ندور بدولاب الزمن فيدور معنا في طواعية ولين إلى أوائل القرن العشرين، حيث نكتب هذه اليوميات تحت تاريخين يفصل بينهما نصف قرن من الزمن العجول، وقلما ينفصلان.

نكتبها في أسوان.

وكلما نزلنا بأسوان برزت أمامنا للزمن صفحتان أو خريطتان؛ إحداهما: صفحة الماضي، وهي قريبة واضحة كأنها هي الجديدة في رسومها وصبغة ألوانها، والأخرى: صفحة الحاضر، وهي بعيدة حائلة كأنها هي العتيقة التي تتراجع فيها الرسوم والأصباغ. وكل بقعة نعبرها يتجمع لنا عندها من ذكرياتها وخواطرها أضعاف ما تعطيه من أخبار حاضرها، كأنها فعل له ماضٍ وليس له مضارع ولا أمر في صنع الأزمنة الثلاثة.

يوم الجمعة

أن تعرف «أن واحد زائد واحد» والستة منقوطة!

والمكان: صحن الدار تحت ظلال المئذنة التي تطل عليه من المسجد القريب، والمؤذن يصعد الدرج وينشد «الأولى» بصوته الرنان الجميل الذي يجوب الآفاق حوله إلى أمد بعيد. ونحن نراه بأعيننا يدور ويدور ثم يخص الناحية الشرقية بوقفة أطول من وقفاته إلى سائر الجهات.

وتلك دعوة إلى أذان «الثانية» أو إلى النشيد الثاني من أناشيد يوم الجمعة قبل التكبير.

ونشيد الثانية من حصتنا في ذلك اليوم.

وهذا النشيد الثاني من أناشيد الأذان يوم الجمعة، هو أحد الموضوعين اللذين ننظم فيهما الشعر أول ما نظمناه في العاشرة من العمر، وقبل ذلك وبعده بقليل!

أما الموضوع الآخر فهو نداء الحرب والجلاد، على سنة الأقران والأنداد، من أبي ليلى المهلهل إلى عنترة بن شداد.

وكنا في المدرسة ثلاثة جيوش: جيش مصر، وجيش الدراويش، وجيش الاحتلال يتولى قيادته من يوطِّن نفسه على الهزيمة الدائمة ويكون من قسمته — على حسب الدور — أن يمثل كبش الفداء.

وكان من واجب القائد أن يتقدم الصف ويبدأ المعركة بمبارزة شعرية يتغنى فيها ببطولته، ويتوعد فيها العدو المغرور بالويل والثبور وعظائم الأمور.

وتستعار هذه الأبيات عامة من غزوات عنترة، وسيف بن ذي يزن، وبني هلال، ولا تتوافق فيها الأسماء والأفعال وإنما على مقتضى الحال.

وأعالج نظمها والتوفيق بين أسمائها وأفعالها، فليس مقدرًا أن أطمع في نظم غيرها لغير ميدان القتال.

وهكذا كنت أنظم للحرب وللأذان، فهل تغيرت الحال حين تغير الموقع والأوان؟

لا أظن …

وصدق من قال: إن الطفل أبو الرجل. فخلاصة ما نكتبه بعد خمسين سنة في الطبيعة وفيما بعد الطبيعة، موضوعان أو موضوع واحد في كلمة واحدة: جهاد.

يوم السبت

واليوم تبدأ مشكلة الأسبوع، كل أسبوع.

وهي مشكلة يحلها في هذا الزمن موقد «بريموس» الذي يهيئ طعام الإفطار في دقائق معدودات.

ولكنها لم تكن تنحل يومئذٍ قبل ساعات، تنقضي في إشعال الحطب أو الفحم وتشغيل المنافيخ والأفواه.

ودون ذلك وينفد صبر التلميذ الغيور على ميعاد الجرس، فيفلت من الباب ويتحدى العقاب، ويذهب إلى المدرسة بغير إفطار غير ورق الكتاب.

وتأتي صانعة الزلابية في بيتها القريب فتحل المشكلة؛ لأنها تنهض من أذان الفجر وتوقد نيرانها لإفطار المئات من سكان المدينة الغرباء، وحسب التلميذ الغيور على ميعاد الجرس ثماني لقم من الزلابية بمليمين؛ كل «طورة» بمليم.

ويلتقمها على عجل ويدرك العم «وردي» على باب المدرسة قبل أن يدق جرس «الجمباز» … ودع عنك جرس الدخول.

– بدري يا عباس!

– لا بأس يا عم «وردي».

ويعيش عم وردي هذا فراشًا للمدرسة بعينها، حتى يرى تلاميذ السنة الأولى فيها يعودون إليه نظارًا للمدرسة الثانوية، وحتى يرى من تلاميذها من يعودون إلى المدينة رؤساء وزارات ووزراء معارف ووزراء على الإجمال، ومنهم: علي ماهر وأحمد ماهر وصالح حرب … وآخرون.

ويدخلون المدرسة فيجدونه على بابها حيث كان، ويناديهم بأسمائهم كما كان يناديهم وهم في البنطلون القصير.

وقد عدت إلى المدرسة بعد فراقها أربعين سنة، فما وقع نظري عليه حتى ثبتت قدماي في موضعهما، وخيل إلي أن شريط الزمن قد أفلت من البكرة ومضى يدور أربعين سنة إلى الوراء.

وكان صوته غريبًا بما غاب من ذكراه وما حضر من معناه …

استغرب الرجل أن يلمح الشيب في مفرق التلميذ الصغير، كأنه يحسبه باقيًا على الزمن كما رآه!

صوت غريب يوقظ السامع من حلم غريب.

يوم الأحد

واليوم يوم الرياضة، ولك أن تقول: «يوم رياضة الرياضات»؛ لأن الأسبوع كله رياضة عند السائحين المقبلين إلى أسوان من أقطار العالم، ويومهم هذا هو الموعد المختار لرياضة الرياضات.

ونحن على شارع النيل

وعلينا أن نذكر جيدًا شارع النيل؛ لأن النهر الخالد أكبر علامة على مكان المدينة من القطر، ومكان القطر من القارة الأفريقية، وأمامك في كل مكان مائة قبعة في جانب كل عمامة وطربوش.

أشكال وألوان، وفرسان وحسان، ونماذج من أمم الغرب ولهجات من كل لسان.

وتأتي ساعة السباق أفانين في كل أسبوع؛ لأنه يوكَل إلى «خبراء» متطوعين من أعيان السائحين. يختار كل منهم «فنًّا» من المباراة يمتاز به على سابقيه، وعلى لاحقيه.

سباق في أكل البصل، وسباق في مص القصب، وسباق في العدو بين الأشواك، وسباق في السباحة على الظهر. وسباق على الحمير إلى خلف السائق، وسباق بين الخيل والإبل مشتركات في حلبة واحدة، وهو أبرع وأمتع ما يكون من ألوان السباق.

الجمل الوئيد الصبور يسابق الجواد الأصيل ويسبقه مرة بعد مرة في جولة بعد جولة!

إنك لا تصدق هذا حتى تراه بعينيك.

وأعجب من هذا أن يقف السائق على ظهر الجمل ولا يتناول زمامه إلا بإحدى يديه!

ولقد أخذ العجب غاية مأخذه من فرسان الأوروبيين الذين شهدوا هذا السباق، فكتبوا يمثلونه ويصفونه، ونقلوا الروايات عن أبطاله من قبائل البجاة، ولم ينسوا منها رواية تغريهم بتصديق الخرافات … فإن هؤلاء البجاة من نسل الجان الذين يسمون بين قبائل الجن «بني الهفهاف».

ليس الجمل عريقًا بين قبائل البجاة بالقياس إلى تواريخ الدواب في الصحاري المصرية؛ لأنهم لم يستخدموه قبل عهد الرومان، ولكنهم عرفوه وجربوه فما زالوا يروضونه ويدربونه ويستجلبونه ويستخلصون من ذريته حتى خلصت لهم هذه الفصيلة التي تسبق الخيل، وتصبر حيث لا تصبر على السير الحثيث والسفر الطويل.

وما أكثر ما يتعلمه الحيوان لو شاء الإنسان أن يعمله!

وما أكثر ما يتعلمه الإنسان لو شاء أن يعلم نفسه!

ولكنه قلما يشاء.

يوم الإثنين

يوم بغير لون خاص بين أيام الأسبوع، يحصل فيه ما يحصل في يوم الثلاثاء أو يحصل في يوم الأربعاء.

إلا أنه ربما كان هو اليوم المفضل الذي يختاره كبار القوم من السائحين لزيارة المدرسة واختبار التعليم الحديث في هذه البلدة الأفريقية …

وأكرم ما يكونون أتعب ما يكونون. فقد كانوا يشكرون المدرسة فيدعون ناظرها ومن ينتخبهم من تلاميذها إلى «مأدبة شاي» في الفندق الكبير، وهنا الربكة أو «اللخمة» حين يُجلسون كل صبي منا إلى جوار بنت أو فتاة ولا ندري كيف نبدأ معهن الحديث.

على أنني أذكر حديثًا من تلك الأحاديث لا أخاله يصدر من غير فتاة …

قالت الصبية وهي تلتفت إلى بقايا الآثار في الجزيرة: إن أجدادكم الفراعنة كانوا ينظرون بعيدًا إلى المستقبل … كانوا يحبونكم جدًّا ولا ريب!

قلت: كيف؟

قالت: لأنهم يتجشمون كل هذه المشقة في بناء الآثار لتبقى بينكم فرجة ونزهة.

وأعجبني الخاطر وحفظته زمنًا أطول من عصر الصبية اللعوب، ثم بدا لي أن براعة الحديث أكثر من حقيقته، فما إخال الأجداد — كما قالت — شغلوا بالمستقبل أو بأبنائه، ولكنهم على عادتهم قد شغلوا بالماضي فأحبوه وأحبوا أن يصبحوا هم أنفسهم ماضيًا لكل حاضر بعدهم.

يوم الخميس

كانوا حديثًا حسنًا بعدهم

فكن حديثًا حسنًا لمن أتى

نصف يوم أو ثلاث حصص، وبقية الحصص إلى الساعة الواحدة مناظرات ومطارحات يُدعى إليها كل وافد على المدينة ذي شهرة في علم أو فن أو خبرة رياضية، ما لم يكن مغضوبًا عليه من ذوي السلطان (وحدث في سنة متأخرة أن مصطفى كامل والأمير حيدر وصلا إلى باب المدرسة فأبلغهما الفراش أن الناظر غير موجود).

وكان أكثر الزائرين يتكلمون بلغاتهم الأوروبية ولا نفهم من ترجمتهم إلا اليسير.

وكان بعضهم من أبناء العربية ولكنه يخوض في أمور لا نفهم منها إلا بمقدار ما نفهم من اللغات الأجنبية.

أحد هؤلاء «عثمان الموصلي» الذي كان يلقب بخليفة الموصليين إبراهيم وإسحاق، وكان مرضيًّا عنه في الدوائر العليا وهو الذي حول قصيدة الهجاء «في الخديو عباس» إلى هجاء لناظمها السيد توفيق البكري، فقال في تشطيرها:

قدوم ولكن لا أقول سعيد

(على فاجر هجوَ الملوك يريد)

(لئام لهم بيت من اللؤم عامر)

وملك وإن طال المدى سيبيد

وسمعنا أن أستاذ الموسيقى الأشهر سيحاضرنا في هذا الفن الجميل، فأعددنا أسماعنا وتخيلنا المعازف وآلات الطرب وفرقة الغناء من ملائكة السماء.

ويحضر الرجل فريدًا بغير سند، ويوقع لنا أبياتًا من الشعر بصوت خشن غليظ أضحك السامعين من التلاميذ، وإن كتموا الضحك عن النابغة الضرير.

ويعلم الله أن هذه المحاضرات تفيد وإن ضحك منها السامعون، فمنذ سمعنا ذلك الصوت الخشن الغليظ علمنا أن الموسيقى شيء غير نقر الدفوف وحلاوة الترطيب والتطريب …

وينقضي الأسبوع دواليك … ونحمد الله على نشأة تعرض أمامنا أطراف الزمن من أوائل الحضارة الفرعونية إلى حضارة الغرب الحديث، ونزور المتحف الأثري فلا نرى فيه إلا القليل مما لا نراه في البيوت.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.