فيه عرف التاريخ أنَّ الشعوب تستطيع أنْ تريد، وأنْ تنفذ ما تريد. بل فيه عرف التاريخ أنَّ الشعوب تستطيع أنْ تستكشف نفسها، وتعرف أنَّ لها حقوقًا يجب أنْ تنال، وكرامة يجب أنْ تصان، وحرمة يجب أنْ ترعى. بل فيه عرف التاريخ أنَّ الشعوب تستطيع أنْ تنظر إلى نفسها في مرآة نفسها، فترى أنها أصل السيادة، وقد كانت موضوع الاستعباد، وترى أنها أصل العزة، وقد كانت مهبط الذلة، وترى أنها مصدر السلطان، وقد كانت خليقة بالطاعة والخضوع. وكان التاريخ قد رأى قبل ذلك اليوم أيامًا كثيرة مختلفة ظهرت فيها حرية الجماعات، واحترمت فيها حقوق الشعوب، وروعيت فيها حرمات النفس الإنسانية، ولكنه لم يكن قد رأى يومًا أبلغ من ذلك اليوم أثرًا في حياة الناس، وأبعد منه مدًى في إشعارهم بكرامة أنفسهم، وتحقيق المساواة بينهم على اختلاف المنازل وتفاوت الطبقات. فيه تمت المساواة بين الناس كأقوى ما يمكن أنْ تتم، وزالت الفروق بين الناس كأقصى ما يمكن أنْ تزول. وكان أرفع الناس مكانةً، وأعلاهم قدرًا، وأنبههم ذكرًا، يسعى مع أحط الناس منزلة، وأعظمهم من الضعة حظًّا، وأبعدهم عن أنْ يعبأ به أحد، أو يأبه له إنسان. وكان هذان الرجلان المتباعدان في كل شيء، يسعيان أخوين متحابين لا يفرق بينهما شيء، ولا يبغيان إلَّا أنْ يهدما صرح الظلم، وينبئا الأيام بأن الإنسان قد عرف آخر الأمر أنه خلق ليعيش حرًّا، عزيزًا، كريمًا.

كان الشعب الباريسي في ذلك اليوم وفي الأيام القليلة التي سبقته من سنة ١٧٨٩ أعزل لا قوة له، ولا سلاح في يده، فقيرًا معدمًا لا يجد ما يطعم، ولا يكاد يتقي عوادي الجو وأحداث الأيام. ولكنه مع ذلك استطاع أنْ يجدَ القوة، وأنْ يأخذ السلاح عنوة، وأنْ يحصر حصن الباستيل، وأنْ ينزل الجند فيه على حكمه، وأنْ يقنع الظالمين بأن عصر الظلم الذي لا عقاب عليه، والبغي الذي لا يحاسب أصحابه قد انقضى، وبأن عصر التفرقة بين الناس وتسلط بعضهم على بعض، وتحكم بعضهم في بعض قد انتهى، وبأن نظام الحق الإلهي قد زال، وبأن المَلك لا يستمد سلطانه من الله، ولا يمثل اللهَ في الأرض، وإنما يستمد سلطانه من الشعب، ويمثل الشعب أمام الدول والملوك.

ومن الإطالة التي لا تجدي أنْ يفصل الكاتب في مقال كهذا حوادث ذلك اليوم، ومن الإسراف الذي لا يغني أنْ يزعم الكاتب أنَّ هذا اليوم قد كان خيرًا كله، وأنه قد برئ من الشر المنكر، والفساد العظيم. فقد كان يومًا مشهودًا، وكان شره عظيمًا، وكانت آثامه لا تحصى. ولكنه مع ذلك يوم مخلد في التاريخ؛ لأنه امتاز بما لم تمتز به الأيام التي سبقته من إظهار الإنسان على كرامته، ولأنه أثبت ما عبرت الأيام السابقة عن إثباته، من أنَّ الشعب مهما يظهر ضعفه، فهو قوي، ومهما تبدُ ذلته، فهو عزيز، ومهما يعلن عجزه فهو قادر، ومهما يظن به الظالمون من اليأس والقنوط، فهو عظيم الحظ من الأمل والرجاء.

والناس جميعًا يعلمون أنَّ هذا اليوم قد فتح للتاريخ الإنساني بابًا جديدًا، دخلت منه الحرية والمساواة، وتغيرت له نظم الحكم في أوروبا أول الأمر، ثم أخذت تتغير في غير أوروبا من أقطار الأرض. والناس جميعًا يعلمون أنَّ ما أصاب الفرنسيين من الأحداث، وما اختلف عليهم من الخطوب لم يغير من ثورتهم شيئًا، فهي ما زالت قائمة تعمل عملها، وتسلك طريقها إلى تحرير الجماعات والأفراد، وتؤدي رسالتها إلى الناس، كما يقول الكُتَّاب المحدثون. فكل حدث يحدث وله بنظام الحكم صلة قريبة أو بعيدة، وله في حرية الأفراد والجماعات أثر قوي أو ضعيف؛ إنما هو نتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وأثر من آثار ذلك اليوم العظيم الذي تغلب الباريسيون فيه على حصن الباستيل. وليس المهم أنْ يتحدث الكُتَّاب بمجد هذا اليوم، وآثاره التي تحمد أو التي تذم، وإنما المهم أنْ يتساءل الناس: إلى أي حد استطاع هذا اليوم أنْ ينتهي بالإنسانية من الحرية الصحيحة ومن المساواة التي تستحق هذا الاسم؟ إلى أين انتهى هذا اليوم بالإنسانية إلى ما يراد لها من حفظ كرامتها كاملة، ورعاية حرمتها موفورة، والوصول بها إلى المثل الأعلى من العدل في أجمل صورة وأنقاها وأرقاها، وأبعدها عن الظلم والفساد؟

أسئلة سيلقيها الناس في كل يوم، وسيجيبون عليها أجوبة تختلف باختلاف البيئات والظروف. ولكنَّ هناك شيئًا لا يمكن أنْ يختلف الناس فيه، ولا أنْ يكون بينهم حوله جدال، وهو أنَّ الثورة الفرنسية إنْ كانت قد حررت الأفراد في أوروبا وأمريكا إلى حد بعيد، وحررت الجماعات في أوروبا وأمريكا إلى حد ما، فإنها ما زالت بعيدة كل البعد عن غايتها الطبيعية، قاصرة كل القصور عن بلوغ أمدها الذي ينبغي أنْ تنتهي إليه. فالأفراد أحرار في بعض أقطار الأرض دون بعض، والجماعات حرة في بعض البلاد دون بعض. ولكن الكثرة المطلقة من الناس ما زالت بعيدة كل البعد عن أنْ تستمتع بما يستمتع به هؤلاء الأوروبيون الممتازون من حريتهم الواسعة أو الضيقة. وما دام الاستعمار قائمًا، وما دام الاستعمار نظامًا من نظم الحياة الإنسانية العامة، وما دام الاستعمار أصلًا من أصول العلاقة بين الأمم والشعوب، وما دامت في الأرض أمم قوية تستطيع كل شيء، وأمم ضعيفة لا تستطيع شيئًا، فالثورة الفرنسية لم تبلغ أمدها، ولم تحقق غايتها، ولم تؤدِّ رسالتها إلى الناس. ذلك أنَّ حقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة الفرنسية قد ذكرت الإنسان ولم تذكر الفرنسي، وذكرت الإنسان ولم تذكر الأوروبي، وذكرت الإنسان فلم تفرق بين جنس وجنس، ولا بين جيل وجيل. فما دامت مقصورة إلى الآن على أجيال من الناس دون أجيال، فليست هي حقوق الإنسان، وإنما هي حقوق هذه الأجيال التي تنعم بها، وتستمتع بثمراتها، أو قل: إنها حقوق الإنسان كله، ولكن قومًا قد ظفروا بها؛ فهم سعداء، وقومًا آخرين لم يظفروا بها؛ فهم أشقياء، وهم مضطرون إلى أنْ يسعوا إليها، ويجدُّوا في السعي حتى يبلغوها، وحتى يتمتعوا بثمراتها التي تسمى: الحرية والإخاء والمساواة.

ليس صحيحًا أنَّ الثورة الفرنسية قد حررت الإنسان، فما زال الإنسان يستعبد الإنسان، وما زال الفرنسيون الذين كانوا يرون أنفسهم رسل الحرية، يستعبدون أجيالًا من الناس في أقطار الأرض على تباعدها، ويستعبدونهم باسم الثورة، ويستعبدونهم باسم الحرية والإخاء والمساواة. ليس صحيحًا أنَّ الثورة الفرنسية قد محت الرق، فالأفراد لا يباعون ولا يشترون في البلاد المتحضرة، ولكن الأمم الكبيرة والشعوب الضخمة ذات الحضارة القديمة، والمجد المؤثل تحيا حياة الرقيق، وتسام ألوان الذل والخسف بأيدي هؤلاء الأوروبيين الذين يرون أنفسهم رسل الحرية والإخاء والمساواة.

ليس صحيحًا أنَّ الثورة الفرنسية قد أخرجت الناس من الظلمة إلى النور، فما زالت ظلمات البأس والبطش والقسوة والعنف، والجور والظلم حالكة مدلهمة على أمم من حقها أنْ تستمتع بالنور، كما تستمتع به أوروبا، وكما يستمتع به الفرنسيون.

كلَّا، كلَّا، إنَّ من الخير كل الخير أنْ يعرف الناس أنهم ارتقوا، وأنَّ أمورهم قد صلحت، وأنَّ حياتهم قد تغيرت، ولكن من الشر كل الشر أنْ يغتر الناس بهذا الرقي، وأنْ ينخدعوا بهذا الصلاح، وأنْ يلهيهم هذا التغير. إنَّ من الحماقة أنْ تسحرنا ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة، ما دمنا لا نستمتع بها، ولا نستظل بظلها، ولا نشعر بأن ليس بيننا وبين الأوروبيين فرق عظيم أو يسير.

إنَّ من الجنون أنْ نظن أننا أحرار؛ لأن لفظ الحرية شائع بيننا، ولأن الفرنسيين يحتفلون اليوم بعيد حريتهم. إنَّ من الغفلة أنْ ننتظر الحرية مؤمنين بها، واثقين بأنها ستتفضل ذات يوم فتلم بنا وتختار بلادنا لها دارًا.

إنَّ الحرية لا تلم ببلد إلَّا إذا دعيت إليه، ولا تقيم في بلد إلَّا إذا هيئ لها المقام فيه، فإذا كنا نحب الحرية حقًّا فلندعها، وإذا كنا نحب أنْ تقيم بيننا، فلنقم لها دارًا في مصر، فإن دارها — فيما يظهر — لم تشيد بعد.

إنَّ الثورة الفرنسية لم تصل بالناس إلى الحرية، ولكنها فتحت للناس أبواب الحرية، فمن الناس من يلج هذه الأبواب، ومنهم من يقف أمامها حائرًا ذاهلًا مبهوتًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.