هذه كلمة نرجو أن ينفع الله بها الجاد من شعرائنا وأدبائنا في طلب الشهرة والتماس النباهة وبُعد الصِّيت؛ فقد طال استخفافهم بضرورة الصدق حتى استخف بهم الناس، واشتد غلوهم في إنكار مكان الحاجة إليه، حتى أنكرنا عليهم ما تكلفوه في فضول القول ونفاية الكلام، وما تجشموه من ضروب الإغراب الذي لا يغني من الأدب شيئًا، وأنواع المعاناة التي لا تعود بطائل، ولا ترجع بفائدة ولا لذة، وإني لست أعرف شيئًا هو أحلى جَنًى، وأعذب وردًا، وأكرم نتاجًا، وأنور سراجًا من الشعر إذا صدقَنا أهلُه المقال، وأعربوا لنا عمَّا تجيش به صدورهم، وتضطرب به ضمائرهم، وترفَّعوا على التقليد الذي لا حاجة بنا إليه ولا ضرورة تحملنا عليه، وتنزَّهوا عن مجاراة الناس ومشايعة العامة وتوخي مرضاتهم؛ فإن لنا أعينًا كأسلافنا وقوة حاسة لقواهم، وما أظن أن في العالم شيئًا يغيب عن مرمى المدارك أو يفوت طور المشاعر، ومادة الشعر لا تفنى ولا تذهب؛ لأنه ليس شيئًا محدودًا معلومًا:

وما الشعر إلا معانٍ لا يزال الإنسان ينشئها في نفسه، ويصرفها في فكره، ويناجي بها قلبه، ويراجع فيها عقله، والمعاني لها في كل ساعة تجدد وفي كل لحظة تردد، وتوليد والكلام يفتح بعضه بعضًا، وكلما اتسع الناس في الدنيا اتسعت المعاني كذلك، وهذا سبب ما في أشعار الصدر الأول الإسلامي من الزيادات على معاني القدماء الجاهليين، ثم ما في أشعار طبقة جرير والفرزدق وأصحابهما من التوليدات والإبداعات التي لم يقع مثلها للقدماء إلا في النادر القليل والفلتة المفردة، ثم ما في شعر بشار بن برد وأصحابه من المعاني التي ما مرت قط بخاطر جاهلي ولا مخضرم ولا إسلامي، ثم لا شك في أن صفة الإنسان ما يرى أصوب من صفته ما لم يرَ، وتشبيهَه ما عاين بما عاين خير من تشبيهه ما شهد بما لم يشهد؛ والشعر الصادق الذي يشف عن نفس صاحبه، ويترجم عن وجده طريق الصدق، والترجمة عن النفس والكشف عن دخيلتها؛ لأن ذلك أبلغ في التأثير وأنجح، بَيْدَ أني لست أنكر أنك قد تبلغ بالكذب ما لا يبلغه الصدق، وتنال بالتمويه والخديعة ما لا تنال بالحق، غير أن الأديب أكبر من ذلك وأرفع، وغايته أسمى وأبعد، وللشعراء ضمائر شاهدة غير نائمة، والحق أحق أن يستولي على هوى النفس وينال الحظ الأوفر من ميل القلب، ولا بد للشاعر كي يؤمن به الناس من أن يكون رسول قلبه؛ لأنه إذا كانت رسالته كاذبة ودعوته مأفوكة — وكان يعلم ذلك من نفسه — فلا بِدْعَ إن كفر الناس به وبشاعريته وهزءوا به وبدعوته، وهل الشعر إلا رسالة النفس وحديث القلب للقلب، وإلا ثمار النفوس وسقاط العقول، وإلا صورة ما ارتسم على لوح القلب وانتقش في صفحة الذهن، وإلا مثال ما ظهر لعالم الحس وبرز لمشهد المشاعر؟ وكيف يطببني رجل يمسك على ما في نفسه ويستر ما يناله حسه ويفر من شخصيته، أو رجل لا ينظر بقلبه ولا يستعين بفكره ولا يستنجد فهمه، أو آخر يأبى أن يبرز معانيه من ضميره وأن تدين لتبيينه وتصويره وأن تُرى سافرة بغير نقاب نادية دون حجاب؟ بل كيف يشجيني من لم يعالج برجاء الهموم، أو يبكيني من لم يذرف دمعة في حياته؟ أتراني إن استعرت معاني المتنبي جميعها أستعير بذلك روحه ورجولته؟ أم تُرى الحمام إن استعار أجنحة النسور يكون من النسور؟

وكأني بالناشئ الذي جعل الشهرة حديث أحلامه ووجهة آماله يقول وقد قرأ كلمتي هذه: «كيف أَبَحْتَ لنفسك أن تُحرِّم علينا الاستعانة بأفكار غيرنا والانتفاع بتجاربهم، ونحن كالثمر الفج لم ننضج بعد، وآراؤنا ما زالت فطيرة لم تختمر؟ فإذا كشفنا عنها لم تأمن أن يُقبحها الناس ويُسفهوها، فضلًا عن أن ما تجده قلوبنا تافه لا يعني أحدًا ولا يلذ سوانا من الناس، ولو أن الكُتَّاب والشعراء عملوا برأيك هذا لعاد أكثرهم بالصمت!»

إيه، ما أصبانا جميعًا إلى أن تقر هذه الشقائق! على أن هذا لا يحيلني عن مذهبي ولا ينزلني عن رأيي، ولو سكت الناس فما ينطق منهم إلا كل قوي الإيمان بنفسه، لكان للأدب في مصر دولة غير هذه الدولة، وهل العبقرية إلا إيمان قوي النفس، ويقين جازم بأن ما تعتقد صدقه لا يختلف في صحته الناس؟ فخليق بمن يطمح إلى مراتب الشعراء ومنازل الأدباء أن تكون عنايته بما يومض في ذهنه ويحوم عليه طائر فكره أشدَّ من عنايته بقلائد الشعراء غيره وبراعتهم، وأن لا يزدري خواطره وأفكاره؛ فإن ذلك دليل الضعف وعنوان الخَوَر والضآلة، واعلم أن كل امرئ سيأتي عليه يوم يعلم فيه أن الحسد جهل، وأن التقليد انتحار، وأنه ينبغي له أن يُجمل في الطلب ويجتزئ بما آتاه الله من قوة وأيدٍ، وأن ما يغير عليه لا ينفس عنه، وأنه لا شيء أجلى لوحشة الصدر من أن يقول المرء بشجوه ويطلق خواطره من عقال نفسه؛ فيطفئ بذلك حر كبده ويبرد غلة صدره.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.