العين أداة عجيبة، لا أعرف لقدرتها على التعبير حدًّا، وقد تكون لبعض الحيوان قدرة على التعبير بالعين، عن بعض ما يحسه من غضب أو خوف، أو حنو — في الإناث — أو لهفة على الطعام، أو مسكنة واستخذاء، أو تضرع، وهذا أمر يستطيع المرء أن يلاحظه إذا هو اتخذ كلبًا أو قطًّا وعني بمراقبته، ولكنها قدرة محدودة جدًّا؛ لأنه ليس وراء العين عقل يتفكر، ويتدبر، ويتلقى، ويولد، ويتأثر بالعاطفة أو الإحساسات ويؤثر فيها بحيث يخرج من الشعور أو العاطفة فكرة، أو يحور فكرة إلى شعور ينشئه ويشيعه في النفس، وهذه مزية الإنسان الذي ارتقى عن مرتبة الحيوان ارتقاءً عظيمًا، واستطاع على الأدهار أن يسيطر على غرائزه الساذجة بعض السيطرة، وأن يوجهها ويجريها في مجارٍ شتى، على خلاف الحيوان الذي يخضع لسلطان الغرائز ولا يملك لها خلافًا.

ومن هنا كانت عين الإنسان — بفضل ما وراءها من العقل المدرِك، والنفس المحِسة، والأعصاب المعقدة المرهفة — قادرة على التعبير قدرة لا قِبَل لعين حيوان آخر بها، فما زال الإنسان حيوانًا أصيلًا، وإن كان قد ارتقى أو تطور، ومن هنا أيضًا جاز أن يقول القائل إن العين نصف الجمال، وهو يعني — كما لا أحتاج أن أقول — العين الجميلة، أو الموحية بالمعاني الجميلة، لا أي عين ولو كانت بليدة أو مسيحة، أو ناطقة بمعاني القسوة أو الفظاظة والغلاظة أو ثقل الدم.

***

ولم نسمع قطُّ — ولا أحسب أننا سنسمع — أن للأنوف مثلًا أو الآذان سحرًا، ولكنا سمعنا — وسنظل نسمع — أن للعيون سحرًا، وقد تختلج قليلًا شحمة الأذن أو غضروفها — والحمار يرفع أذنيه حين يهم بالنهيق — أو مارِنُ الأنف، فيدل ذلك على شيء ما، أو يضطرب إطار الشفة، أو تنطبق الشفة على الأخرى، أو تنفرجان، فنستخلص من ذلك المعاني التي ألفنا أن نسخلصها في مناسباتها، ولكن هذه كلها حركات عضلية إذا شئت، ولكن كل تعبير في الوجه، تراه في العين أولًا وعلى أوضح صورة؛ لأنها أوثق اتصالًا بالمراكز الرئيسية، ولأنها جهاز يتلقى ويرسل، ولا يقتصر على أحد العملين كالأذن أو الأنف مثلًا، فهذا يشم، وتلك تسمع، وهذا كل عملهما، أما العين فتنقل صور المرئيات إلى الداخل، وتعبِّر عما في هذا الداخل — أيْ تنقل إلى الخارج — من معانٍ وخوالج شتى … فعملها مزدوج.

وقد تحب أن تقبِّل الفم أي الشفتين، بل أن تعض الأذن أو مارن الأنف أو أرنبته مداعبًا، ولكنك لا تشتهي أن تفعل ذلك أو تشعر بما يغريك به لأن هذه الأعضاء دعتك إليها وخايلتك وأغرتك — مهما بلغ من جمالها — بل لأن العين هي التي أهابت بك إلى هذا فاستجبت لها، ولو كانت العين تصلح للتقبيل لكانت أولى به من الشفتين، ولكن الحب أو الاشتهاء الجنسي ضرب من الجوع، فمن الملائم أن يكون الفم موضع التقبيل؛ لأنه هو الباب إلى المعدة، وهذا كلام يثقل ولا يخف على نفوس الشعراء ومن إليهم ممن يؤثرون الخيال، ولكن ما حيلتي وهذه هي الحقيقة؟

والعين جارحة قوية جدًّا تحتمل قدرًا عظيمًا من الضوء، ولست طبيبًا، ولكني رجل ينظر بعينه، ويفكر بعقله، وأنا أرى عين الحيوان لا تعجز عن احتمال الضوء والوهج الساطع، بالغًا ما بلغ ذلك من الشدة، وقد يطرف ليغسل الحدقة، أو يرخي جفونه ليريح أعصاب العين قليلًا، ولكنه لا يتخذ نظارات ملوَّنة كما يفعل الإنسان، لأن الطبيعة حبت العين بالقدرة على الاحتمال وعلى التكيُّف، وزودتها بوسائل الراحة من شدة وطأة الضوء، والتنظيف من التراب — بأن يطرف ويدمع مثلًا — ولهذا لا ينقضي عجبي للإنسان الذي يجهل قدر هذه الجارحة ويسيء الظن بقدرتها على المقاومة وعلى التكيف، فيتخذ هذه النظارات الملوَّنة القبيحة التي تحجب هذه الأداة الجميلة الجليلة، التي ليس أشف منها عما في النفس، ولا أقدر على التعبير والإبانة، وما هو الجمال إذا لم يكن تعبيرًا؟ فإذا احتجبت العين، فكيف يتسنى التعبير الوافي عن معاني الجمال، وغيره أيضًا؟

***

وأنا أعتقد اعتقادًا عميقًا أن العين هي الأداة التي ستغنينا آخر الأمر — نحن بني الإنسان — عن اللغة التي نتخذها أداة لنقل المعاني والخوالج من نفس إلى نفس، أيْ للتفاهم والإبانة عما في الرأس أو النفس، وليس لنا إلي الآن أداة أصلح من اللغات لهذا الغرض، ولكنا نرى المرء يرمي على صاحبه أو امرأته أو خادمه نظرة، فيفهم هذا — أو هذه — عنه مراده، ويدرك بغير كلام أنه يقول له «انصرف» أو «هات قهوة» أو «اشترك في الحديث» أو «أدركني وأَعِنِّي على الخروج من ورطتي» أو غير ذلك. وقد تصحب النظرة غمزة بالجفون، ولكن المهم هو النظرة لأنها هي التي فيها المعنى، وليست غمزة الجفن إلا كالإشارات باليد أو اليدين عند الكلام.

فماذا يمنع أن يتسع معجم هذه اللغة «العينية» حتى تشمل كل المعاني التي نتناولها الآن بالألفاظ؟ أما أنا فلست أرى مانعًا، وكل ما هنالك أن الأمر سيستغرق لا محالة زمنًا مديدًا حتى يبلغ هذا التطور مداه، وحينئذٍ تصبح لنا نحن بني الإنسان لغة جديدة صامتة أوفى من كل لغة عرفها البشر واستعانوا بها على التعبير؛ لأنها ستكون لغة الموجات المرسلة من الذهن إلى الذهن مباشرة، ولأنها ستصدع قيود اللفظ، وتجاوز نطاقه المحدود، ولا يحتاج المرء فيها إلى تحصيل ودروس، وقراءة وكتابة، بل يكفي أن يشعر بالشيء أو يدور في نفسه الخاطر أو المعنى، فيرسله موجات تتلقاها النفوس أو العقول، وتترجمها كما يترجم جهاز الرادار ما يرتد إليه من الموجات التي أطلقها، وكما تترجم أجهزة الراديو الموجات إلى أصوات.

وسيحتاج الإنسان بلا شك إلى التدرب على ضبط أجهزة الإرسال في نفسه، والتحكم فيها والسيطرة عليها؛ لأن الحياة في جماعة لا يمكن أن تسلس بغير قدر من المصانعة والنفاق، ولو أرسل الإنسان نفسه على السجية بلا كابح لصارت الأمور إلى الفوضى.

***

وهذا هو السحر الحقيقي للعين، أو هذا هو الذي سيكمل به سحرها، وما أظن إلا أن القارئ كان يتوقع مني أن أقول في سحر العيون كلامًا غير هذا، ولكني امرؤ شببت عن الطوق جدًّا، واستفدت من الحياة والتجارب — حلوها ومرها — قدرًا كافيًا من الحصانة والمناعة، فالعين النجلاء أو الحوراء — ولا أدري ماذا أيضًا — لا تضربني بسحرها كما تضرب الشبَّان، وإن كانت المناعة المكتسبة لا تمنع الإعجاب، بل الافتتان، ولكنه افتتان لا يبلغ من أمره أن ينزع من يدي الزمام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.