قرأنا في «الجريدة» كلمة آبدة من حر الكلام وعقائل الشعر، شكا فيها صاحبها الخمول، على أن له في النظم المزية الظاهرة والغرة الواضحة، وعلى أنه لو قيس إليه غيره من ذوي الشهرة والنباهة لبان شأوه عليهم، وظهر فوته لهم، وقرأنا قبل ذلك كلمات في «الجريدة» وفي غيرها لجماعة من مغموري الشعراء والكُتَّاب آلمهم أن لا يلتفت الناس إليهم ويهتموا بهم، ونحن وإن كنا لا نرى الشهرة دليلًا على الفضل، ولا الخمول عنوانًا على العجز، إلا أنا — مع هذا — لا نظنها تقع للمرء صدفة، ولا نحسبها مبذولة المنال لكل من يمد إليها يدًا أو يبسط لها كفًّا؛ فإن أمرها أعضل من ذلك وأصعب، ولو كانت ميسورة لكل طالب ما شكا أحد ازورارها عنه ونفورها منه، ولسنا نذهب كذلك إلى رأي شاعرنا حيث يقول:

فإنه لم يصب وجه الرأي، ولم يحل عقدة الإشكال، بل نحسب أن السبب ما أشار إليه جوته الشاعر الألماني في قوله: «رأيت الأصوات في هذا العالم قليلة والأصداء المتجاوبة كثيرة.» ومن ذا الذي يجعل إلى الصدى باله وهو لا يكاد يمر بالسمع حتى يغيب عنه؟!

وبعد، فإن الناظر في شعر هذا العصر يجد كلامًا منسجمًا، وأسلوبًا رائقًا، ولفظًا شائقًا، ووشيًا حسنًا، وديباجة مليحة، وجودة في الحبك، وصحة في السبك، ودقة في السلك، ولطفًا في التخيل، وهذا كله شيء حسن جميل ما لحسنه نهاية؛ فإذا أراد شخصيةَ الشاعر أخطأها ولم يجدها، أو روحَ العصر لم يكد يُحسها؛ وذلك لأن شعراءنا وإن كانوا لا يزالون يأتون في شعرهم بالبيت النادر، والمثل السائر، والقلادة المروية، والفريدة العبقرية، غير أنهم لا يجلون المعاني الحديثة في كلامهم، ولا يزفون أبكار الأغراض فيما يحوكون من الأشعار، بل لا تزال لهم الْتِفاتة إلى الشعر القديم يسرقون منه ويُغِيرون عليه أو ينحون نحوه ويقتاسون به، وحسبك أن تنظر في دواوينهم ليثبت عندك كلامنا وتتحقق صدق قولنا، وكيف يكون شعرنا مرآة لعصرنا إذا كنا نتمثل فيه خواطر من سبقنا، بدل أن نصور فيه حياتنا الأدبية والاجتماعية، وليت شعري لو كان المتنبي حيًّا مقيمًا بين أظهُرنا اليوم، أكان في ظنك يعارض البردة؟ أم كان يذهب امرؤ القيس في الشعر مذهبه المعروف لو كان متقلبًا بيننا؟ ذلك ما لا نظنه ولا نتخيله؛ لأن للرجل العظيم شخصية هو أضن من أن يفنيها في الجري على أسلوب غيره، وأكبر من أن يقتلها بالضرب على قالب سواه، وما زال العظيم في كل أمة وزمان من يفترع الطريقة البكر ويبتدع المذهب لم يُسبق إليه، وشأن العظيم أن يفتح لك الباب لتلجه ويمهد لك السبيل لتنهجه؛ ذلك كان شأن هوميروس، وفرجيل، ودانتي، وشكسبير، وجوته، ومسلم وغيرهم ممن دارت حولهم رحى العصور الشعرية، وإذا أضفت إلى أن شعراء هذا العصر مقلدون لا فضل لهم فيما يكتبون، ولا أثر لهم فيما يصوغون — أن كثيرًا منهم قد عمت عليه معرفة نفسه، وخفي عليه حقيقة استعداده، علمت السبب في تخلفهم وتقصيرهم عن رتبة المجيدين، والعلة في رغبة جمهور الناس عنهم وزهادتهم فيهم، وأنت خبير أن لكل عمل آلاتٍ لا بد من اجتماعها، وأسبابًا لا يتم إلا بتهيئتها، وأن ما تيسر لي قد يتعذر عليك، وأنه ليس شيء إلا هو يسهل على فريق ويمتنع على فريق، والشعر لم ينفرد من بين سائر الأشياء بإمكان العلم به لكل أحد، بل هو مثلها لا يستطيعه من يظلمه ولا يرتقي فيه إلا الذي يعتنقه، وليس بغريب أن يخيب من يتكلف ما لا يحسن، بل الغريب أن يفوز وينجح، ولقد نظرت فوجدت أناسًا ممن أتيح لهم التضلع من فنون الأدب وإتقان علوم اللسان؛ حتى صاروا من أهل البصر بمذاهب الكلام، أخطَئوا فحسبوا أنهم مطبوعون، فلما لم يمدهم طبع ولم تُعِنهم سليقة، لم يكن لهم بُدٌّ من وطء مواقع أقدام السابقين والاحتذاء على طريقهم، وذلك لَعَمر أبيك زمان قد تصرَّم بأغراضه وحاجاته ومطالبه، وهذا زمان له حاجاته ومطالبه، ولقد قلت مرة لواحد من هؤلاء المقلدين: «أترى كل عليم بالأنغام خبير بالألحان يحسن أن يكون مغنيًا؟» فقال: كلا، فقلت: «فكيف أمكن أن يكون كل بصير باللغة شاعرًا أو كاتبًا؟» فسكت؛ ولعله ظن أن كل من استظهر شيئًا من كلام العرب أو قرأ في دواوينهم — فقد فتحت له أغلاق المعاني، أو أن سعة الاطلاع تطبع المرء، ولو أنه فهم حقيقة معنى الشعر والمراد منه لعلم أن سعة الاطلاع لا تجعل المرء شاعرًا إذا كان الشعر لم يركب في طبعه.

قال شوقي الشعر فأجاده وأوفى على شعراء عصره، ثم حدثته نفسه أن يكتب؛ فجاء بشيء غث فاسد المعاني مضطرب المباني؛ لأنه لا تخدمه في النثر قريحة، ولا يرجع فيه إلى سليقة كالتي يحور إليها في الشعر، وقال حافظ الشعر فنبغ منه شعر كثير المحاسن (وإن كان شعرًا سياسيًّا هو في الحقيقة ابن يومه) ثم أخطأت فراسته في نفسه فعالج النثر، وأكثر من التأنق وبالغ في صقله وتهذيبه؛ فأخرج لنا كتابًا (سطيح) مضطرب النظام مشوش التأليف، ولقد أحسن إلى نفسه بانصرافه عن النثر، وإن في ذلك لدليلًا على أنه قد خبر سرَّ نفسه واستبطن كُنْهها، ولن يهلك امرؤ عرف قدر نفسه.

وأنت كيف أدرت نظرك في من يشكون الخمول؟ فلست واقعًا إلا على رجل مقلد يعالج الشعر، والشعر ليس في طبعه، أو فاضل لم يقف على ما في نفسه، ولم يعرف ما يحسن مما لا يحسن؛ فهو يقول الشعر متكلفًا له ويحسب أنه مطبوع عليه، ويعجب للعقول كيف زاغت فلم تتفطن لعظم نفسه، وصدقِ شاعريته في مطاوي كلامه وبين مثاني لفظه، أو مغرور لا إلى هذا ولا إلى ذاك، خدعه إخوانه وخلصاؤه فتوقع الثناء من سواهم، فلما لم يصبه تسخَّطَ الأيام وذَمَّ القضاء، وأنكر على غيره ما أصاب من الشهرة وبُعد الصِّيت.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.