ليست الثياب وحدها هي التي تكون فيها الشهرة (المودة)، ولا النساء وحدهن كل من يُعنى بها ويخضع لحكمها ويمتثل قضاءها، بل في وسعك أن تقول — وأنت صادق — إن الإنسان عبد الشهرة، أو من مخلوقاتها؛ فهي تملي علينا أخلاقنا وآدابنا وآراءنا وتجارتنا وألعابنا وملاهينا، كما تُفصِّل لنا ثيابنا وتلقننا الألفاظ التي نجعلها محور تفكيرنا، كما تفرض علينا عدد الأزرار في السترة وألوان الربطة حول أعناقنا.

تفعل الشهرة بنا ذلك مذ ولادتنا، وتتناول أيدينا وتسير بنا في الحياة فنقطعها وراءها مرحلة مرحلة، حتى الأدب، والإلحاد، والتدين، والفنون، والديمقراطية، والاشتراكية، والدكتاتورية شهرات، وليس منا إلا من يظن أنه يفكر ويستوحي عقله، ولكن الحقيقة أنه يتناول أفكاره مما يضطرب به الجو.

أذكر أني مرة وقفت بحانوت بدال متوسط الحال في حي قديم بالقاهرة، وحانت مني الْتِفاتة إلى ما كتب هذا التاجر على حانوته فدهشت؛ ذلك أني وجدت كل المكتوب في موضع الاسم هذين الحرفين «س. م.»، فهذا تاجر يرمز إلى اسمه بحروفه الأولى كما يرمز الواحد منا إلى اسمه في ذيل مقال ينشره في صحيفة، وقد يكون للكاتب باعث معقول، وقد يكون دافعه إلى كتمان اسمه أن إذاعته تَجُرُّ عليه سوءًا، أو أنه يستطيع أن يكون أجرأ وهو متنكر، أو غير هذا وذاك من البواعث التي تغري بالتستر؛ ولكن التاجر ما خير أن يكتم اسمه وهو بشخصه أمام المستبضعين؟ وقد عرفت فيما بعد أن هذا التاجر سياسي ومن قراء الصحف، وأن هذا الشذوذ عدوى جاءته من الجرائد.

ومن الشهرات التي استفاضت في وقت من الأوقات أن يخالف المرء كل رأي يسمعه، وأن يعترض على كل ما تقع عليه عينه؛ فإذا رآك في بذلة سوداء قال لك إن اللون الأبيض أليق بك وأخلق بأن ينسجم عليك، ثم تلقاه في ثوب ناصع البياض؛ فيُذكرك بمزاجك وطبيعتك وبأنك كنت تقول في مدح الألوان القاتمة وذم الزاهية، وتذكر له أنك تريد الزواج مثلًا فيهز رأسه أسفًا عليك ومرثية لك، وإذا أخبرته بعد ذلك أنك عدلت وآثرت حياة العزوبة أنكر عليك القدرة على احتمال الحياة وحدك بلا معين.

ومن أغرب ضروب «المودة» ادعاء النسيان؛ ظنًّا من المدعي أن التظاهر بكثرة النسيان يلحق المرء بالفلاسفة وقادة الفكر، وقد يبالغ الواحد في هذا الباب فيزعم لك أنه ينسى أحيانًا موقع بيته! وقد لا يحتشم فيدعي أنه ذهل عن ليلة زفافه!

وكثيرًا ما تخطر الفكرة للمرء يحسبها جديدة بارعة الأخذ، ويتوهم أنه وُفق إلى الابتكار فيها، ثم يفتح صحيفة أو مجلة تصدر في قارة أخرى، فإذا برجل آخر غيره قد جال بذهنه الرأي بعينه وصبه في عبارة كأنها الترجمة الحرفية لألفاظه، فكأن الأفكار ليست شيئًا يعتصره الإنسان من دماغة وإنما يَنشَقُه مع الهواء، وفي هذا وأمثاله ما يغري بالاعتقاد بأن ليس ثَمَّ حقيقة أو اختراع أو اكتشاف يمكن أن يقال إنه مما اهتدى إليه رجل واحد، وكأن الزمن ينضج الاستعداد لظهور الحقيقة، ويتعاون على التمهيد لها ناس من أنحاء شتى من الأرض.

كنت أقول هذا لصديقي فأطرق قليلًا، ثم رفع رأسه وقال: «لست أشك في هذه الملاحظة؛ فكثيرًا ما أحسست أنا أيضًا أن الجو مشبع بالفكرة أو الاتجاه أو الميل، حتى الأوساط العاديون من الناس يفطنون أحيانًا إلى أن «في الجو» شيئًا، ولكني أخالفك في رد ذلك إلى «الشهرة»، وأرى أن هذه التغييرات مراحل في هذا التقدم، أو هي موجات من الفكر تتعاقب وتتسرب الواحدة منها في الأخرى.»

قلت: ألا تظن أن الخلاف الذي بيني وبينك لفظي لا يتناول ما وراء التعبير؟

قال: لعلك إنما تُؤْثر عبارة بعينها مزاحًا، وما أظن أني أخالفك في جوهر المسألة، ولكن يبقى أن الألفاظ هي وعاء الفكر والقالب الذي يُصب فيه.

قلت: وهل يغير لون الوعاء أو شكله حقيقة المادة التي فيه وجوهرها؟!

قال: هذا لعب بالألفاظ، هاتِ لي الفكرة مجردة عن الألفاظ ينتهِ بيني وبينك كل خلاف.

فسكتُّ، وما أراه إلا أصاب؛ فإن الألفاظ هي علة كل خلاف.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.