الإحسان ليس طبيعة في الإنسان، ولا هو بسجية في أحد، والإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يعرف أن يحسن إلى ضعيف أو منكوب أو محروم أو غير ذلك، ولماذا احتاج الأمر إلى الحث عليه والدعوة إليه؟ لو كان الأصل في الإنسان أنه يحسن، لما كان هناك من داعٍ إلى الدأب على إغراء الناس بالإحسان وتوخي ذلك في تنشئة الصغار.

والطفل أقرب إلى الطبيعة؛ لأنه لا يزال مرسلًا على السجية، ولم يتعود الكبح، ولم يتم صقله ودهانه وتهذيبه، وليس أقسى من الأطفال ولا أبعد منهم عن الرحمة ورقة القلب وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، والطفل يقبض على العصفور فلا يزال ينتزع ريشه ويعريه ويلوي له رجليه أو يكسرهما ويمتع ناظريه بما مناه به من العجز وأفرغ عليه من الآلام، وقد ترى طائفة من الأطفال محيطين بأعمى يجرونه من «عكازه» لا ليَهدوه، بل ليوقعوه في حفرة، أو يخوضوا به ماءً في نقرة، أو يدنوا به من حيوان لعله يعضه أو يرفسه أو يحدث له فزعًا على العموم، وقد يقعون على عجوز ملتاثة فلا يرحمون ضعفها ولا يرِقُّون لخبلها، بل يزيدونها من ذلك.

وإذا كان القارئ لا يصدقني أو لا يرى أنه مطمئن إلى هذه النتيجة، فليخل إلى نفسه هنيهة وليسألها فيما بينه وبينها لماذا يُحسن؟ وأنا أعينه على الإجابة والمصارحة فأقول له: إن الإحسان أَحبُّ ما يكون إليَّ حين تكون عيون الناس عليَّ، وإني مع الْتِذاذي أن يراني الناس أجُود على غيري أحاول أن أتظاهر بإخفاء كرمي وستر أرْيَحِيَّتي، وقلَّما أُعدَم وسيلة بعد ذلك لقص حكاية هذا الجُود على من لم يشهده، وقد أرى الرجل المبتور الذراع أو المشوه الخلق، فأناوله الملاليم التي لا تغنيه ولا تفقرني ولا تسد خَلَّة على كل حال، وأحتاط وأنا أمد بها يدي حتى لا تلمس كفي كفه، ويرى هو ذلك وقد يفطن إلى معناه ويدرك دلالته؛ فأولمه من حيث أطلب شكره على إحساني، وقد أُحسن وأنا موسر وأُحسن وأنا مفلس، فأما حين تكون معي الكفاية أو ما فوقها، فكأني أريد أن أُشعر نفسي أن في وسعي أن أبذل وأتصدق، وأني أفعل هذا من فضل ما معي، وأن البذل لا يضرني، وكأن في مد أطراف الأصابع ببضعة ملاليم نوعًا من الشكر على أنْ حمى اللهُ المعطيَ ذُلَّ هذه الحاجة، وأما حين أكون مفلسًا أو مُشْفيًا على إفلاس، فكأني بالملاليم أهبها السائل أحاول أن أشتري تفريج كربي وتيسير أمري، على أني كثيرًا ما أكره أن أرى وجه سائل وأنا مفلس؛ كأنه هو المسئول عما أكابد، وليس أقسى من السائل على السائل؛ لأن الحياة نفسها ليس فيها رحمة، والحاجة تُعري النفس وتُسقط عنها طبقة الدهان التي تزوِّرها وتصقل ظاهرها.

وبعد، فإذا كان الإحسان أكذوبة وتكلُّفًا، فليس معنى هذا أنه غير ضروري، فإنه لازم لحماية المجتمع، ومن هنا وجوب تنظيمه، فإن للفقر أذًى، وليس أسهل على المعدم من التمرد؛ لأنه فقد كل شيء، ولم يبقَ له ما يحرص عليه ويضن به، وقد يفيده التمرد فيعتدل الزمان ويستوي الحال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.