كان اجتماعًا قيِّمًا حقًّا ذلك الذي التقى فيه فريق من المفكرين المسلمين بفريق من المفكرين الإيطاليين في مدينة البندقية؛ ليتحدثوا في حرية صريحة، أو في صراحة حرة عن الخصومة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، وعن الأسباب التي أثارتها النتائج التي نشأت عنها، وعن الوسائل التي يمكن أنْ تؤدي إلى حسم هذه الخصومة، واستئناف حياة جديدة يقوم فيها الوفاق والتعاون مقام الخلاف والتدابر بين المسلمين في أقطار الأرض، وبين الذين اتخذوا الحضارة الغربية لهم قوامًا.

وكانت المزية الأولى لهذا الاجتماع أنه لم يأتلف من عدد ضخم يكثر فيه الكلام، وتتفرق فيه الآراء، وتضيع فيه الوسائل والغايات، وإنما ائتلف من أشخاص قليلين مسلمين وإيطاليين، ولم يشهده أحد من البلاد الغربية الأخرى في أوروبا وأمريكا، وإنما شهده الإيطاليون وحدهم عن الحضارة الغربية، وشهده من المسلمين نفر لا يبلغون العشرة، كان فيهم إيرانيان وعراقي ولبناني وتركي ومصري وتونسي، وكانوا جميعًا من الجامعيين الذين أخلصوا أنفسهم، أو كادوا يخلصونها للثقافة والعلم، وتخلف من دعي من سوريا لعذر طارئ، ولم يحضر الأستاذ العقَّاد، وليته استطاع الحضور، وكان الذين شاركوا في هذا الاجتماع من الإيطاليين قليلين أيضًا كلهم من الجامعيين، ولكنهم على ذلك يختلفون فيما يفرغون له من العلم، فمنهم الفقيه، ومنهم الاقتصادي، ومنهم أستاذ الرياضة، ومنهم بعض المستشرقين، وكانت المزية الثانية لهذا الاجتماع أنه لم يكن رسميًّا؛ فلم تُدعَ إليه الحكومات، ولم تشارك فيه من قرب أو بُعد، ولم تُدع إليه الهيئات، وإنما دُعي إليه أفراد عُرفوا بمكانهم من الثقافة والعلم، وبمكانهم المرموق في أوطانهم، فلم تدخل السياسة إذن في هذا الاجتماع، وإنْ لم يخلُ من حديث السياسة، وكيف التحدث في شئون الشرق والغرب، وما بينهما من خصومة دون الإلمام بحديث السياسة وخطوبها، وقد يسأل القارئ عن مصدر هذا الاجتماع وعن الذي دعا إليه، وهنا حديث أحب أنْ يتدبره المصريون والأغنياء منهم خاصة؛ لأنه جدير أنْ يثير العبرة ويدعو إلى إطالة التفكير والتدبير.

رجل من أغنياء إيطاليا، ومن أغنياء مدينة البندقية خاصة منحه الله بسطة واسعة في المال، وما أكثر الذين أتاح الله لهم الثراء العريض، وقد فُجع هذا الرجل في ابنه منذ خمس سنين، فاحتمل خطبه كريمًا، ثم جعله مصدر خير لأسر كثيرة من الإيطاليين. أنشأ في جزيرة من جزائر البندقية لها خطر في التاريخ معهدين، خصص أحدهما لليتامى من أبناء الذين يعملون في البحر ينشئون فيه، ويتعلمون فيه أعمال البحر، ويدربون عليها حتى إذا أتموا تعليمهم عملوا فيما كان يعمل فيه آباؤهم. وأنشأ معهدًا آخر للحرف والصناعات اليسيرة، وآوى في كل واحد من هذين المعهدين خمسمائة من التلاميذ، وضمن لهم النمو في حياته والبقاء بعد وفاته، فهو يقوم إذن على تربية ألف من الأطفال الإيطاليين وتعليمهم، وتمكينهم من أنْ يعيشوا بعد تخرجهم كرامًا ينفعون أنفسهم وينفعون الناس. ثم لم يكتفِ بذلك، وإنما جدد ما في تلك الجزيرة من معالم تاريخية خطيرة، وأنشأ فيها دارًا للكتب يختلف إليها طلاب الثقافة والمعرفة، ثم أنشأ فيها مركزًا ثقافيًّا، يلتقي فيه بين حين وحين أعلام الثقافة والعلم والأدب؛ ليتحدثوا فيما يعنيهم من شئون الثقافة والعلم والأدب.

***

وكان اجتماعنا هذا واحدًا من هذه الاجتماعات، التي يراد لها أنْ تتصل وأنْ تكثر، وألا تتقيد بموضوع ولا تخضع لنظام إلا نظام التفكير الحر الصريح.

وقد التقينا ستة أيام مصبحين وممسين، فقلنا وقالوا، ولم تنقصنا الصراحة في القول، ولم تنقصهم الشجاعة على الاعتراف بالحق حين تبين لهم الحق، ولم يكن بُد من أنْ نتفق قبل كل شيء على الحضارة الغربية ما هي، وما يمكن أنْ تكون! فلست أعرف أنَّ هناك حضارة غربية تختلف في جوهرها عن الحضارة الإسلامية، وإنما أعرف أنَّ هناك حضارة واحدة ازدهرت حول البحر الأبيض المتوسط سبقت مصر إلى أصولها، ومنحها اليونان قوة وأيدًا وخصبًا، وأخذها اليونان عن الرومان، ثم انتشرت بعد ذلك في غرب البحر الأبيض وشرقه، وفي شماله وجنوبه، ثم تنصرت حين عرفت المسيحية، وأسلمت حين عرفت الإسلام، نقلت إليها ثقافة الأمم القديمة وما يلائمها من تراث هذه الأمم وأساغته وتمثلته وجعلته جزءًا منها، وأحيت أممًا خضعت لسلطان الإسلام، ثم نقلها المسلمون أنفسهم إلى غرب أوروبا، فأحدثوا فيه نهضة خصبة ما كانت لتحدث لو لم تترجَم كتب المسلمين في الفلسفة والفنون والعلوم إلى اللغة اللاتينية، التي كانت لغة الثقافة في غرب أوروبا.

***

وهذه الحضارة نفسها هي التي اشتد اتصال الأوروبيين بها في نهضتهم الحديثة، فأخذوها من أصولها اليونانية واللاتينية، وأذكوا جذوتها، وأتاحوا لها كما أتاحت لهم ما وصلت إليه، وما وصلوا إليه من الرقي والازدهار.

فالحضارة الإسلامية والحضارة الغربية واحدة إذن في أصولها وجوهرها وطبيعتها، ولكن ظروف التاريخ قضت على المسلمين أنْ يخمدوا، وأتاحت للغربيين أنْ ينشطوا، فتقدم الغرب الأوروبي وتأخر الشرق الإسلامي، فلا يصح أنْ يقال إذن: إنَّ هناك حضارتين إحداهما إسلامية، والأخرى غربية أوروبية.

والقول بأن هناك خصومة بين الإسلام وبين الحضارة الغربية يحتاج إلى كثير من الدقة. فالإسلام لا يخاصم الحضارة الغربية في نفسها؛ لأنها حضارته، وإنما يخاصم فريقًا من الغربيين خرجوا على أصول حضارتهم، وخالفوا عما تأمرهم به وتحثهم عليه، فملئوا الأرض شرًّا ونكرًا، وفرقوا بين الناس، وكان من الحق أنْ يتفقوا، واستعلوا في الأرض والحضارة الصحيحة شرقية كانت أو غربية لا تحب الاستعلاء، بل تمقته أشد المقت، وتقرر المساواة بين الناس في كل ما تمكن فيه المساواة لا لشيء إلا لأنهم يشتركون في الإنسانية، ويدخلون في الحياة على نمط واحد، ويخرجون منها على نمط واحد، ويجب أنْ يعيشوا فيما بين ذلك متقاربين متضامنين يستعلي بعضهم على بعض، ولا يسوم بعضهم بعضًا ظلمًا ولا خسفًا ولا هوانًا.

ولا يصح أنْ توصف الحضارة الغربية بأنها حضارة تمتاز في جوهرها من حضارة الشرق الإسلامي؛ فجوهر الحضارتين واحد، واختلاف الدين بين المسلمين والمسيحيين لا يغير من طبيعة الحضارة شيئًا؛ لأن المُثل العليا التي يدعو إليها الإسلام وتدعو إليها المسيحية واحدة في جوهرها، كلا الدينين يدعو إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له، وكلاهما يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، وكلاهما يفرض العدل والمساواة بين الناس.

***

ولا يصح كذلك أنْ يقال: إنَّ الحضارة الغربية تمتاز بما شاع فيها من المادية بعد تقدم العلم، فالمادية ليست مقصورة على الحضارة الغربية، وقد وجدت في العالم الإسلامي وأنكرها المسلمون، كما ينكرها المسيحيون، وتجرد للرد عليها، ونصب الحرب لها فريق من علماء المسيحيين الغربيين وفلاسفتهم.

وإذا كان هذا كله حقًّا — وهو حق لا شك فيه — فالخصومة القائمة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي ليست خصومة بين حضارة وحضارة، وليست خصومة بين دين ودين، وإنما هي خصومة بين حب العدل والإغراق في الجور، وبين حب المساواة والغلو في التفريق وإيثار الاستعلاء والامتياز، وليس أدل على ذلك من أنَّ اختلاف الدين لم يمنع المسيحيين وغير المسيحيين من أنْ يعيشوا بين المسلمين كرامًا، ويشاركوا في الحضارة الإسلامية مشاركة عاملة موجبة لا مشاركة الخاضعين السلبيين، وهم ينكرون من طغيان الغرب ما ينكر المسلمون، وهم يطمحون إلى الحرية والعدل والكرامة، كما يطمح إليها المسلمون، وهم يجاهدون في سبيل هذه الحقوق كما يجاهد في سبيلها المسلمون.

وليس أدل على ذلك أيضًا من أنَّ المخلصين للمسيحية الصادقين في الإيمان بها من أهل الغرب ينكرون ما يتورط فيه ساستهم وقادتهم من الاستعمار، وما ينشأ عنه من الجور والبغي والعدوان، وما يشيع بين الناس من البُغض والحقد والعداء.

***

وليس أدل على ذلك آخر الأمر من أنَّ المسلمين يجدُّون في استدراك ما فاتهم، ويسعون إلى الحضارة الغربية مكتسبين لها، مشاركين فيها، آخذين بأسبابها، يوطنونها في بلادهم، ويحرصون على أنْ يكون نصيبهم منها كنصيب الغربيين؛ فليست الحضارة كلامًا يقال، وإنما هي علم وفن وفلسفة وعمل. والمسلمون يدرسون علوم الغرب وفنونه وفلسفته، ويضيفون إليها حين يتاح لهم ذلك ويلائمون بينها وبين أمزجتهم وطبائعهم وأخلاقهم وعاداتهم وسننهم الموروثة، لا يجدون بذلك بأسًا، ولا يلومهم في ذلك اللائمون وهم يصنعون ذلك كله الآن، كما صنع الغربيون ذلك كله بحضارة المسلمين في القرون الوسطى.

ولم يستطع زملاؤنا الإيطاليون أنْ ينكروا ذلك أو يجادلوا فيه، وإنما عرفوه وابتهجوا له، وجرى الحوار بعد ذلك على أساس متين، فجعلنا نلتمس معهم أسباب الخصومة بين الإسلام والغرب، ولم نجد مشقة، ولم نتكلف جهدًا في تحديد هذه الأسباب؛ لأنها أوضح من أنْ تحتاج إلى البحث أو تكلف الجهد، فهي تنتهي كلها آخر الأمر إلى علة واحدة، هي الاستعمار الذي ورط الغربيين في كثير من الآثام، ورطهم في الظلم فاستغلوا أوطان الناس دون أنْ يكون لهم حق في استغلالها، واستأثروا بما تنتج هذه الأوطان من الثمرات من دون أهلها، واستذلوا أهل هذه الأوطان بالقوة الغاشمة لتخلص لهم ثمراتها، وإنْ حُرم أهل هذه الأوطان الاستمتاع بها، وتورطوا في القتل وسفك الدماء بغير حساب لا لشيء إلا لأنهم يريدون أنْ يستكرهوا الإصرار على أنْ يكونوا عبيدًا يجدُّون ويكدون لينعم الغربيون ويترفوا.

***

وقال قائل الزملاء الإيطاليين: إنكم تسرفون على الغرب حين تذكرون له السيئات، وتنسون ما أهدى إليكم من الخير، فهو قد أَهْدَى إليكم علمه وفنونه وآدابه وفلسفته وإنتاجه المادي على اختلافه، وهو قد غيَّر حياتكم تغييرًا؛ يسرها بعد أنْ كانت عسيرة، وألانها بعد أنْ كانت قاسية خشنة. ولم أملك إنْ رددت على هذا الزميل في شيء من العنف بكلمة لم تلبث أنْ استقرت في نفوس أصحابه، فكانوا يلقونني بها كلما ضمنا مجلس يجدون حينًا ويمزحون أحيانًا … قلت: إنكم لا تهدون إلينا نتائج حضارتكم، وإنما نأخذها منكم أخذًا، ونأخذها منكم على رغمكم؛ لأننا نشتريها بالمال، ونؤدي إليكم أثمانها غالية، ولن تستطيعوا أنْ تستأثروا بها من دوننا؛ لأنكم لا تستطيعون أنْ تصدونا عن قراءة كتبكم وصحفكم والاختلاف إلى جامعاتكم ومعاهدكم، بل أنتم تتنافسون في بيع حضارتكم لنا، كنتم تظنون أنَّ ذلك يخضعنا لسلطانكم، ثم تبينتم أنَّ ذلك يغرينا بالتمرد عليكم والتخلص من بغيكم وطغيانكم، وانظروا — إنْ شئتم — إلى ما حدث في مصر، وما يحدث في شمال إفريقيا، وما يحدث في الأوطان الإسلامية كلها، بل في كل بلد حاولتم أنْ تستعمروه.

ومضى الحوار بيننا على هذا النحو ستة أيام بعنف حينًا، حتى يبلغ من العنف أقصاه، ويرق حينًا حتى ينتهي إلى مودة وصفاء، ثم انقضى في اليوم الأخير على خير ما ينقضي عليه الحوار، انقضى على أنَّ الناس أخوة ما أقاموا حياتهم على الحب والعدل والتعاون على البر والتقوى، وأعداء إنْ أقاموا حياتهم على الأثرة والطغيان والبغي، وعلى أنَّ الخير كل الخير في أنْ يتجدد هذا اللقاء بين المسلمين وبين الغربيين؛ ليحاولوا بالبحث والدرس أنْ يصلوا إلى كلمة سواء. ولست أنسى حين أقبل ذلك الأستاذ الشيخ الذي كان يرأس جلساتنا، وهو من كبار الفقهاء الإيطاليين، لست أنسى حين أقبل يودعني على ظهر السفينة، ويذكرني متضاحكًا بهذه الكلمة التي قلتها، فاستقرت في نفسه: إنكم لا تعطوننا حضارتكم، ولكننا نأخذها منكم أخذًا.

ولست أدري! لِم تكون مثل هذه الاجتماعات في أوروبا، ولا يكون شيء منها في الشرق العربي وفي مصر خاصة، ولكن هذا حديث يطول.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.