تحلو العودة إلى ذكريات الماضي كلما أحدقت بالمرء متاعب الحاضر؛ لذلك نسترده من غياهب الزمن مغلفًا بالحنين والسعادة، متناسين معاناته ومتاعبه … ما أكثر الذين يتحدثون عن الماضي بهذه الرومانسية بكل صدق وإخلاص، ولكن دون أن يفطنوا إلى خداع الزمن … يحدثونك عن الأسعار الخيالية في رخصها، والمرتبات الصغيرة التي وفت باحتياجات أسر كبيرة … يحدثونك عن القاهرة النظيفة الناعمة الجميلة الهادئة النقية وحراسها الساهرين نهارًا وليلًا من رجال الأمن، يحدثونك عن روابط الأسرة المتينة، وتقاليدها الراسخة وآدابها العتيدة، والمدرسة المتكاملة ومدرسيها الوقورين وتلاميذها المؤدبين المجتهدين، يحدثونك عن حرية الفكر وازدهار الأدب، وانطلاق الصحافة وتعدد الأحزاب وحماس العمال، وما أحلاها عيشة الفلاح!

إنهم صادقون ولا شك، ويمكن أن نضيف إلى أمثالهم الكثير، ولكنهم ينسون حيال تجهم الحاضر وشدته أنَّ مجتمع الماضي كان مجتمع القلة المنعمة والكثرة المحرومة الكادحة، وأنه كان مجتمعًا متأخرًا إذا قيس بعمره الحضاري، يستبد به ملك ويحتله جيش أجنبي ويعبث به طغاة لحساب الملك تارة، ولجيش الاحتلال أخرى، ويحكم فيه من لا يستحق الحكم شرعًا، تنميته محدودة، وآماله متواضعة، ومشكلاته بالتالي صغيرة مُنزوية.

وبرغم متاعبنا الراهنة التي لا تُحصى ومعاناتنا التي أشفقت علينا منها الشياطين، برغم الفساد والديون ومشكلة السكان والغلاء، فمصر اليوم تخوض فترة انتقال وتكابد آلام المخاض، وتتطلع إلى الآمال الكبار، ما أكثر مدارسها! ما أكثر طلابها! ما أكثر جامعاتها ومؤسساتها الثقافية والعلمية ومصانعها وشركاتها! ما أجمل تعاملها مع الدول وغزوها للصحراء، وانفعالها بشتى تيارات الفكر يمينًا ويسارًا! ولعمري، إن عذاب الجهاد لخير من نعيم البلادة، فإلى الأمام دائمًا وأبدًا … نتلقى الآلام والمعاناة من خلال بركات الحياة والتقدم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.