هذا مثل عربي، أو مثل بدوي، يقولون فيه (من لم يتهرس لم يتفرس) يقصدون بذلك أن من لم يسقط عن ظهر الجواد فتصيبه الرضوض لم يصبح فارسًا في يوم من الأيام، ولست أدري إذا كان هذا المثل لا يزال يجري على ألسن أبناء اليوم، فقد أنست السيارة الناس ظهور الجياد، وقد أصبح الناس أشد حرصًا على رفاهيتهم منهم على فروسيتهم، أما في عهد شبابنا الباكر، ولم تكن السيارة مألوفة بعدُ، فقد كان لنا بظهر الجياد غرام، وقَل منا من لم يتهرس في طفولته الأولى.

وكان ذلك نصيبي بطبيعة الحال، خرجت يومًا مع عمي الذي لم يكن يكبرني إلا قليلًا، وكنت إذ ذاك في الثامنة من سني، خرجنا كلانا مع والدي وخالي. وكان والدي يمتطي فرسًا معروفة بهدوئها، فلما وصلنا على طريق مستوٍ نزلنا جميعًا عن ركائبنا، وطلب والدي إلى أخيه أن يركب هذه الفرس وأن يسير بها في هذا الطريق المستوي، وسار عمي في سكون وهدوء ثم عاد. ونظر إليَّ والدي وقال: قد رأيت ما فعل صاحبك، فهل تستطيع أن تصنع صنيعه؟ قلت: نعم! وأحسن منه. وركبت الفرس، ولم تكن رجلي تصل إلى الركاب فوضعتها في (زخم) الجلد التي يتعلق الركاب بها، وتوجهت في الطريق مسرعًا، ولكن الفرس أحست بالركاب ينخسها في كل من جانبيها فرمحت، وأمسكت أنا بسُرْع اللجام متشبثًا، وكانت الفرس كلما ازدادت سرعتها ازداد الركاب ضربًا في جنبيها فزادها ذلك إسراعًا. ولم أدرِ بعد ذلك كيف حدث ما حدث، والذي أدريه أنني سقطت من فوق ظهر الفرس فوقفت مرة واحدة إلى جانبي وأنا فاقد الوعي، ثم رأيتني أفيق في مرقدي في المنزل وأنا لا أعلم كيف حُملت من المزرعة إلى المنزل.

كانت هذه أول مرة (تهرست) فيها لأتفرس.

وكان ما حدث لي من هذا القبيل، من غير أن أتهرس، أوشك أن يودي بحياتي، كنت في الخامسة والعشرين من سني وكنت أقضي آخر الأسبوع بالقرية لأعود منها صبح السبت إلى المنصورة أباشر فيها عملي في المحاماة. وامتطيت فرسًا شهباء أصل عليها من القرية إلى محطة السكة الحديد، وكانت هذه الفرس على جمال منظرها صعبة المراس، لكنني كنت متعودًا أن أمتطيها، وسرت بها مسرعًا لأن موعد القطار كان قد اقترب. ودفعتها بعض الشيء لتسير جنبًا لكن الفردة اليسرى من سرج اللجام انخلعت من محلها وأصبحت الفردة اليمنى وحدها هي التي تمكن من زمام الفرس، ولو أني كنت أسير سيرًا هينًا وكان أمامي متسع من الوقت لهبطت إلى الأرض وحاولت إصلاح ما فسد.

لكن الوقت كان ضيقًا، ثم إن الفرس شعرت بأني لا أحكم سيرها، كما كنت أفعل من قبل، فانتهزت لفتة من لفتات الطريق وانطلقت تعدو بكل سرعتها، ماذا عساي أن أصنع؟ أعترف بأنني ارتبكت تمامًا ولم أتمكن من إيقاف مطيتي، وكل ما استطعت أن وجهتها إلى ناحية، فلما دخلنا المباني التي تسبقها دفعت الفرس إلى ناحية جدار هناك، فلما رأته ورأت الخطر على حياتها وقفت دفعة واحدة واستطعت بذلك أن أنجو من غير أن أتهرس.

ومن بعد ذلك قل ركوبي الخيل ثم انقطعت بتاتًا عن ركوبها، لا خوفًا منها، ولكن لأن السيارات حلت محلها … وركوب السيارات أيسر وإن لم يكن فيه من رياضة البدن ما في ركوب الخيل.

وعلى أية حال علمتني أمثال هذا الحادث أن من لم يتهرس لم يتفرس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.