كانت نفوسنا تطمع فيه وقلوبنا تطمح إليه وضمائرنا تؤمن به، وربما جرت به ألسنتنا بين حين وحين، حين نخلو إلى الصديق الأمين، وكنا قد سمعنا اللَّه عز وجل يقول: ().

وكنا نعلم أن قول الله حق وأن وعده حق، ولكنا كنا نرقب ما ستعمل الحكومة وما ستقول، وكنا نستبطئ نشاطها إلى العمل وإطلاق لسانها بالقول حتى كان أول العام الجديد، فرأيناها تعمل وتقول ورضينا عما عملت وما قالت. وما أكثر ما كرهنا أشد الكره عدوان البريطانيين والفرنسيين على مصر، وضاقت به نفوسنا وقلوبنا، ولكن اليأس لم يجد إلينا سبيلًا، فثبتنا للخطب، وانتصرنا على المحنة، وانتظرنا أن يجد المعتدون عقابهم على هذا الاعتداء، وأن يلقوه منا نحن بعد أن لقوه من الظروف والأحداث.

وقد لقي البريطانيون بعض العقاب بهذا القرار الذي أصدره رئيس الجمهورية أول العام، وجعله أقوَم هدية يستقبل بها المصريون هذه الدورة الجديدة من دورات الزمان. وأقول إنه بعض العقاب، وإن كان أمضَّه وأقساه وأبلغه في نفوس البريطانيين أثرًا؛ لأني ما زلت أرجو أن يقدِّر العالم المتحضر هذا العدوان وما نشأ عنه من نقض العهود وإهدار العقود، ومن سفك الدماء وإزهاق النفوس وتدمير المرافق وصب الهول على الوادعين الآمنين.

ما زلت أرجو أن يقدِّر العالم المتحضر هذا كله ويعاقب عليه الذين اقترفوه، وأنا مع ذلك لا أتحدث الآن عن هذا العدوان البغيض وآثاره المنكرة، وإنما أتحدث عن هذا القرار الذي أصدرته مصر بإلغاء الاتفاق الذي كان قائمًا بيننا وبين البريطانيين، والذي نقضه البريطانيون أنفسهم يوم أرادوا مصر بالمكر والكيد، فحاق بهم مكرهم ورُد عليهم كيدهم. وصدق اللَّه وما زال صادقًا حين أنبأنا بأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.

وكأن أهوال العدوان وعناية الحكومة والشعب بإصلاح آثاره، وهذه الأحداث الكثيرة التي تحدث في أقطار الأرض والتي تُتوقع في الزمن القريب أو الزمن البعيد، والأنباء الكثيرة المتباينة التي نسمعها ونقرأها مصبحين وممسين؛ كأن هذا كله لم يتح للمصريين أن يفرغوا لإلغاء الاتفاق المصري البريطاني ليتدبروا خطره العظيم، ولو قد فرغوا له وقدروا خطره لفرحوا به وابتهجوا له أكثر مما فعلوا.

فهم يستقبلون عامهم الجديد هذا وقد رُدَّ عليهم استقلالهم كاملًا صافي الجوهر نقي الصفحة لا غبار عليه، مسلمًا لا شية فيه. وهو يُرد إليهم على هذا النحو لأول مرة في تاريخهم الحديث منذ اعتدى عليهم الترك العثمانيون في أوائل القرن السادس عشر. وهو يرد عليهم في ظروف كريمة حقًّا، فهم لا يتلقونه منحة من أحد، وإنما يكسبونه بأيديهم، وأموره لا تُدبر بعقول أجنبية كما كانت تُدبر أيام المماليك أو أيام غيرهم من الدول المستقلة التي اتخذت القاهرة عاصمة لها، وإنما تدبر أموره عقول مصرية خالصة، ويقوم عليه سلطان مصري خالص جاء من صميم مصر ولم يأتِ من وراء البحر ولا من وراء الصحراء.

وقد كنا مستقلين قبل العدوان لا شك في ذلك، ولكن استقلالنا لم يكن يخلو من شائبة؛ فهذا الاتفاق الذي كان بيننا وبين البريطانيين كان يثير الشك في بعض النفوس، ويغري الحيرة ببعض العقول، ويعرِّض سلامة الوطن المصري لبعض الخطر إذا اضطرت بريطانيا إلى الاشتراك في الحرب للدفاع عن بعض الدول الشرقية والتي لا يعنيها أمرنا من قريب ولا من بعيد، والتي لا تكره أن تمكر بنا وتكيد لنا وتعين علينا.

كان يكفي مثلًا أن يتعرض الترك لبعض ما يكرهون، وأن يخف حلفاؤها البريطانيون لنصرها؛ فتتعرض للاحتلال البريطاني القصير أو الطويل من جديد. فقد حطَّ عنا هذا العبء، وأُلقي عنا هذا الإصر، وأصبحنا أحرارًا حرية كاملة نقية كما كانت نفوسنا تتمنى دائمًا.

وأصبحت مشكلات البريطانيين والترك لا تعنينا إلا كما يعنينا غيرها من المشكلات التي تُثار في العالم القريب والبعيد، نُسالم من نُسالم أحرارًا، ونخاصم من نخاصم أحرارًا، ونؤثر الحيدة أحرارًا لا معقب على إرادتنا في بلادنا ولا خوف على استقلالنا في أرضنا إلا بمقدار ما يفرضه التضامن الإنساني بين الدول الحرة المستقلة. وكنا ننكر الأحلاف مع شرق أوروبا أو غربها ومع إحدى الكتلتين المختصمتين؛ نرى هذه الأحلاف وسيلة إلى التدخل في شئوننا وبقية من بقايا الاستعمار الأجنبي. وكان بعض المتورطين في هذه الأحلاف يخادعون أنفسهم ويخادعون بعض الناس، ويقولون لأنفسهم ولهؤلاء الناس: إن مصر تعارض الأحلاف، وهي مرتبطة بالاتفاق مع البريطانيين، متورطة في شيء إن لم يكن حلفًا فهو يشبه الحلف شبهًا قويًّا أو ضعيفًا.

فقد محونا من نفوسهم ومن نفوس عملائهم هذا الوهم، وقطعنا عليهم هذه الحجة، وأزلنا عنهم هذه الشبهة، وأصبحنا أحرارًا بأوسع ما تحتمل كلمة الحرية من المعاني في هذا العصر الحديث، وأصبحنا نستطيع أن ننكر الأحلاف ونعارضها دون أن نتيح لقائل مقالًا. وكان بعض المخادعين يخيلون إلى نفوسهم وإلى بعض الناس أن الفنيين البريطانيين الذين كانوا يقومون على شئون القاعدة العسكرية في القناة، ما زالوا ظلًّا للاحتلال البريطاني البغيض وأنهم كانوا عسكريين يتخذون ثياب المدنيين.

فقد زال هذا الظل، ومضى أولئك الفنيون مع المعتدين، وذهبت القاعدة العسكرية، وأصبحت شمس مصر تشرق على القناة وما حولها، فلا تغمر إلا أرضًا مصرية قد طَهُرت من الاحتلال ومن ظلال الاحتلال. وعادت مصر كلها حرة مبرأة الحرية من كل شائبة، كعهدها أيام الفراعنة القدماء لأول مرة منذ انقضى عهد الفراعنة القدماء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.