في وقتٍ واحدٍ صدر باللغة الإنجليزية كتابان هامَّان؛ أحدهما: عن الأدب الروسي من عهد «شِيخوف» إلى اليوم، والآخر: عن الأدب الإنجليزي الحديث.

أما الأول: فمُؤلِّفُهُ هو الأستاذ «مارك سلونيم» Slonim الروسي، الذي كان أستاذًا لأدب بلاده في جامعة «براغ»، ثم انتقل إلى باريس؛ حيث يشتغل بالكتابة وإلقاء المحاضرات.

وقد وصل بتاريخ الأدب في البلاد الروسية إلى سنة ١٩٥١، فأرانا هذا التاريخ في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية على الخصوص كأنه تاريخ أوامر حكومية ينسخ بَعْضُها بعضًا كل سنتين أو ثلاث سنوات، ثم يعود الأدب المرغوب فيه بالأمس علامة من علامات النكسة والانحطاط بمرسوم جديد يصدر من ولاة الأمور، وأصبحت «للمنتجات الأدبية والفنية» مشروعات خمس سنوات أو سبع سنوات؛ كتلك المشروعات التي تعين الأوقات للمصنوعات والمزروعات.

وأوجز ما يُقال في عرض الطريق، تعليقًا على هذه الحركات المصطنعة إنها تكذيب قاطع للفلسفة الماركسية في الأدب والفن؛ لأن هذه الفلسفة تزعم أن الآداب في جميع العصور إنما هي انعكاسات طبيعية للأحوال الاقتصادية. وعلى هذا الزعم نشأت آداب الفروسية ممثلة لعصرها بغير حاجة إلى مراسيم ولاة الأمور، ونشأت آداب البرجوازية كذلك، ونشأت بعدها آداب «الرأسماليين والمستعمرين» طبيعة تلقائية لا تحتاج إلى ترسيم ولا توجيه، بحيث لو أراد أحدٌ أن يُغيِّر وجهتها وأن يرسم لها موضوعًا غير موضوعاتها لما استطاع. فالآن ماذا يُقال عن الأدب الذي يحتاج إلى المراسيم كل سنتين أو ثلاث سنوات؟

إما أنه غير طبيعي، وإما أن الهيئة الاجتماعية غير طبيعية، وهو في الحالتين مكنة تُدار كما تُدار الآلات.

لقد كان الناقدون يقولون إن الفلسفة الماركسية بهيمية …

ظلموا البهيمية! … إنه على الأكثر أدب آلات ومكنات.

الأدب الإنجليزي يتجدد في القاهرة

أمَّا الكِتاب الثاني: فاسمه «الكاتب العصري وعالمه» لمؤلفه الشاعر الناقد الأيقوسي فريزر Fraser.

ويمكن أن يُضاف إلى وصفه أنه رحالة يكاد لا يهدأ في مكان، إلا إذا اقتضته طبيعة العمل أن يقيم فيه شهورًا أو سنوات؛ فساح في الشرق الأوسط وفي أمريكا الجنوبية وفي اليابان، وأقام زمنًا بعاصمتها يلقي المحاضرات على أساتذتها وطلابها المشتغلين بالدراسات الأدبية الأوروبية، وكان موضوع هذه المحاضرات جميعًا يدور على الأدب المعاصر إلى سنة ١٩٥٠.

ويحسن بالجهلاء المتشدقين باسم الجديد أن يقرءوا هذا الكتاب وأمثاله ليفقهوا معنى التجديد الأدبي في عُرف رَجُلٍ هو نفسه من أقطاب المدرسة الجديدة في أدب بلاده، ومن المطلعين على مدارس التجديد في الأمم الأوروبية والأمريكية وبعض الأمم الآسيوية … وحَسْبُهم سطران من الكتاب يدلان على سطور وصفحات؛ حيث يقول هذا المؤلف: «إنه من المفارقات أن إحدى العلامات البارزة في التجديد الأدبي نشاط العناية بالماضي لذاته …»

ولكن القارئ المصري يجد في هذا الكتاب مجالًا للتأمل والمراجعة يهم الأدباء المصريين خاصة قبل سائر الأدباء في البلاد الأخرى؛ إذ يعتقد المؤلف أن حركة التجديد في الشعر الإنجليزي خلال السنوات العشر الأخيرة كانت في القاهرة لا في لندن، وكان الشعراء «دريل Durrel»، و«برنارد سبنسر Spencer»، و«تلر Tiller» أحدث المُحدِّثين في المدرسة الشعرية الحديثة باللغة الإنجليزية.

وفيمَ ينظم أحدث المحدثين؟!

رثاء طيار، أو منظر البحر الأبيض تحت الظلام، أو ليالي القاهرة، أو العصفور السقساق في العلمين، أو وصف الإسكندرية من حجرات الطبقة العاشرة في مساكن الميناء، وكل ما نَظَمُوه أو نثروه فيما نقله صاحبُ الكتاب، أو فيما تخيَّره لهم جامعو النخب والمختارات يدور على الموضوعات التي يحسبها جهلاء الأدب المصري من القد المهجور.

أرني الله!

وعلى هذا يستطيع الأستاذ توفيق الحكيم أن يَطمئن على حَظِّهِ من الأقدمية أو الأحدثية حتى حين يصور لنا العقلية الصوفية قبل بضعة قرون، ويستطيع زميلان له أن يَطمئنَّا مثل اطمئنانه على هذا النصيب، وهما الشاعران النابغان رشيد سليم المشهور باسم الشاعر القروي، وبشارة الخوري المشهور باسم الأخطل الصغير، وأولهما ينظم الشعر العربي في البرازيل، والثاني ينظمه في لبنان.

وكلهم يطرقون تلك الموضوعات التي حكم جهلاء الأدب العربي عليها بالقِدم، وقد عُدَّتْ في «بلاد التجديد» من أحدث المحدثات، وإنما العبرة في كل تجديد بطريقة التناول لا بعنوان الموضوع، فليس في العِلم الحديث مثلًا موضوع أحدث من تركيب المادة، والمادة نفسها لا يُقَدَّر وجودها بأقل من مئات الملايين من السنين …!

أخذت معي للمطالعة بأسوان هذه الكتب التي أذكرها في هذا المقال، وحمدت الاختيار بعد ما قرأت منها، فهي في الحقِّ من خِيرة ما تُخرجه المطابعُ في أمَّةٍ من الأمم العصرية، ولا خوف عليها من المقارنة بينها وبين نظيراتها في لُغةٍ من اللغات.

وليس ذلك بمانع أن يكون فيها ما يُنْتَقَد أو ما يرضاه أُناسٌ من القرَّاء ولا يرضاه آخرون، فسيكون هذا حظ الكتاب الذي يصدر في سنة ٢٩٥٤ أو في سنة ٩٩٥٤ أو في كل سنة يصدر فيها كتاب …!

توبة إبليس

أبدع الحكيم في قصته عن توبة إبليس وسمَّاه الشهيد … ثم صوَّره في الصورة التي تزيل استغراب القارئ من هذه التسمية وتتركه بعد قراءتها وهو يقول: مسكين إبليس …!

يطلب المسكين التوبة على يدي الحبر المسيحي فيوقعه في حيرة … إذ أين تذهب قصص الخليقة والخروج من الفردوس؟! وما معنى يوم الحساب إذا انتهى الشر من الأرض …؟! وهل يُحاسَب الذين أغواهم إبليس وينعم إبليس بالمغفرة بعد هذا الإغواء …؟!

ويذهب المسكين إلى الحاخام فيُخيِّرُه بطلب التوبة كما خَيَّرَه حبر المسيحية. وينتهي الحوار بينهما بقول الحاخام في ازدراء واستهزاء: «ليس من عادتنا التبشير ولا الاهتمام بأن يدخل في ديننا الغير … حتى ولو كان إبليس.»

ويذهب المسكين إلى شيخ الإسلام، فيحار الشيخ الأكبر كيف تكون تلاوة القرآن الكريم إذا قُبِلَتْ توبة الشيطان … وكيف يبدأ القارئ بالاستعاذة من الشيطان الرجيم بعد اسم الله الرحمن الرحيم! …

وترك المسكين السماء مذعنًا وهو يهمس لنفسه: إني شهيد، إني شهيد!

والحكيم في هذه القصة قد حكَّمَ الفنَّ في تصوير الكون كله؛ فليس إبليس في هذه الصورة إلا «شرير المسرحية» الذي يريد أن يتخلَّى عن دوره قبل رفع الستار، ولا بد من زجِّه إلى المسرح ولو مضروبًا بحكم الفن أو بحكم القافية التي لا تعذر أحدًا حتى يمتد عذرها إلى الشيطان …

وقد رحم الأستاذ الحكيم «آل كابوني» الشرير الأمريكي المشهور كما رحم أستاذه الأكبر إبليس.

ففي قصة «نخب العصابة» يختطف آل كابوني هذا جماعةً من العلماء الذين اخترعوا القذيفة الذرية، ويُولِم لهم في قصره وليمة فاخرة، ثم يجلس بين أيديهم في تواضع وخجل، ويشرب نخبهم قائلًا: «إني أخاطبكم وفي نفسي شعور من الخجل والمذلة والضآلة؛ فكل عملنا بالقياس إليكم عبثُ صِبيةٍ ولعب صغار …»

ولست أريد أن أنقد هذه القصة ولكني أُضِيفُ إليها سطورًا من الحوار في قصة تُضاف إليها، ومَدارها على الأستاذ الحكيم في وظيفة الملك المختص بالمخترعات الأرضية ومعه برومنيوس الذي عَلَّم البشر صُنع الثأر وهما يتحاوران على هذا المثال في عالم الغيب …

الحكيم: ما هذا الذي تضعه أمامي وأنت خائف يا برومثيوس …؟!برومثيوس: قذيفة ذرية …!الحكيم: قذيفة ذرية؟! ولماذا تخاف منها هذا الخوف وأنت لم تخف من نار الآلهة يوم أن سرقتها من السماء؟!برومثيوس: إن النار يا سيدي الأستاذ ليست بجانب هذه القذيفة غير «عبث صبية ولعب صغار»!الحكيم: وما بالك إذن تعطي هؤلاء الأشقياء ما هو شر من النار؟!برومثيوس: أترى إذن أن أعود إلى الأرض؛ فأسحب منهم النار وأَحُول بينهم وبين شرورها وشرور هذه الهدية الجديدة؟ …الحكيم مفكرًا مترددًا: لا … طيب … أظن أن سحبها … ماذا أقول؟ لا … لا … لا تسحب النار بل دعها الآن إلى أن نعيد التفكير …برومثيوس: لماذا …؟الحكيم: لأنها نافعة … لأن حرائقها جميعًا تهون في جانب مصالحها وخدماتها … أما هذه الهدية الجديدة …!برومثيوس: أما هذه الهدية الجديدة يا سيدي فهي الهدية التي تليق بالقرن العشرين، ويخجلني بعد مائة ألف سنة أن أعود إليهم بتلك الألاعيب القديمة، ولك أن تصدقني إذا قلت لك يا سيدي المدير إن النسبة محفوظة بين الاختراعين؛ فمصائب النار عظيمة وخبراتها أعظم وستكون الذرة المغلوقة تجربة أخرى على هذا المثال، فما تنفع فيه الناس أعظم جدًّا من مصابهم بها في الحروب، وأهوالها في الحروب خليقة أن تحذره من ذلك المصاب. وأنت بَعْدُ وما تشاء … فإن أمرتَ هبطنا إلى الأرض، وإن كنت أبَيْتَ طويناها في ذرتها وطوينا معها سِرَّ الذَّرة وكلَ سِرٍّ من أسرار هذا الاختراع.

***

وللأستاذ الحكيم أن يكتب بيده جوابه على برومثيوس … الشهيد المسكين.

أما القصة التي ننقدها حقًّا ونود لو خَلَتْ منها المجموعةُ، فهي القصة التي أُطلِقَ عنوانها على المجموعة كلها، وهي قصة «أرني الله».

وخلاصتها أن رجلًا تعوَّدَ أن يحادث ابنه الصغير وأن يصغي إلى أسئلته المعهودة من الأطفال وأن يستجيب لك ما يُستجاب، وسأله الطفل يومًا عن الله، ثم قال له: إنه يريد أن يراه؛ فذهب الرجل إلى ناسك صالح في جيرتهم وتوسل إليه أن يريه ربه، فقال له الناسك: إنه لن يراه إلا إذا ظفر بمحبته وإنه لن يطيق من هذه المحبة أكثر من نصف مثقال ذرة. ثم تفقد الناس الرجل على عادته بينهم فلم يجدوه، وتعقبوه فبصروا به قائمًا على صخرة شاخصًا ببصره إلى السماء، وناداه الناسك فلم يُجِبْ، ثم ناداه الطفل بصوته الصغير الحنون: يا أبتِ … ألا تعرفني؟! فلم يُبْدِ حراكًا. فقال الطفل: الذنب ذنبي، أنا الذي سألته أن يرى الله. والتفتَ إليه الناسكُ وقال وكأنه يخاطب نفسه: أرأيت؟ إن نصف ذرة من نور الله تكفي لتحطيم تركيبنا الآدمي، وإتلاف جهازنا العقلي.

ونحسب أن ذرة هيروشيما لم تكن غائبة عن ذهن الحكيم حين كتب عن هذا «النصف من مثقال الذرة» من الحقيقة الإلهية.

ونحسب أن القصة كانت تُستساغ على اعتبار واحد، وهو أن نعتبر الابن — كما كانوا يعتبرونه مِنْ قبل — قنيةً مملوكة لأبيه، كل الفرق بينه وبين ما يملكه الأب من أمواله وذخائره أنه أمر المقتنيات، فعلى هذا الاعتبار يصح أن يُقال إن الأب يتجرد من أنانيته ومن أعز ما يملك حين يتخلى عن وليده.

أما الوليد الذي هو روح حي يصور لنا المحبة الإلهية الخالصة فإن حبَّ الله بعيد جدًّا مِمَّن يصم أذنيه عن استغاثته، ولن يكون في حضرة الله مَن يغيب عنه هذا المخلوق الضعيف من مخلوقاته.

ولكننا نعود فنقول إن الذنب كله على الذَّرةِ التي تحطم التركيب الآدمي وتُتْلف الأجهزة جميعًا، ومنها أجهزة العقول!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.