وهم لا يحبون السلم؛ لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويُطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتُطيع، وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يُفهم، ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تُعرف. ما زالوا يفكرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي، ويقدِّرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل، كأنهم لم يروا شيئًا ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث.

كان إبطاء مصر في الرد على رئيس اللجنة التي أُلِّفت لتفاوض في أمر القناة يقضُّ مضاجع الساسة البريطانيين والفرنسيين، وكان أولئك وهؤلاء يكدون عقولهم ويحملون ذكاءهم أكثر مما يطيق؛ ليعرفوا أولًا هل يرد رئيس الجمهورية المصرية على كتاب اللجنة أو لا يرد، وليعرفوا ثانيًا بماذا يمكن أن يرد رئيس الجمهورية المصرية، أيقبل لقاء اللجنة أم يرفضه، وليعرفوا ثالثًا ماذا يفعلون إن رفض رئيس الجمهورية المصرية هذا اللقاء.

كانوا من كل ذلك في حيرة مظلمة، وكانت الصحف البريطانية والفرنسية تصوِّر هذه الحيرة أصدق تصوير، فتُبدئ وتعيد في فروض مختلفة لا تكاد تنقضي، ويناقض بعضها بعضًا فيما كان يُنشر من التنبُّؤات المتباينة التي لم تكن تدل إلا على أن الكتاب البريطانيين والفرنسيين لم يكونوا يشقون بالحيرة والشك أقل مما كان يشقى بهما الساسة في بريطانيا العظمى وفرنسا جميعًا، ولكن الرد المصري يصل إلى لندن ذات صباح، فتنجلي عن الساسة والصحفيين حيرة لتخلفها حيرة أخرى.

فقد كان رد مصر محيرًا حقًّا، كان موجزًا أشد الإيجاز، واضحًا أعظم الوضوح، لا يحتمل تأويلًا ولا تحليلًا، طلبت اللجنة إلى رئيس الجمهورية المصرية أن تلقاه فأجابها بأنه مستعد للقائها. ولكن هذا الجواب الموجز الواضح أضل رشد الصحفيين والساسة وأخرجهم من شك إلى شك، فالرد المصري لم يُشر من قريب ولا من بعيد إلى موضوع هذا اللقاء ولا إلى ما يمكن أن يجرى فيه من حديث.

ومن أجل ذلك ذهب الساسة والكتاب في تأويل هذا الرد مذاهب مختلفة أشد الاختلاف؛ رأى المتفائلون منهم أن مصر قد جَنَحت إلى السلم وآثرت أن تصل مع الغرب إلى كلمة سواء، ورأى المتشائمون أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن هذا الإيجاز يُخفي شروطًا ستشترطها مصر قبل المفاوضة ويُخفي مشكلات ستثيرها مصر أثناء المفاوضة، وقوم آخرون توسطوا بين أولئك وهؤلاء، وجعلوا يَضربون أخماسًا لأسداس وأسداسًا لأخماس، ويقدرون أن رئيس الجمهورية المصرية يصطنع المماطلة ليكسب شيئًا من الوقت يستطيع فيه أن يحول بعض الدول الأوروبية عن فرنسا وبريطانيا العظمى، وأن يضطر هاتين الدولتين الأخيرتين إلى العزلة وإلى احتمال ما ينشأ من تشدُّدهما من تبعات.

وما زال الساسة والكتاب يتخبَّطون في هذه الحيرة المظلمة ويُلقون على أنفسهم وعلى الناس أسئلة كثيرة دون أن يجدوا عليها جوابًا، وسيظلون كذلك حتى يتم اللقاء الأول في القاهرة بعد ثلاثة أيام نعدُّها نحن أيامًا قصارًا ويعدونها هم أعوامًا طوالًا؛ لكثرة ما تكلِّفهم من الجهد وثقل ما تحملهم من العناء، وليس هذا كله هو مظهر الحيرة البريطانية الفرنسية، بل هناك مظهر آخر لهذه الحيرة.

ولكنه مظهر خطير بعيد الأثر فيما سيكون من الصلات المستقبلة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي، فالبريطانيون والفرنسيون يريدون المفاوضة، وهم من أجل ذلك قد شاركوا في إنشاء هذه اللجنة التي ستُجري هذه المفاوضة، ولكنهم في الوقت نفسه يفرضون لهذه المفاوضة أساسًا يزعمون أنهم لن يتحولوا عنه مهما تكن الظروف، ويريدون أن يلزموا مصر قبوله إلزامًا، وهم من أجل ذلك يُرسلون لجنة تحمل أغصان الزيتون وتدعو إلى السلم والعافية والتعاون، ويقدمون بين يدي هذه اللجنة جنودًا وبنودًا وسفنًا وطائرات، وتختار فرنسا خاصة اليوم الذي يصل فيه رد مصر لتستأذن بريطانيا العظمى في إرسال جنودها إلى قبرص استعدادًا للطوارئ، وتأهبًا لحماية الفرنسيين في مصر إن تعرضت أشخاصهم أو مصالحهم للخطر. أما بريطانيا العظمى فماضية في التعبئة وإرسال الجنود في أثر الجنود استعدادًا لخطر أي خطر.

فالقوم إذن حائرون لا يدرون أيفاوضون أم يحاربون، أو هم إن شئت لا يريدون المفاوضة، وإنما يريدون أن يفرضوا سياستهم على مصر فرضًا، يريدون أن يُمْلُوا عليها هذه السياسة، ويخيرونها بين أن تقبل ما يُملى عليها؛ فتريح وتستريح وإن أهينت كرامتها وذل أبناؤها وقبلوا الضيم وهم صاغرون، وإما أن ترفض ما يُملى عليها؛ فتصب الحرب عليها صبًّا وتتعرض هي ويتعرض الأمن العالمي معها لشر يُعرف أوله ولا يُعرف آخره.

والقوم مع ذلك يعلنون ويلحُّون في الإعلان أنهم لا يريدون إلا السلم، وأن لجنتهم لا تحمل إلى مصر إنذارًا أو شيئًا يشبه الإنذار؛ هم لا ينذرون ولكنهم يحشدون الجنود في قبرص ومالطة، ويعدون أنفسهم للحرب، ويستطيع العقلاء أن يتخلصوا من كل هذا التخليط ما يشاءون. ولكن الواقع من أمر البريطانيين والفرنسيين أنهم حائرون لا يدرون ماذا يصنعون ولا يعرفون كيف يقولون، قد أسرفوا على أنفسهم في الوعيد والتهديد يوم أعلن تأميم القناة وسجل عليهم هذا الإسراف؛ فهم يكرهون أن يتراجعوا فيفقدوا الثقة بهم والإيمان بهم والاطمئنان إلى ما يبذلون من وعد ووعيد.

وحذرهم الأمريكيون وخوفهم الروسيون من إثارة الحرب، فهم لا يستطيعون أن يقدموا عليها فينفض من حولهم الأنصار وإذا هم يتورطون في شر عظيم لا يعرفون كيف يخرجون منه ولا كيف ينفذون من مشكلاته التي لا تُحصى. وهم من أجل ذلك يرسلون لجنتهم وفي إحدى يديها غصن الزيتون وفي اليد الأخرى نذير الحرب، دون أن يعرفوا حين يخلون إلى أنفسهم أيريدون حربًا أم سلمًا. هم لا يحبون الحرب لأنهم لا يقدِّرون عواقبها، وهم لا يحبون السلم لأنه يضيع هيبتهم في الشرق العربي ويُطمع فيهم أممًا كانت منذ أعوام قليلة تسمع لهم وتطيع، وهم بعد ذلك لا يفهمون الشرق العربي كما ينبغي أن يُفهم ولا يعرفون مصر الحديثة كما ينبغي أن تُعرف.

ما زالوا يفكِّرون في هذه الأيام كما كانوا يفكرون في القرن الماضي، وما زالوا يعتقدون أنهم قادرون على أن يُنذروا فيملئوا قلوب الناس رعبًا وفَرَقًا؛ فهم يرسلون جنودهم تخويفًا وإرهابًا ويقدرون أن مصر سترهبهم اليوم كما كانت ترهبهم من قبل، كأنهم لم يروا شيئًا ولم يسمعوا شيئًا، ولم يعتبروا بما كان من الخطوب والأحداث، لم تعتبر فرنسا بما أصابها في الهند الصينية وبما أصابها قبل ذلك في الشرق الأدنى وبما يصيبها الآن في شمال أفريقيا، ولم تعتبر بريطانيا بما أدركها من الخذلان في الهند وفي أقطار أخرى من الأرض وبما تتعرض له من الشر في قبرص هذه التي تُحشد فيها الجند لتخيف مصر والشرق العربي، مع أنها لا تستطيع أن تخوف قبرص نفسها، بل لا تستطيع أن تؤمن جندها من القبرصيين أنفسهم. ولكن القوم قد سجَّلوا على أنفسهم وعدًا بأن يحفظوا على المسهمين القدماء في شركة القناة القديمة ما كانت تغل عليهم القناة من ربح، وهم لا يعرفون كيف يبرون بهذا الوعد. وهم واثقون بأن المحافظين في فرنسا وبريطانيا العظمى لن يغفروا لهم تقصيرًا في خدمة رأس المال مهما تكن أسباب هذا التقصير، وهم من أجل ذلك يملئون الدنيا ضجيجًا وعجيجًا وتهويشًا، مستيقنين فيما بينهم وبين أنفسهم أنهم لن يظفروا بشيء مما يحبون، وأن مصر ستثبت لوعيدهم إن اكتفوا بالوعيد وستخوض حربهم إن فرضوا عليها الحرب.

وقد قلت حين قبض الأمريكيون والإنجليز أيديهم عن تمويل السد العالي: إن مصر تتعرض لامتحان خطير، فإما أن تثبت لكيد الغرب ومكره، فتقنع العالم كله بأنها جديرة بما حققت لنفسها من الاستقلال، وإما أن يدركها الضعف والوهن ويظهر في صفوفها الفشل والافتراق، فتقنع العالم كله بأنها لم تنضج بعد ولم تَصِرْ أهلًا للحياة العزيزة التي تعرف كيف تأبى الضيم.

قلت ذلك قبل تأميم القناة؛ فأما بعد تأميمها، وبعد هذا التحدي الذي تجاوز كل حد مألوف، وبعد أن طمع الإنجليز والفرنسيون في أن يملئوا قلوب المصريين فَرَقًا ورعبًا، وبعد أن جعل أولئك وهؤلاء يُعبِّئون الجنود ويرسلونهم إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن مغرق في نوم عميق كأن السلم لم يتعرض للخطر في هذا الجزء من أجزاء العالم، أما بعد هذا كله فقد أصبح الامتحان الذي يخضع له المصريون في هذه الأيام أشد قسوة وأعظم عنفًا، وأصبحت مصر مخيَّرة بين الاستقلال والعزة والكرامة مهما يكن ثمنها ومهما تكلِّفها من تضحية وبين العودة إلى احتلال بريطاني فرنسي أو إلى ما هو شر من الاحتلال البريطاني الفرنسي؛ وهو الوصاية الدولية على إرادة القناة، وأنا مطمئنٌّ كلَّ الاطمئنان إلى أن مصر ستختار فتُحسن الاختيار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.