في شهر مارس سنة ١٩٢٨ كتبنا في البلاغ الأسبوعي مقالًا بعنوان «اللاوكون»، قلنا فيه عن «لسنغ» مؤلف الكتاب في تفرقته بين الشعر والتصوير: «وخلاصة الفروق بين الشعر والتصوير في رأي كاتب اللاوكون هي أن الشعر معني بوصف الحركات النفسية لا بوصف المشاهد المحسوسة، وأن التصوير على خلاف ذلك معني بكل ما يُرى بالعين ولا يخامر النفس إلا من طريق الرؤية والملامسة، فالشاعر إذا وصف جمال المرأة وصف أثرها في النفس، ولم يشغل فنه بتصوير المحسوسات إلا من حيث هي دلالة على الخوالج والعواطف. أما المصور فله عمل آخر، وهو نقل الصور من حيث هي مظهر ومكان لا من حيث هي حركة وزمان… إلخ.»

واليوم في الثامن والعشرين من أغسطس سنة ١٩٥٩، يكتب الأستاذ عبد الفتاح البارودي كلمة عن معركة اللاوكون التي عادت إلى صحف النقد في الغرب لمناسبة الطبعة الجديدة من هذا الكتاب فيقول:

يهمنا أن نعرف كيف يفكر النقاد الحقيقيون وكيف يؤثر النقد في تعميق التفكير. فبفضل هذه النظرية التي أصبحت الآن من البديهيات، عرف أدباء الغرب مثلًا أن التماثيل تعبِّر عن الأجسام على حين أن الأدب يعبِّر عن الأفعال، وهذا أوضح لكل أديب حدود فنه، ومن هنا أمكن أن يتطور كل فن بالمنهج الخاص به.

ثم يقول الأستاذ البارودي:

قارن هذا بما يحدث عندنا، أي أديب أو ناقد يكتب في أي شيء بلا أي منهج، وكل ما في ذهنه جملة ألفاظ جوفاء من طراز الفاعلية والتفاعل والديناميكية... إلخ. والنتيجة أن يظهر في كل موسم مليون كتاب لا يعرف أحد مِن مؤلفيها نظرية الفن الذي يمارسه، وأقترح أن نترجم كتاب لاوكون والشروح التي كُتبت عنه. فربما يساعدنا هذا على وضع هؤلاء الكُتَّاب والنقاد مكان لاوكون في غرفة الثعابين.

وبعد هاتين النبذتين تُعوزنا الآن نبذة ثالثة يقول فيها القائل:

إن ترجمة كتاب اللاوكون ومائة كتاب مثله، لا تُوقظ جماعة الفاعلية والمفعولية والديناميكية من غيبوبتهم الأفيونية الفودكية الكحولية؛ لأنهم لا يقرءون من تلك الكتب حرفًا ولا يقلعون عن تلك الرطانة لحظة.

بل تبلغ بهم الجرأة أن يهرِفوا بالتجديد من حيث لم يعرفوا، وأن يقولوا إنهم هم التطوريون التقدميون، وإن الذين سبقوهم ثلاثين سنة إلى تقرير مبادئ الشعر والتصوير رجعيون «تأخريون» متشبِّثون بالتقديم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.