أصدر الدكتور طه حسين باشا، وزير المعارف، قرارات متتالية في معظم أيام الأسبوع الماضي، يقضي أحدها بإغلاق مدرسة الخديو إسماعيل الثانوية إلى نهاية العام الدراسي الحالي، واعتبار جميع طلبتها مفصولين من مدارس القطر المصري جميعه — أميرية وحرة — حتى نهاية العام.

ثم أصدر قرارًا في اليوم التالي بتطبيق نفس عقوبة التعطيل والفصل على المدرسة الإبراهيمية.

ثم أصدر معاليه أيضًا قرارًا بتعطيل الدراسة في مدارس القاهرة والجيزة جميعًا على اختلاف أنواعها، بحيث تستأنف الدراسة يوم السبت القادم.

ثم أصدر قرارًا بتعطيل الدراسة في جامعتي فؤاد وإبراهيم لغاية يوم الجمعة القادم.

ومن الطريف أن محمد رفعت باشا، المستشار الفني لوزارة المعارف، قد صرح لمندوب إحدى الزميلات بالتصريح التالي:

إن معنى تعطيل الدراسة حرمان البلاد من جيل كامل يضطلع بالأعباء والواجبات، وإن ما حدث قد آلم رجال الوزارة كما آلم أولياء أمور التلاميذ، غير أن الحرص على المصلحة العامة هو الذي جعلنا نضطر إلى اتخاذ هذه الإجراءات.

وأخيرًا، فقد قرر معالي طه حسين باشا أيضًا تأجيل افتتاح المدارس التي تبرع أعيان المنصورة بها من أجل نشر العلم في إقليمهم!

فتح المدارس

قد قرأت في الصحف، ونقل إليك الناقلون — من غير شك — أن في مصر نظامًا مبتكرًا لا يعرفه بلد من بلاد الأرض، وهو توكيل الشرطة بالجامعات ومعاهد العلم تحرسها حين يسفر الصبح، وتحرسها حين يظلم الليل، وتحرسها بين ذلك حين تستوي الشمس في كبد السماء، وحين يبسط الظلام سلطانه الرهيب على الكون!

وزعمت لك بعض الصحف، وقال لك بعض القائلين: إن هذا النظام المبتكر البديع قد أُريد به إلى حصار الجامعات ومعاهد العلم؛ حتى لا ينفذ إليها أحد من غير أهلها؛ مخافة أن يشغل الجاهلون طلاب العلم عن علمهم. وزعمت لك صحف أخرى، وقال لك قائلون آخرون: إن هذا النظام المبتكر البديع إنما أريد به إلى حماية الجاهلين الغافلين من المتعلمين المتنبهين؛ مخافة أن ينتشر الجامعيون والمثقفون في الأرض ليملئوها شرًّا بعد أن مُلئت خيرًا.

وقال لك أولئك وهؤلاء: إن في هذا النظام المبتكر البديع عبثًا بالحرية، وتضييقًا على الناس في حياتهم؛ فبين الجامعيين والمتعلمين، وبين الجاهلين والغافلين صلاتٌ يجب أن تُرعى، وعرًى يجب ألَّا تنفصم، فهذا النظام شر، وهذا النظام نكر، وهذا النظام بغيض … إلى آخر ما قيل، وإلى آخر ما سيُقال ما دام هذا النظام المبتكر البديع قائمًا … وما دام الصحفيون يكتبون عن غير استقصاء، وما دام الناس يقولون بغير علم … ويخوضون فيما لا يحسنون الخوض فيه!

وقد علمت أن مصر ما زالت سبَّاقة إلى الخير، نفَّاذة إلى المشكلات، حلَّالة للألغاز؛ فقد استكشفت مصر في هذه الأيام الشداد أن العلم ينفع إذا استأثر به العلماء الذين يحسنون فهمه وتصديقه، ويضر إذا خلص إلى الجهلاء أو خلص إليه الجهلاء الذين لا يسيغونه ولا يعقلونه.

وما رأيك لو أُبيحت القنابل الذرية للناس جميعًا؟! وما رأيك لو أصبحت ألوان السم الزعاف قريبة التناول من أيدي الناس جميعًا؟!

وقد لاحظت مصر في هذه الأعوام الأخيرة أن قليلًا من علم العلماء قد خلص إلى جهل الجهلاء، ففسدت لذلك أمور الناس وأخلاقهم وصلاتهم وأحكامهم على الأشياء، وتصورهم للحياة!

هناك التمست مصر لهذه الآفات الطارئة أسبابها، وبحثت عن مصادرها؛ فلم تجد لها سببًا ولا مصدرًا إلَّا هذه المعرفة التي تنسل من الجامعات ومعاهد العلم، فتلم بالأندية والدور، وقد تتسكع في الشوارع والحقول، فتصادف عقولًا خُلقت للجهل والغفلة، وقلوبًا خُلِقت للجمود والهمود، فتفسد على الناس أمورهم كلها … وليس أحب إلى مصر من أن يكون أهلها أحرارًا، وليس أحب إلى مصر من أن يكون أهلها علماء.

ولكن الحرية والعلم من هذه الأشياء الخطرة التي لا ينبغي أن تُعطى للناس بغير حساب، وإنما يجب أن تُقطَّر لهم تقطيرًا، وتقدَّر لهم تقديرًا، ويقتَّر عليهم فيها تقتيرًا … من أجل ذلك، ومن أجل ذلك وحده، آثرت مصر سلامة أبنائها من أن يسرفوا على أنفسهم في العلم، وما يستتبع من الحرية وتنبُّه الشعور؛ فندبت شرطتها وجيشها لحمايتهم من هذا الخطب المُلِمِّ والوَباء المُبيد …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.