كادت العاصمة تستريح من مجانين السرعة؛ لأنهم «عقلوا» أو تحوَّلوا بجنونهم إلى مستشفيات الخلاء وسكك الصحراء.

وكادت تستريح من عابري السبيل على سنة «خبط العشواء»، جهلًا منهم بمواقع الوقوف والعبور؛ لأن أبناء المدينة حفظوا خريطتها «المرورية» بعد دراسة عشرين أو ثلاثين سنة. أما زوارها أبناء الريف، فمنهم من تردَّد عليها قبل ذلك، ومنهم من وصلت إليه تعليمات المرور في قريته على خريطة واسعة قابلة للتطبيق السريع على خرائط العاصمة.

بَقِيَ مجانين البطء الذين هم أقدَر على توزيع التعب ذات اليمين وذات اليسار من مجانين السرعة ومن خابطي العشواء؛ لأنهم يُكلِّفون السيارات أن تطير في الهواء أو تلعب لعب الحواة، فتمشي وتقف وتتَّقي ما وراءها وما أمامها وما هو عن يمينها وعن شمالها، قبل أن يُكلِّفوا أنفسهم أن يتمطوا بأيديهم أو بأرجلهم قيد خطوة في السرير الذي يرقدون عليه قيامًا ويسميه الناس طريق المرور!

من أجل هؤلاء «اللطوخ» نقول إن سوَّاقي العاصمة ينالون جوائز السبق في المباريات العالمية، لو كانت «للسواقة» ميادين أوليمبية … لأنهم يسلكون الطرق التي أُعِدَّتْ قبل بضعة قرون لنصف مليون ساكن على الأكثر. وللمشاة الآمنين بين حمير السكة ومركبات تُجُرُّها الخيل والبغال، فلا تزيد حوادثهم على حوادث المدن التي تُفَصَّلُ شوارعها تفصيلًا، أو تُبنى فيها الأنفاق تحت الأرض وتُرفع فيها طبقات العبور فوق سطح الهواء!

إن هؤلاء «اللطوخ» وصمة علينا؛ لأنهم يجهلون ما تُحسِنه ذوات الأربع لو سُمح لها أن تسير وحدها في طريقهم، فإنها تُحسِن أن تُسرِع الخُطَى ولو على ضلال.

نعم … وهم وصمة على آداب هذا المجتمع؛ لأن نصيب المجتمعات من آداب التعاوُن قد يظهر للقادم الطارئ من حركة المرور عشر دقائق عند مدخل المدينة؛ إذ يستطيع أن يرى مبلغ التعاون بين أهلها حين يرى مجهود كل منهم لتيسير الذهاب والإياب على الآخرين. فإذا عجز هذا المجهود عن خطوة سريعة، فما هو بقادر على عمل من أعمال الأخذ والعطاء وأعمال التعبير والإنشاء.

بدأ شهر المرور …

وبعد شهر — في أول نوفمبر القادم — نرجو أن ينظر القادم إلى القاهرة، فيعلم أن السواقين بالمدينة قد فقدوا كثيرًا من أسباب سُمعتهم النادرة، وهو قدرتهم على المرور بين اللطوخ ومجانين البطء والنوم.

ولكنها سمعة يفقدها السواقون ونكسب بدلًا منها سمعة للمجتمع والذوق الآدمي، وعنوانًا ناطقًا بلسان الحال أو بلسان المقال إذا شاء حُرَّاس المرور!

«لا يوجد في هذه المدينة مجانين بطء ولا لطوخ …!»

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.