منذ أسابيع ألقى الدكتور محمد كامل حسين — عضو مجمع اللغة العربية — محاضرة بالمجمع عن اللغة والعلوم، بحث فيها عن أصول اللغة منذ علَّم الله آدم الأسماء كلها إلى أن تكوَّنت لغة العلوم شيئًا فشيئًا على التاريخ، ثم ختمها بالكلام عن مشكلة اللغة العربية العامية، ولم أسمع أنا هذه المحاضرة، ولكني قرأتها واسترحت إليها، بل أُعجِبت بها.

والدكتور كامل حسين طبيب؛ وهو متأثر لذلك في بحثه بالطب والكيمياء أكثر من تأثره بما سواهما من العلوم، ونظريته أن لغة العلوم تختلف عن لغة التفاهم، وإن كانت هي لغة الفهم، وأنها لا تُعنَى بما تُعنَى به لغة التفاهم ولغة الأدب من التجاوب الموسيقي، والجمال اللفظي، وإنما عنايتها بالدقة في التعبير عما تريد التعبير عنه ليفهمه قارئها على وجهه الصحيح. وهي بهذه المثابة رموز للدلالة على المعاني التي ترمز إليها؛ ولذلك تراها في كثير من الأحيان تكتفي بما يكاد يكون إشارة إلى بحوث سابقة انتهت إلى نتيجة بذاتها، حتى لتراها تُعبِّر أحيانًا بالأرقام بدل أن تُعبِّر بالحروف والألفاظ للدلالة على غرضها، فلفظ (٦٠٦) له في اللغة العلمية مدلوله البعيد عن هذه الأرقام، كما أنك تراها تُعبِّر أحيانًا بالحروف الأولى لجملة كاملة كقولهم: اليونسكو، أو الناتو.

ويرى الدكتور كامل حسين — حين يتكلم عن اللغة العلمية العربية — أن ما يقوم به مجمع اللغة العربية من اختيار مصطلحات علمية لإثباتها في المعجم الكبير الذي يُعدُّه الآن عمل صالح لمعاونة رجال العلم، ثم يقول: علينا أن نُعِدَّ هذه الأداة إعدادًا حسنًا، وأن نجعل اللغة العربية تحقق الناحية التي يريدها أهل هذه العلوم، وهم يريدونها لغة حية صالحة. والقول الفصل في هذا لمحترفي العلوم؛ فهم وحدهم الذين يقومون بالتأليف العلمي، وعلى يديهم وحدهم تتقدم العلوم. وإذا أراد المثقفون إلمامًا بهذه العلوم، فعليهم أن يدرسوا هذه اللغة، وليس على المحترفين من أهل العلوم أن يراعوا حاجات المثقفين، فإن ذلك يُفوِّت على الطائفتين ما يبغون.

وأنا أتفق مع الدكتور كامل حسين كل الاتفاق في أن محترفي العلوم هم وحدهم الذين يقومون بالتأليف العلمي، وأرتب على ذلك النتيجة المنطقية في اعتقادي، وتلك أن محترفي العلوم هم الذين عليهم أن يختاروا الألفاظ والمصطلحات العلمية. وإذا كان حقًّا علينا أن نشكر للمَجمعِ المجهودَ الذي يقوم به في اختيار الألفاظ العلمية، فيجب أن نعترف بأن مجهوده هذا لا يزيد على عمل تمهيدي يُيَسِّر لمحترفي العلوم عملهم في إيجاد أدق مصطلح لِمَا يريدون، من غير أن يقيدهم بما يثبته المجمع في معجمه، وبخاصة أن المجمع يتولى في الواقع وحقيقة الأمر عملًا ضخمًا تتولاه في غير مصر من الأمم هيئات متخصصة لا مثيل لها في مصر.

ولست أذكر هذا على أنه اقتراح، بل هو الواقع الذي سيكون، والذي لا مفر منه؛ فالألفاظ العلمية ليست ولم تكن في يوم من الأيام جامدة، وحسبك أن تقارن بين نصوص القانون المدني الجديد في مصر، ونصوص القانون المدني الذي سبقه؛ لترى العدد الكبير الذي استُحدث من المصطلحات، ومع ذلك لا يرضى رجال الفقه عن بعض هذه المستحدثات، ويُؤْثِرُونَ عليها غيرها، والأمر كذلك فيما سوى الفقه والتشريع من العلوم والفنون، ألا يحملنا ذلك على أن نفكر في إنشاء هيئات تضارع مثيلاتها في البلاد الأخرى؛ لتكون أدق إشرافًا على هذا التطور من مجمع واحد يقوم بأعباء خمس هيئات أو أكثر.

لقد طالما فكرت وفكر غيري في هذا الأمر، لكن بحث الدكتور كامل حسين في اللغة والعلوم قد زادني اقتناعًا به، وفي اعتقادي أنه سيتحقق لا محالة عما قريب؛ لأن تطورنا الثقافي والعلمي يدفع إليه، ولأن حاجتنا إلى تحقيقه ماسة مُلِحة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.