قرأت في «البلاغ» مقالًا للأستاذ محمد علي حماد ناقده الفني، قال فيه: إن رواية «غريزة المرأة» مترجمة بتصرف عن رواية «الشاردة» لجالسورذي الروائي الإنجليزي المعروف، وهي تهمة لا تحتمل السكوت إذا كان النقد العادي يحتمله، وليس من الحق إلصاق مثل هذه التهم والتعلق في إثباتها بكلمات لا تقدم ولا تؤخر، والإغضاء عن كل ما عدا ذلك، وقد رأيت أن الوسيلة الوحيدة لدفع هذا النقد هي ترجمة رواية «الشاردة» ونشرها قبالة رواية «غريزة المرأة» وترك القراء يقارنون بين الروايتين ليتبين لهم إلى أي حد يصدق هذا الكلام، وإلى أي مدى بعيد تختلف الروايتان اختلافًا بيِّنًا في الموضوع وفي الجملة والتفاصيل والحوار؛ ونظن أن الأستاذ محمد علي حماد ناقد البلاغ الفني لا يطلب منا ولا من أي إنسان آخر أكثر من هذا، وحسبه أنه سيكون رقيبًا على الأمانة في الترجمة، وبعد ذلك نترك للقراء الحكم.

ونورد أولًا خلاصة وجيزة لكلٍّ من الروايتين:

موضوع «غريزة المرأة» مزدوج، أي أني قصدت فيه إلى مقابلة حالة بحالة أخرى، وِفاق وتآلف بحالة شقاق وتباغض، وكلتا الحالتين راجعة إلى مقدار فهم الرجل لطبيعة المرأة ومبلغ توفيقه في إرضاء غريزتها؛ ففي حالة التوفيق يوجد خيري وزوجته، وخيري كما تصفه زوجته «زير نساء» والمرأة همُّه من الدنيا وكل غرضه من الحياة، وزوجته مع عرفانها ذلك راضية عنه مغتبطة به مغتفرة له عبثه ولهْوَه؛ لأنها — على كل هذا العبث منه — واثقة من حبه وغريزتُها واجدة عنده ما تطلبه، وعلى عكس ذلك فؤاد وزوجته؛ فإن كلًّا منهما شقي بصاحبه، هي شقية به؛ لأنها كما تقول كالشجرة التي لا تجد من يسقيها أو يرويها والتي تموت منها كل يوم ورقات، ولأن كل ما تفوز به منه على وجهٍ مُرضٍ هو الملبس والمأكل، أما فيما عدا ذلك فهو غير موفَّق معها، وأقول غير موفق وأنا أعني ما أقول؛ فإن الرواية لا تصور زوجها ناقص الرجولة، بل هو على العكس لا يزال في حدود الشباب وله شعور بالجمال وإقبال عليه في حدود الاعتدال والقصد، وقد تعمدت أن أجعله في الرواية يقبل الخادمة لأظهر أن الرجولة لا تنقصه، ولكنه مع هذا غير موفَّق في إرضاء الإحساس الجنسي عند زوجته على الرغم من اجتهاده، ولعله لو كان قد تزوج أخرى غيرها لكُتب له التوفيق؛ فإن النساء يختلفن كما يختلف الرجال، وفشله هذا راجع إلى أنه لم يعرف مطالب هذا الإحساس الجنسي في امرأة معينة هي زوجته؛ فتَلِفَتْ أعصابها، ولا شك أن عدم إرضاء الإحساس الجنسي في المرأة يتلف أعصابها، هذه حقيقة لا سبيل إلى نكرانها، ولم تجد الزوجة فوق ذلك ما يعوضها أو يعزيها؛ لأنها لم تُرزق منه نسلًا، ومعلوم أن الإحساس الجنسي في المرأة يمكن أن يتحول إلى مسارب أخرى يجد فيها إرضاءً كافيًا، وأهم هذه المسارب الأمومة؛ لأن حفظ النوع الإنساني هو الغاية من إيجاد الإحساس الجنسي في المرأة، فإذا تحققت الغاية أمكن للمرأة أن تغالب ضغط أعصابها عليها فيما يتعلق بالناحية الجنسية، والمُشاهَد أن كثيرات من النساء يموت عنهن بعولتهن وهن ما زلن في شبابهن، ويخلفن أطفالًا فيُشغَلن بهم عما يتطلبه الإحساس الجنسي، ويأبين الزواج ويحفظن عفتهن؛ لأن إحساسهن الجنسي يتمركز كله في أمومتهن، ولكن الزوجة في الرواية لا تجد هذا العزاء وتصرخ بأنها لو وجدته لأمكن أن تتصبر وتحتمل، وليس في الرواية أحد يغريها بهجر زوجها أو يزين لها هذا الهجر، ولقد تعمدت أن أنص على لسان الزوجة على أن قريبها الوحيد — ابن خالتها — غير مسموح له بأن يدخل بيتها، فليس هناك أي داعٍ للتباغض من ناحية الزوجة غير ما لم تعد تطيقه من تمزق أعصابها من جراء عجز الرجل عن فهم طبيعتها، وجعْل معاشرته لها — على نحو ما يعاشر الرجل المرأة — مطابقة لما تتطلبه عاطفتها الجنسية، وقد شقي الزوج أيضًا؛ لأن تنغيص زوجته لحياته يشقيه بطبيعة الحال، ولمَّا يئست الزوجة من كل أمل تركت زوجها وقصدت إلى ابن خالتها وأقامت معه، وقد تعمدت أن أُبيِّن أنها لم تكن تعرف أنه لا يزال على حبه لها منذ صباهما؛ وذلك لأنفي مظنة الإغراء من ناحيته والرغبة فيه من ناحيتها هي، ولأحصر كل عوامل التنفير فيما بين الرجل وزوجته، وقد استصدر الزوج حكم الطاعة عليها لأنها لم يكن لها دفاع مقبول؛ فأخذت تفر من تنفيذ الحكم عليها، وأخيرًا تراه في الطريق فتفزع وتجري فتزل قدمها وتسقط مغشيًّا عليها أمام سيارة، فيحملها صاحب السيارة إجابة لرجاء الخادمة إلى مسكنه لإخفائها، ثم ينبهها ويسقيها شرابًا لينعشها فيحدث أثره ويرد إليها نفسها، فتقبل عليه طلبًا للمزيد من هذا الشعور الجديد الذي لا عهد لها به، وتذهب الخادمة لتجيء بابن خالتها، وفي أثناء ذلك يحضر زوجها وقريبه — وكانا قد رأياها محمولة على يد الفتى إلى مسكنه — فترتاع أولًا من خوف تنفيذ الحكم وإرجاعها إلى بيت زوجها البغيض إليها، وثانيًا خوفًا من الفضيحة إذا رآها زوجها في بيت رجل غريب تشرب مسكرًا؛ فتنتحر، ويدخل الزوج فيظنها سكرى فيشدها بعنف فترتمي على الأرض وتظهر الحقيقة، أي أنها ميتة! فالحكاية كلها دائرة على الغريزة ومطالبها، والأسرتان في الرواية ليقارن القارئ بين التوفيق في حالة والخيبة في حالة، حتى الخادمة إنما أدخلتها في الرواية لتخدم غرضًا معينًا، والحاجة جئت بها لتصوير معيشة ابن خالة الزوجة الفارة من بيت زوجها حين كانت تنعم بالغنى، وفيما عدا ذلك لا شيء آخر على الإطلاق لأن كل شيء دائر حول هذا المركز.

أما رواية جالسورذي فشيء آخر مختلف جدًّا، صحيح أنها أيضًا حكاية زوجة نافرة، ولكن هذا ليس بشيء، والروايات التي تدور على النفور بين الزوجين لا آخِر لعددها، وقد نبهت على ذلك في مقدمة الرواية؛ وقصة جالسورذي أن الزوجة نافرة لأنها لم تعد تحب زوجها، وقد أغراها صديق لها من الأدباء الكتَّاب بأن تنشر جناحيها وتتحرر وشجعها على ذلك، وزوجها يعلم هذا ويسخط على ذلك الصديق ويكرهه ويعرف مبلغ تأثيره فيها، والزوجة في الرواية هي المسيئة، حتى إنها لتعتذر لزوجها بعد حادثة بأنها لا بد من أن تكسر القيود أحيانًا، ولما صممت على ترك زوجها ذهبت واستشارت أباها ففهم، ولكنه لم يقتنع وخاف العاقبة؛ لأنه فقير — قسيس — وأولاده سبعة سواها، وإحداهن مخطوبة ففرارها قد يسيء إليها، ولكنها تفر وتذهب إلى صديقها الذي أغراها لتستشيره في عمل تزاوله؛ فيشجعها ويثني عليها، ويجيء زوجها ووالداه والمحامي، فتعلن إليهم أنهم أخطَئُوا في بث الجواسيس عليها، وأنها بعد ذلك لا يمكن أن تفكر في الرجوع؛ فيطلب الزوج تطليقها ويطالب صديقَها بتعويض، أما هي فتشتغل في محل ثم تتركه وتعود إلى صديقها وتعاشره كعشيقة، ثم يتضح لها أنه مُعرَّض للحكم عليه بتعويض لا يَقدِر عليه، ولخسارة وظيفته الصحفية إذا جاء ذكره في المحكمة، وتعرف أن زوجها مستعد أن يتنازل عن طلب التعويض إذا تركت عشيقها؛ فتسدد لعشيقها ديونه بما بقي معها، ثم تنزل إلى الشارع كامرأة تطلب العيش ببذل عرضها، وأخيرًا تفلس ولا يبقى معها مليم، فتدخل حانة ويصادفها رجل فيجالسها ويشاربها على أن يستمتع بها في ليلته، ثم يتركها هنيهة ليقضي حاجة، فيتعرض لها رجلان بوقاحة لا تحتملها امرأة حديثة العهد بهذه الحياة وإهانة لا تطاق؛ فتتجرع سمًّا وتموت في الحانة، وتنتهي المأساة.

هذه خلاصة دقيقة لكلٍّ من الروايتين، ولا وجه للشبه بينهما كما يرى القارئ، حتى سبب النفور مختلف، ففي روايتي سببه عجز الزوج عن إرضاء مطالب الغريزة الجنسية، وفي الرواية الإنجليزية سببه أن الزوجة لم تعد تطيق أن تعطي زوجها ما يطلب منها كامرأة؛ لأنها لا تحبه، بل تحب سواه، أي الذي أغراها وشجعها بسبب حبه لها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.