الشكوى ضعف وإملال وإحراج؛ فلا تشكُ ما بك إلى أحد، وكن على يقين جازم من أنه ما من أحد يسره أن تبثه شَجْوك، فإذا ضاق صدرك بما يجن وقلبك بما يجد، ونازعتك النفس أن تقول بما فيها، فاذكر أن كل امرئ يحمل عبئه الذي يثقل على كاهله، وأنه لا يحب أن يوقر ظهره بأعباء غيره، وأنك قد تكون واهمًا فيما تعتقده من إخلاص من صاحبك لك فتُمِله بما لا يعنيه، وتُسئمه بالكلام عن نفسك، وتُفسد عليه الدقائق التي يختلسها للرياضة أو التسلي والتلهي بمجالسة الناس ومحادثتهم، وترده إلى مكروه التفكير في متاعب الحياة ولعله هارب من التفكير فيها، ثم إن الشكوى تشعر بالعجز عن المكافحة، وتنم عن ضعف الاحتمال وقلة الحيلة، والناس لا يحترمون الواهن الخوار، ولا يكبرون إلا القوي الذي لا يعيا بأمر، وليس من الربح لك أن تخرج من الشكوى باستصغار شأنك، ثم إن شكواك قد تُشعر صاحبك أن بك حاجة إلى معونة منه أو من سواه، ولعله عاجز عنها أو غير راغب فيها لضعف في مروءته أو لؤم في نفسه، أو لعِلة أخرى عسى أن تكون معقولة ومحمودة، فتحرجه وتكون هذه فاتحة الجفوة بينكما.

ومن الفروق بين الشباب والشيخوخة أن الشاب يزخر بالحياة؛ فقلما يشكو أو يتعتب، وما أسرع ما يتمرد! لأنه يُحس من القوة ما يغريه بالثورة ويهون أمرها على نفسه، وهو لا يزال في أول الحياة، والطريق أمامه حميد رحيب، والتجارب قليلة، والمعايير التي يزِن بها الحوادث والناس لم يختبر صدقها ودقتها، فهو يستخف بما يقع له، ويستهين بالصحاب يتفرقون عنه أو يجفوهم هو، وليس كذلك الشيخ، فإنه يدنو كل يوم من ساحل الحياة، ويشعر وهو يخطو متثاقلًا بالفتور في جسمه والتخلخل في ركبتيه، ولا تزال عينه تتلفت إلى ما خلَّف وراءه، وتطول المسافة وتختفي الآثار والمعاهد والمعالم فيتلفت قلبه، وإذ كانت الهمة قد ونت والنشاط قد خمد، فهو أشبه بحزمة من العادات شُدَّت إليها حقيبة من الذكريات، والشباب روض مطلول، والشيخوخة وقفة على أطلال الحياة — أو الصبا، وهل العمر إلا الصبا؟ — يضج من طولها القوي، ويتبرم بها ويلح بعذلها الفَتِيُّ، وقلَّ أن يحدثك شاب عن ماضٍ؛ لأن حياته كلها أمامه، وندر أن يحدثك شيخ عن مستقبل؛ لأن حياته كلها وراءه، فالذي خلف هذا، قدم ذاك.

والشكوى تسمعها من الشيخ معقولة؛ لأنها تناسب الضعف الذي صار إليه، ولكنها ممن لا يزال في عنفوان العمر لا تكون إلا مملولة أو داعية إلى الزراية، ومجلبة للنفور، وهي لا تثير عطفًا؛ لأن العطف قلما يكون إلا حيث لا يُستغرب الضعف.

وأخصر طريق إلى احترام الناس هو أن تجعل وكدك أن تستغني عنهم، ودأبك أن تحلق فوقهم، فكلما قلَّت حاجتك إليهم واشتد ارتفاعك عنهم كان ذلك أكسَبَ لاحترامهم، والشكوى تنزل بك في عيونهم إلى حيث أرجلهم، ولَأن يكون المرء محترمًا — بل محسودًا — من الناس خير ألف مرة من أن يكون محل عطفهم واحتقارهم أيضًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.