من الرسائل التي يحملها إليَّ البريدُ أنواع تتكرر على الدوام، وعلى وتيرة واحدة، وهي في الأغلب الأعم تدور حول هذه الموضوعات الأربعة:

أولها: نوع الرسائل التي تشتمل على أسئلة أدبية، أو اجتماعية، أو نفسية، وهذه أجمعُها وأُجيب عنها — كلما سنحت لي الفرصة — في المقالات الصحفية، أو في الكتب التي أؤلفها.وثانيها: نوع الرسائل التي يستهديني أصحابها كتبًا من مؤلَّفاتي، وقد أبديت عذري غير مرة من أنني لا أستطيع تلبية هذه الطلبات؛ لأن كتبي يطبعها الناشرون، ولا أملك منها نسخًا للإهداء، وقد أملك من هذه النسخ قليلًا فأرسله إلى من أتوسَّم من كلامه فائدة في اطلاعه عليها.وثالثها: رسائل الثناء والتقريظ، وقد أكتُبُ الجواب عنها إلى من أعرف عنوانه.ورابعها: رسائل الشتم والتنديد، ويسرني أنني لم أجد رسالة واحدة منها لا تدل على غباء ولا تستحق الإهمال والاحتقار.

***

هذه هي الأنواع المتكررة التي تتوارد بلا انقطاع على وتيرة واحدة متشابهة.

أما الرسائل التي تختلف موضوعاتها باختلاف كُتَّابها، وفيها مع ذلك غرابة وطرافة، فليست هي بطبيعة الحال مما يقبل التلخيص أو الإحصاء؛ لأن كل رسالة منها نوع قائم بذاته، ولكننا نَذْكُرُ بعضها ونترك لكل قارئ أن يقيس عليها كما يشاء.

***

كتبت مرة مقالًا بعنوان «لو كان لي ولد!» فجاءني خطاب من سيدة كريمة الشعور، تأسَفُ فيه لحرمان العالم من ذرية للعقاد، وتعرض عليَّ وصفة مجربة في شفاء العقم، تجربها «السيدة حرمي» فتأتي بالفائدة العاجلة لا محالة.

والسيدة الكريمة مشكورة على شعورها الكريم، ولكنها على التحقيق لا تعلم أن وصفتها لن تعطيني الذرية التي تريدها لي، لسبب واحد كافٍ جد الكفاية، وهو أنني لم أتخذ زوجة على الإطلاق!

وليس الذين يجهلون هذه الحقيقة مقصورين على صواحب النية الحسنة والشعور الكريم، بل وُجد من أصحاب النية السيئة والشعور اللئيم من يجهلها كذلك؛ فكتبوا في الصحف السيارة يقولون إنني أهجر المنزل، وأدع زوجتي تتسكَّع في الحانات إلى مطلع الفجر! ومنزلي لا زوجة فيه سواء هجرته أو عكفت عليه! وقَلَّما أهجره كما يعلم أصحابي المطلعون على نظامي في الحياة.

وكنت أعرف شابًّا ألمعيَّ الذكاء، غاب عني زمنًا، ثم جاءني منه خطاب يسألني فيه أن أتوسط له عند الوفد ليرشِّحه في دائرته الانتخابية.

وفي حاشية الخطاب كلمة يقول فيها: «بيني وبينك أقول لك إنني قد فهمت الفولة … وأن هذا الخلاف بينك وبين الوفد لعبة لا «تنطلي» عليَّ … فإنما هي حيلة لإقناع الإنجليز بضغط الرأي العام.»

عجبت لصدور هذا الكلام من ذلك الشاب الألمعي! … ثم زارني على أثر ورود خطابه فرأيت من حالته أنه قد أُصِيب بمسٍّ شَفَاهُ الله، وليس الإقناع في هذه الحالة بالعلاج المعقول، فوافقته على اعتقاده أن الخلاف كله مناورة مدبرة، وسرَّه أن يسمع مني ما يدله على صدق فِراسته، فكان سروره هذا معينًا لي على نصحه والخلاص من إلحاحه، دون أن أكدره أو أَتْعَب عَبَثًا في إقناعه بوهمه، وهو في أمثال هذه الحالات يزيده إصرارًا على إصرار.

***

وجاءني مرة خطاب من الموصل في العراق «يرسمني» كاتبه رسولًا مبشرًا بدعوته في القطر المصري.

وكاتبه — على فكرة — ليس أقلَّ من إله!

وهو يرى أنه قد أكرمني باختياري لمصر رسولًا من المصريين؛ فإنه قد جرى على غير ذلك في سائر الأقطار، ولكل قطر رسول من عنده، ومن خاصة مريديه، يرسله إليه.

ثم جاءني منه خطاب آخر يستعجل الجواب، ويُنذِر بالعقاب.

ثم انقطعت أخباره عني بعد هذين الخطابين، ولعله قد أصابه ما أصاب ذلك المتنبي الذي ظهر في عهد «الأمين»، فاعتقلوه وحملوه إلى الوالي فسأله: «إلى من بعثت؟» فقال: «أيها الوالي أصلحك الله … وهل تركتموني أُبعث إلى أحد؟ … ساعة قلت أيها الناس! وجدت نفسي في القيود والأغلال.»

***

ووصل إليَّ يومًا خطاب من غير توقيع، من فتاة تروي لي قصتها في زواجها، وفحواها أنهم قد زوَّجوها على غير رغبتها من شاب لا تحبُّه، وأنها تحب رجلًا آخر يكبر زوجها سنًّا، ولكنه مع ذلك يروقها ويوافق هواها، وتقول لي إنها لا تحفل بالعرف ولا بالقوانين، ولكنها تتوجه إلى رجل مثلي لتسأله، هل يراها مستحقة للاحتقار إذا علم أنها تخون زوجها من أجل صاحبها المحبوب؟

ولم أدر كيف تكتب لي سؤالًا وليس معه عنوان أُرسل الجواب إليه، إن أردت الإجابة!

إلا أنها كلمتني في التليفون، ولخصت لي فحوى الخطاب وقالت إنها هي صاحبته، وأنها لم تكتبه لتتلقى عليه جوابًا كتابيًّا، بل أرسلته لأطلع على القصة وأفضي إليها برأيي في محادثة تليفونية … ثم قالت: «والآن ما رأيك؟ هل تحتقرني؟» قلت: «وهل إذا احتقرتك ترجعين عن هواك؟» فتلعثمت وترددت، فقلت لها: «لا تُجهِدي نفسك في البحث عن جواب؛ فإنني أريحك بجواب شامل تعلمين منه رأيي … إنني أحتقر كل إنسان لا يستطيع ولا يحاول أن يتغلب على هواه.»

***

وكتبت إليَّ سيدة من أحد الأقطار الشقيقة تطالبني بميراث؛ لأنها فهمت من اشتهار اسمي في الأقطار العربية، أنني عميد أسرة العقاد … وهي قد تزوَّجت رجلًا من هذه الأسرة … وخير لي أن أعطيها حصتها بالحسنى، أو أدلها على من يعطيها هذه الحصة.

وآخر ما وصل إليَّ من هذا القبيل خطاب تلقيته في هذه الأيام، من شاب يرى أنه مَثلٌ صالح للأزواج العصريين، ويشكو من آل الفتاة التي أَحبَّ الاقتران بها؛ لأنهم رفضوه لفقره وتفاوُتِ المقام الاجتماعي بينهم وبينه.

«وهذه الأسرة يا أستاذ تقتني كتبك، وتتحدَّث عنك، وأعتقد أنها تستمع إلى نصيحتك … فهل لك يا أستاذ أن تعطيها درسًا في معنى الزواج، وأنه ليس بتجارة، ولا بضاعة تُشترى بالمال؟»

ولو كنت أعتقد ما يعتقده صاحب الخطاب لكان لي رأي في بذل النصيحة التي يقترحها عليَّ.

ولكن الآباء — فيما أعتقد — قد يقرءون لكاتب، ويتحدثون عنه، ثم يرفضونه هو نفسه لو تقدم إليهم خاطبًا لبناتهم!

وأبغض شيء إلى نفسي أن أرجو إنسانًا فيما يحق لي أن أرجوه، ولو قدرت أنه يقبل ويستجيب، فكيف بالرجاء المرفوض؟ وكيف بالدخول فيما ليس لي بحق؟

لعله عذر مقبول!

ولعله آخر ما أذكره من غريب الرسائل التي أتلقَّاها؛ لأنه آخر ما تلقيته عند كتابة هذا المقال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.