عصرنا هذا كثير الأسماء، وكل أسمائه توافقه وتدل على ناحيةٍ من نواحيه، إن لم تدل على جميع نواحيه.

سُمِّيَ يومًا بعصر الطيران، وسُمِّيَ مع هذا بعصر السرعة، وقِيْلَ عنه — ولا يزال يُقال: إنه عصرُ الذَّرَّةِ، وقِيْلَ عنه — ولا يزال يُقال: إنه عصر الأرقام، أو عصر الإحصاء والحساب. ولعل هذا الاسم الأخير من أدلِّ أسمائه عليه؛ لأن الأرقام والإحصاءات لم تستخدم في العصور الماضية كما تستخدم في هذه الأيام: عدد أبناء الأمة، عدد السكان منهم في المدن، وعدد السكان منهم في الريف، عدد المشتغلين بالزراعة أو بالتجارة أو بالصناعة من جميع هؤلاء. وإلى جانب هذا حساب المقادير من الأغذية، والمقادير من الأرباح والأجور، والمقادير من الثروات والأملاك، والمقادير من كلِّ ما يُقَدَّر بمقدار.

كلُّ شيءٍ بحساب وقَدْرٍ، كلُّ شيءٍ في الدفتر كما يُقال.

وكلُّ شيءٍ على هذا حَسَنٌ، أو كلُّ شيءٍ على هذا لَازمٌ لا غنى عنه ولا بد منه، أو هو المرجع الدائم لكل حاكم، وهو المرجع الأول لمن يشتغلون بشئون المجتمع، ولا سبيل لهم إلى تحقيق أسباب العلل وتدبير أسباب العلاج بغير هداية حاضرة من تلك الأرقام.

كلُّ شيء حَسنٌ إلى هذا الحدِّ، ولكن الأرقام قد تجاوز حدودها، فتخطئ ويختل الحساب، وقد تساق الأرقام أحيانًا بغير حساب، فيُضرب بها المثلُ في الخطأ، ولا يُضرب بها المثل في الصواب.

والظاهر أننا وصلنا في هذا العصر إلى المرحلة التي نحاسب فيها الأرقام على أخطائها، بعد أن عاشت الأرقام زمنًا وهي ميزان كلِّ حساب.

الظاهر أن «علم الإحصاء» قد مرَّ بالدور الأول الذي يمر به كلُّ جديد، ولا استثناء فيه للجديد من العلوم.

كلُّ علم جديد أو كلُّ باب جديد من أبواب المعرفة يتدرج في أربعة أطوار من البداءة إلى الاستقرار.

يبتدئ العلم بالابتداء، فهو في هذا الدور بدعة يقابلها الناس كما يقابلون كلَّ بدعة؛ شعور بالغرابة وحب الاستطلاع من جهة، وشعور بالحذر والنفور من جهة أخرى.

ويتقدم هذا الدور قليلًا إلى دور المبالغة في الإقبال عليه؛ يلهج به من يعرفه ومن لا يعرفه، ويسترسل فيه العارفون وغير العارفين مبالغين في مزاياه، مُغرِقين في الدفاع عنه والرد على منكريه، ماضين في المبالغة إلى الحدِّ الذي يتبعه ردُّ الفعل لا محالة، فيصبح الجديد عندهم أن يسمعوا فيه رأيًا غير الثناء والموافقة، وأن يتقبلوا فيه النقد الذي كانوا يُعرِضُون عنه بتفكير أو بغير تفكير.

هنا يصل العلم الجديد إلى طوره الثالث، وهو طور التوقف والأناة، فلا هو حقيقة الحقائق، ولا هو باطل الأباطيل، لا هو بدعة مستحبة، ولا هو لعنة محذورة، ولا هو فتنة ساحرة. هو قول يصح ويخطئ، وهو مذهب يقبل المعارضة كما يقبل الموافقة، أو هو في عداد المقادير التي تؤخذ بحساب وتُنبذ بحساب.

ثم ينتهي العِلمُ بعد هذه المرحلة إلى دور الاستقرار، وهو الدور الذي وصل إليه عِلمُ الإحصاء في هذه الأيام أو كاد.

منذ خمسين سنة، كان الإحصائيون يبالغون في تقدير عِلمهم، ويجعلونه أساسًا لكلِّ قياسٍ سليمٍ مُحقق، حتى قياس الذوق والخيال ومحاسن الفنون! أمَّا في السنوات الأخيرة، فالرأي الغالب أن الدعوى عريضة كبيرة الشطط، وأن الثناء على الحساب بمثل هذه الدعوى إنما هو ثناء بغير حساب.

قال بعضُ الناقدين المُتهكِّمين: لو أخذنا بالأرقام وحدها لظهر لنا أن الفِراشَ أخطرُ مكانٍ في العالم؛ لأن عددَ الميتين عليه أعظم جدًّا من عدد الميتين في ميادين القتال، وفي مغاور الجبال وفي أعماق البحار، وفي مآزق الغابات والأدغال.

ويحق لنا أن نقول متهكمين كما قال هؤلاء: لو صدقت الأرقام لجاز أن يُقال: إن عهد نيرون كان أعدل وأرحم من عهد عُمر بن الخطاب؛ لأن عهد الشكايات في عهد عُمر أعظم جدًّا من عددها في عهد نيرون.

ولكن الأرقام تخطئ في كلتا الحالتين؛ فإن كِثرة الميتين على الفِراش لا تنفي أنه مكان الأمان والسلامة أو النجاة من الداء، فإنما العبرة في الحالة لا بالعدد، أو العبرة بالكيفية والمعنى وليست العبرة — كل العبرة — بالكمية وحساب الأرقام.

كذلك تُحصَى الشكايات في عهد نيرون، فلا يبعد أن نرى أنها معدومة أو كالمعدومة؛ لأن الظلم إذا اشتد واستفحل يئس الناسُ من الشكوى، وفضَّلوا السكوت على مُراجعة الظالمين خوفًا من ظلم جديد.

ثم نُحصِي الشكايات في عهد عُمر بن الخطاب فنرى أنها — على الأقل — أكثر من نظائرها في عهد نيرون؛ لأن العدلَ عوَّدَ الناسَ أن يستكثروا أهون الظلم، وأن ينتظروا الإنصاف أو الاقتصاص من الكبير والصغير، وربما اشتكوا لغير سبب أو لأهون سبب؛ إيمانًا منهم بحقهم في الأمان، وفي محاسبة الحاكمين.

فلا يكفي إذن أن ننظر إلى الفارق في حساب الأرقام لنعرف مواضع العدل والحق، ومواضع الجور والباطل؛ فإن هذا الفارق في الأرقام قد ينتهي بنا إلى الخلط بين الإفراط في الظلم والإفراط في العدل، فنحمد مساوئ نيرون، ونتجنَّى بالباطل على أعدل الحكام وأشدهم على الظلم والظلام.

لا يكفي الرقم في حساب الميتين على الفِراش؛ بل يجب أن نسأل: كيف ماتوا؟

ولا يكفي الرقم في حساب الشكايات كِثرة وقِلة، بل يجب أن نسأل: لماذا قَلَّتْ الشكاياتُ هنا وكثرتْ هناك؟ ومن أين جاء الفارقُ بين الحسابين؟

يجب أن نضيف حساب الكيفية إلى حساب الكمية، ويجب أن نرجع إلى الأسباب وراء الأرقام، أو يجب — بعبارة وجيزة — أن ننظر إلى القيمة، ولا نكتفي بالنظر إلى المقدار وحده؛ فإن المساواة في العدد لا تدل على المساواة في القيمة بين الأشياء، ولا بين الأحوال والأشخاص.

ويجوز أحيانًا أن الأرقام نفسها لا تغني عن المزيد من الأرقام، وأن الإحصاء الواحد يتوقف على إحصاءات كثيرة، ثم لا تستغنى الإحصاءات الكثيرة عن السؤال وعن البيان لنُحسِن المقابلة بين الأرقام.

تاجر بلغ دخله في شهر ألف جنيه، وبلغ دخله في شهر آخر ألفين، فماذا نفهم من ذلك؟ وكيف نستفيد من هذا الرقم أو من هذا الحساب؟

لا نستفيد شيئًا إلا إذا جمعنا مع هذا الرقم أرقامًا كثيرة، واعتمادنا مع بيان الدخل على جملة من البيانات.

قد يرجع الفرق إلى الموسم، فلا يباع الفحم مثلًا في الصيف كما يباع في الشتاء، ولا يباع الثلج في الشتاء كما يباع في الصيف، وقد يرجع إلى الظروف الطارئة؛ ففي هذا الشهر أقيم معرض حافل في الحي، وفي غيره كان البيع مقصورًا على المقيمين فيه، وقد يرجع إلى المُزاحمة، كان في الحي دكان واحد، فأصبح فيه دكانان أو ثلاثة دكاكين.

وقد يرجع إلى أساليب الباعة في الترغيب والترويج، بين بائع يحسن العرض والإقناع والمعاملة، فيُقبل العملاءُ على الشراء، وبائع يُسيء ولا يدري بأساليب صناعته، فينصرفون عنه وعن بضاعته، وقد يرجع إلى تبديل الأزياء والأذواق؛ فإن الناسَ لا يثبتون على زِيٍّ واحد ولا على ذوقٍ واحد في اختيار صنوف الغذاء والكساء، ولا في اختيار الأماكن والتجار.

وهذا كله في مسألة يتوقف تقديرها على حساب الأرقام، ولكنها أرقام متعددة متفرقة يتمم بعضُها بعضًا، ولا يتمم بعضُها بعضًا إلا بشيء وراء الأرقام، يعمل فيه الفكرُ والنظرُ، ويعلو فيه اعتبارُ القيمة على اعتبار القواعد الأربع لخُطى علم الحساب.

ولهذا يحترس الإحصائيون الاجتماعيون في اتخاذ العلامات من الأرقام على أحوال المجتمع ومظاهر الحضارة، بعد أن تعددت هذه العلامات وثبت النقص والخطأ في كل علامة منها.

قالوا مثلًا: إن درجة الحضارة في المدينة أو القرية تُعرف بمقدار الملح الذي تستنفده، وقيل: بل بمقدار التوابل، وقيل: بل بمقدار السكر أو بمقدار الصابون.

ولماذا تقاس درجات الحضارة بهذا أو بذاك؟ قالوا: لأن الملح يدل، ولا يزال الآكلون من الأصناف المطبوخة أوسع حضارة مِمَّن يأكلون اللحوم والثمرات. وكذلك التوابل التي تضاف على المائدة، ومثلها السكر، ويلحق بها الصابون لدلالته على الملابس ونظافتها.

ولكن الملح قد يستخدم أحيانًا للشعوذة والحماية من الحسد؛ فيدل على التأخر ولا يدل على الارتقاء، وربما كانت التوابل هي الطعام الوحيد مع الخبز بلا مائدة ولا طعام سواها مطبوخًا أو غير مطبوخ.

والسكر قد يُذاب في الماء أو في الشاي ويشرب خالصًا في المزيج الذي تحتاج إليه صناعة الحلوى والأطعمة الكمالية.

والصابون قد ينقص بمقدار الزيادة في المواد الكيميائية التي تستخدم للتنظيف، فيكون نقصه دليلًا على الزيادة في علوم الحضارة وصناعاتها.

فكلُّ علامة من علامات الأرقام ناقصة ما لم تكن معها علامة من علامات القيم، ودراسة من دراسات الفكر والنظر، وإذا صحَّ هذا في الشئون المادية أو شئون العدد والكمية؛ فهو أحرى أن يكون صحيحًا في شئون الفكر والفن والذوق والضمير.

فمن المضحك ولا ريب، بناءً على المفاضلة أو الموازنة بين الكتب والقصائد على عدد حروف الجرِّ في كلٍّ منها، أو على عدد الظروف والصفات والأسماء والأفعال في الصفحة، أو على عدد الكلمات في الجملة، أو على عدد الجمل الطوال والجمل القصار، أو على أمثال ذلك من الأعداد كيفما كانت، وكيفما كان موضوع الكتاب والكتابة؛ فمثل هذا الإحصاء قد يصح في القواميس التي لا تحتوي غير المفردات، ولا تشتمل على عبارات مركبة توصف بالبلاغة، وتتم على الأساليب الشخصية.

ويجوز أن هذه الإحصاءات تختلف بين كِتابٍ وكتاب من تصنيف المؤلف الواحد، تبعًا لاختلاف السن والموضوع والمرانة.

نعم، إن الحساب نفسه لا بد أن يؤخد بحساب، وإن الأرقام بجلالة قدرها أو بضآلته تخطئ جدًّا، وتخطئ كثيرًا، ويخطئ معها من يقول معتزًّا بها: هذه مسألة أرقام. كأنما الأرقام جهيزة تقطع لسان كل خطيب.

وبعد جيل من الإحصاء الذي لا يُحصى، يتريث المؤمنون بالأرقام ليعرفوا لها حقها، ولا يجاوزوا به مداه. وغاية حقها بعد كلِّ كلامٍ وكلِّ بيانٍ، أنها دلالة لا يُستغنى عنها، ولكنها كذلك لا تكفي بغير قرينة تصاحبها، فلا غنى بالحساب المرقوم عن الحساب المفهوم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.