ لأن مصر لا تعرف هذه الأرستقراطية ولم تعرفها. والواقع أن البلاد الإسلامية لا عهد لها بهذه الطبقة التي عرفت في أوربا في العصور الوسطى وإلى القرن الثامن عشر؛ لأن نظام التوريث الإسلامي يمنع قيام الأرستقراطية الوراثية. ولأن القرآن صريح في أن أكرمكم عند الله أتقاكم، وفي أن العمل عبادة كالتقوى بمعناها المتعارف، وأن من بلغ بعمله مكان التقدير من قومه لا تتألف منه ومن أمثاله هذه الأرستقراطية التي يتحدث الناس عنها، بل تتألف منه عناصر خصها الله بمواهب تخدم بها وطنها ودينها والإنسانية، فإذا توفى الله واحدًا من أصحاب هذه المواهب فقلما يرثه في مواهبه وارث.

يوجب الحكم القومي إذن رعاية شئون طبقات الأمة كلها، لا شئون العمال والفلاحين وحدهم، ويوجب أن ترعى شئون الأقلية كما تُرعى شئون الأكثرية. بل لقد كانت الأقلية في كثير من الأحيان أشد احتياجًا لحماية الحاكم وحماية القانون حريتها وكرامتها ونشاطها ومجهودها. والفكرة الاشتراكية التي يتحدث عنها رئيس الوزراء تفرض هذه الرعاية والحماية للطبقات كلها، وللأقليات في مقدمتها. فأساس الفكرة الاشتراكية العدالة في توزيع ثمرات الإنتاج، فلا يتمرغ أحدهم في الغنى بينما ينوء غيره بعبء الفقر والمتربة. أما فيما وراء هذه العدالة فإن الحكم الاشتراكي يكفل الحرية والكرامة كما يكفلهما الحكم غير الاشتراكي، ويكفلهما للطبقات كلها دون تمييز بينها، ويكفلهما للأقلية والأغلبية على السواء.

والأمر كذلك بخاصة حين يكون الحديث عن الاشتراكية المعتدلة على نحو ما هي معروفة في إنجلترا وفي غيرها من البلاد الديمقراطية، وأحسبنا جميعًا، ورئيس الوزراء في مقدمتنا، لا نذهب حين نتحدث عن الاشتراكية غير هذا المذهب، ولا نريد حين نتحدث عن العمال والفلاحين ما كان يريده لينين حين كانت يتحدث عنهما سنة ١٩١٧ فلا تزال قوانين مصر تنكر الشيوعية وتعاقب عليها. أما والأمر كذلك، فإن ما يجب على الحاكمين في هذه البلاد من العناية بشئون العمال والفلاحين وترقية مستوى معيشتهم في التعلم والصحة وأسباب الرزق لا يعفيهم من العناية بغيرهم من الطبقات وحماية حريتهم وكرامتهم، وذلك ليكون للحكم القومي معناه الصحيح.

لا أظن رئيس الوزراء وزملاءه فاتتهم هذه المعاني، بل أحسبهم فكروا فيها والتمسوا الوسيلة لتحقيقها، فهم يعلمون أن روسيا السوفييتية نفسها لم تستغن عن جهود الطبقة المتوسطة، ولذلك كفلت للممتازين من رجال العلم والفن والأدب كل أسباب التقدير والاحترام والرعاية، بما لم تُكفل مثله للطبقات الأخرى التي تتألف منها أغلبية الشعب الروسي؛ لأن هؤلاء الممتازين هم الذين يدفعون الشعوب إلى الأمام، وهم الذين يكفلون للشعوب الرقي والتقدم. وهم لا يستطيعون ذلك ما لم يستمتعوا بحريتهم كاملة، ويشعروا بأن لهم ولمجهودهم من المكانة في قومهم ما يجعلهم يكرسون هذا المجهود للخير العام.

لكن ما التمسه رئيس الوزراء وزملاؤه لتحقيق المعاني التي سبقت إلى ذكرها ولكفالة الحريات التي تحدث رئيس الوزراء في ليلة القدر عنها، لم يدون في دستور ولا في مشروع دستور، ولم تُصور وسائل تنفيذه في قانون انتخاب أو فيما يحل محل قانون انتخاب، ولهذا يصعب على صاحب الرأي أن يبدي في النظام الذي يراد تطبيقه في مصر بعد سبعة أشهر رأيًا بالتأييد أو التوجيه.

ولا يقال اعتراضًا على هذا إن إنجلترا ليس لها دستور مكتوب، وهي مع ذلك أم الحياة البرلمانية والنظام الدستوري. فهذا الكلام ليس صحيحًا على إطلاقه؛ فالدستور الإنجليزي الذي يطبق من ثلاثمائة سنة يعتمد على أوامر ملكية صدرت في فترات مختلفة منذ الثورة البريطانية التي حدثت في سنة ١٦٨٨، وعلى قوانين تعاقبت بعد ذلك، كما يعتمد على التقاليد التي استقرت خلال الأجيال وأصبحت ولها قوة القانون والأمر الملكي. فإذا كانت هذه الأوامر والقوانين والتقاليد لم تجمع كلها معًا في دستور مكتوب كالدستور الأمريكي أو الدستور الفرنسي أو غيرهما من الدساتير الأخرى، فمن الخطأ الظن بأن العبارة المألوفة من أن الدستور الإنجليزي غير مكتوب تعني أنه لا أساس له من القانون المكتوب. إنما يقصد بهذه العبارة أن تلك الأوامر والقوانين والتقاليد لم تجمع في قانون نظامي موحد. وسبب ذلك أن هذا الدستور تطور مع الزمن، ولم يكن نتيجة مباشرة لثورة أدت إلى مجموعه كما أدت الثورة الفرنسية الكبرى إلى الدساتير التي أعلنتها، ولا نتيجة أحداث جسام كالأحداث التي أدت إلى صدور دستور فيمار في ألمانيا، ولا نتيجة انتقال من حماية إلى استقلال أدى إلى صدور دستور كالدستور المصري سنة ١٩٢٣، والتطور المتصل بالدستور البريطاني هو الذي انتهى به إلى ما هو عليه اليوم، أما نظم الحكم التي صدرت في أعقاب الثورات فكلها مكتوبة تجمع بين دفتيها إعلان حقوق الإنسان وحرياته، ونظام الحكم الذي يرضاه الشعب، ويراه محققًا للمصير الذي يريده لنفسه.

وقد كان هذا هو تفكير مجلس الثورة يوم ألف لجنة الدستور في أوائل سنة ١٩٥٣ ولا أظن هذا التفكير قد تغير من ذلك الحين إلى وقتنا الحاضر. قد لا يكون مجلس الثورة راضيًا عن المشروع الذي وضعته لجنة الدستور، وقد يكون له من الاتجاهات ما لا يشتمل هذا المشروع عليه، لكن ذلك لا يمنع من تصوير هذه الاتجاهات في مشروع تضعه الهيئات التشريعية في الحكومة ليعرض على الرأي العام فيبدي أولو الرأي فيه رأيهم، تأييدًا أو اعتراضًا، حتى يصدر بعد ذلك مصدقًا لما ينتهي إليه رأي الأمة في هذا العهد.

إن انتهاء فترة الانتقال معناه الانتقال إلى عهد استقرار يطمئن النظام القومي فيه عهدًا طويلًا. والنظام إنما يستقر إذا رضي الناس عن مجموعه وإن اختلفوا رأيًا على بعض التفاصيل، واطمأنوا إلى أنه يكفل لهم حكمًا عادلًا صالحًا يطمئن المواطن معه إلى حريته، وإلى حياته، وإلى ماله، وإلى رزقه، وإلى مجهوده وإلى ثمرات هذا المجهود. فهلا يرى رئيس الوزراء ويرى زملاؤه أن من الخير أن ينشروا على الناس مشروع هذا النظام وإجراءات تطبيقه ليتسنى لكل ذي رأي أن يبدي فيه رأيه حرًّا غير مقيد بقيد.

هذا ما أرجوه، وهذه هي الوسيلة الوحيدة التي تُمكِّن أصحاب الرأي من إبداء آرائهم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.