مضت ساعة و«جوبيتير» العظيم — رب الأرباب — ينتظر الأعضاء الخالدين في مجلس الأوليمب ولمَّا يحضر أحد من أرباب الدرجة الأولى ولا أرباب الدرجة الثانية، على خلاف العادة في مواعيد هذا المجلس الأبدية.

فما كان من عادته أن ينتظر ساعة أو بعض ساعة؛ لأن أتباعه من أولئك الأرباب كانوا يسبقونه إلى الموعد، ولا يتخلفون عنه لحظة واحدة لعذر من الأعذار.

أما في هذا اليوم فقد اختلف الأمر واختلف هذا النظام، ومضت الساعة ولم يحضر أحد، ولم يظهر من بوادر الحركة في الفلك الأعلى أن أحدًا منهم ينوي الحضور.

ومضت ساعتان.

ومضت ساعات ثلاث.

ودار جوبيتير بعينيه كأنه ينوي أن يصنع شيئًا من تلك الأشياء التي كان يصنعها ارتجالًا إذا غضب. كان في نيته أن يقذف بالصواعق ويضرب بالرعود والبروق، لولا أنه تذكر موانع الصواعق التي كفَّت أذاها عن مساكن البشر، فضلًا عن معاهد الأرباب.

وبقيت عنده بقية من وقار الآلهة المعبودة فلم يبتذل غضبه في البذاء أو الهراء بديلًا من صواعق النيران، ونظر في حزن مكظوم وصبر مكتوم إلى زمرة الحُجَّاب من حوله، يأمرهم أن يبحثوا عن الأرباب الهاربين حيث وجدوهم، في مغاور الأرض أو على قنن الجبال ومتون السحاب.

ولم يكن أيسر من هذه المهمة — فيما مضى — على حُجاب الأوليمب الخالدين؛ فإنهم كانوا يذكرون أقوامًا غير ناسين ولا غافلين، وما هو إلا أن يظهر الحاجب العلوي أمام رب متسكع في الطريق، أو كسلان لا ينشط لواجب الأرباب والمعبودات، حتى يسبقه مهرولًا إلى أبواب الأوليمب يدركها مفتوحة قبل أن تقفل في وجوه القادمين، وما كانت تنتظر قادمًا قط بعد حضور جوبيتير العظيم في موعده «المحتوم».

وتبدل هذا كله في هذه المرة مع الحُجَّاب ومع الأرباب.

لا أحد من الأرباب يكترث للموعد ولا للتنبيه ولا للتذكير.

لا بشاشة ولا نشاط ولا خفة للحضور في الموعد المقدور، ولا بعد الموعد المقدور.

الربوبية فقدت زهوتها، وتجردت من هالتها، وأوشكت أن تكون «تهمة» تلاحق الأرباب المساكين، فيولون عنها معرضين، بل يهربون من أعلى عليين إلى أسفل سافلين.

وطال الحوار والإقناع، وتكررت الدعوة والامتناع، فلما رجع الحُجاب إلى ديوان «الأوليمب» لم يكن معهم غير أربعة من الأرباب، الذين طالت عليهم محنة الربوبية فلم يقدروا على نسيانها كل النسيان، ومن ورائهم رهط من أرباب الدرجة الثالثة، أو من تلاميذ الربوبية الذين لا يُقدِّمون ولا يُؤخِّرون.

أهلًا بالأرباب المسخرين.

… فلم يجب أحد.

أهلًا بالساقة المسوقين.

… فلم يجب أحد.

فعدل جوبيتير الحزين الكئيب عن لجلجة التبكيت والتأنيب، وهتف قائلًا، وأوجز متسائلًا: هل نسيتم الموعد أيها السادة، أو نسيتم أنكم أرباب مسئولون؟

فكان جوابه صوتًا واحدًا من أفواه شتى: لم ننسَ أننا أرباب، ولكننا لا نريد بعد اليوم أن نُحسب في زُمرة الأرباب. وأغناه عن المزيد من السؤال أنه سمع صائحًا يعرف صوته يقول: وهل رب بغير قربان؟ وهل رب بغير محراب؟

ذلك صوت المريخ المكدود، وما من صوت فوق السحاب أو تحت التراب أبين من صوته المعهود، وإن غَيَّرته الأصداء ونالت منه الجهود.

وكأنما روع الأوليمب بهذه الصيحة المكبوتة، فغلب عليه صمت كصمت الأموات.

وتتابع السؤال بعد السؤال من فم الإله الأكبر، ولا من سميع ولا مجيب، ثم سمعت أصوات ثلاثة من الأربعة تقول: تكلم أنت يا رب الحرب والقتال؛ فإنك رائد الشجعان وقائد الأبطال.

ثم سُمعت أصوات ثلاثة من الأربعة تقول: أو تكلمي أنتِ يا ربة الحُب والجمال، فما من شجاعة أشجع من التيه والدلال.

ثم سمعت أصوات ثلاثة من الأربعة تقول: بل تكلم أنت يا عطارد البيع والشراء، وسيد الساسة والخطباء؛ فإنك لوذعي اللسان، ألمعي الذكاء.

ثم سمعت أصوات ثلاثة من الأربعة تقول: وما لكِ لا تتكلمين يا ربة الحكمة والدهاء وأنتِ من رأس جوبيتير قد ولدتِ، ولم تلدكِ حواء من معشر النساء؟!

ولا يعلم الراوي كيف انتهى صمت الأموات، ولا كيف استجيبت هذه الأصوات، ولكنه يعلم أن «فينوس» ربة الحُب والجمال هي التي توسطت المجال، وأفاضت في خطاب طويل عن المحاريب والقرابين، وعن الحمائم والرياحين، يلخصه هذا المقال:

حديث فينوس

تكلمت الربة طويلًا فقالت ما فحواه: إنها في هذا العصر ربة «غير ذات موضوع»، أو غير ذات رسالة؛ لأن رسالتها هي الإلهام في أسرار العشق والهيام، واللعب بالأوهام والأحلام، ولا عشق ولا هيام في هذه الأيام، وإن كان عشق هنا وهيام هناك، فلا أسرار هنا أو هناك ولا أحلام!

قالت الربة المهجورة الموتورة: إنني بحثت عن الفتاة الغريرة التي تتعلم مني سرًّا من أسرار الهوى تجهله فلم أجدها، وبحثت عن الفتاة التي تسألني أن أجتذب إليها حبيبها لأنها تخجل من السعي إليه فلم أجدها، وبحثت عن الفتى الذي يطلب الوفاء من حبيبته أو يدين بالوفاء لها فلم أجده، وبحثت عن الفتى الذي يناجيني مرتين عن عاطفة واحدة فلم أجده، وأفنيت الأيام بحثًا عن العاشقين والعاشقات فألفيت الحب كله ينتهي قبل أن يبدأ الغزل، وكثيرًا ما ينتهي الغزل قبل أن يبتدئ السلام ولا أقول الكلام.

وتخفيت برهة من الدهر أجوس خلال المشارق والمغارب، وأصاحب الجنسين من كل ملة ونحلة، ومن كل جيل وعُمْر، وأهبط بالسن من الثلاثين إلى الخامسة والعشرين إلى العشرين إلى ما دون العشرين، عسى أن أجد واحدة تتعلم مني ما تجهل، فلا أرى إلا أستاذة بعد أستاذة تذكرني ما نسيت من فنون الفنون، وأعاجيب الألاعيب والأساليب.

واتفق يومًا أنني رأيت إحداهن حائرة في علاقة من علاقاتها الكثيرة، فقلت لها: ولم لا تسألين فينوس؟

فقالت: وأين يكون يا ترى معهد هذا الطبيب؟

قلت: أي طبيب يا بنية؟ إنه ليس بطبيب ولا بإنسان. إن فينوس، يا هذه، ربة الحُب والجمال، وما هممت أن أشرح لها ما أعنيه حتى نظرت إليَّ ساخرة، وضحكت مني ضحكة فاترة، وقالت وهي ترد إليَّ الجميل بمثله: ما أحسبك يا بنية إلا من عجائز الجيل القديم في هذا الزي الحديث. إننا يا بنية لا نستشير الربات والأرباب في شئون الحب والأحباب، ولكننا نبحث عن معهد الطبيب النفساني المجرب في هذه المعارف والخفايا؛ لعله يترجم لنا لغة الوعي الباطن، أو يحل لنا مشكلة العُقد النفسية، أو يطلق لنا عقلة من الهوى المكتوب، أو نوازع الطبع المكتوم.

وقديمًا كنت أعجب ولا أدري أين ذهبت تلك الحمائم الناصعات من هدايا العذارى على محرابي، وأين غابت تلك الرياحين العاطرات من نفحات الشباب على ذلك المحراب، فالآن قد بطل العجب، وعرفت السبب، وآمنت بهوان الربوبية التي يكفر بها عبادها المخلصون في عبادتها. وصدق ما قيل الساعة في هذا الجناب: لا أرباب بغير قربان ولا محراب!

حديث المريخ

وابتدأ إله الحرب من حيث انتهت إلهة الحُب، فلم يسهب في بيانه لينطق بلسان حاله دون لسانه، فقال: كنت ربًّا حين كانت الحرب عبادة، فلما أصبحت بضاعة تقذف بها معامل الصناعة غرق المعبد في لجة السوق، ولحق الخالق بالمخلوق، واستوى السابق والمسبوق.

وكنت ربًّا حين كان السلاح حلية العاطل، وزينة الراكب والراجل، فلما أصبح السلاح شطرة من كل ذرة، ألقيت بسلاحي القديم، ونظرت إلى ميدان الكفاح، فإذا بكل شيء سلاح.

وتخفيت حقبة من الدهر كما فعلت أختنا فينوس، فكدت أن أخرج من ديارهم بإنذار من صحف «المتشردين»؛ لأنني كنت بينهم الوحيد الذي لا يستعد للحرب كما يستعدون، ولا يعمل لها كما يعملون، فكل مَن على الأرض مريخ، وكلهم — ما عداي — مريخيون!

حديث عطارد

ولما نهض عطارد يتكلم ويتلعثم لم يصدق أحد أنه سيد التجار والشطار، وخزنة الدرهم والدينار، وأنه إمام كل داعية ثرثار من ساسة الأمصار؛ فقد كان يتكلم فلا يعنيه أن يتحذلق ويتملق، ولا أن ينفرد بالقول فيتدفق ويتشدق، وما زاد على مقتضى الحال حين قال: إنه دار بالليل والنهار يعرض حمايته على كل سمسار أو سائس غدار، فألفاهم في غنًى عنها بما لديهم من أساطيل الماء والهواء، وجحافل الغبراء والزرقاء، وما في حوزتهم من سلع مفروضة على الضعفاء، يبيعها مَن لا يريد البيع، ويشتريها مَن لا يريد الشراء، فإن بقي له نصير معين، فنخبة من الناظمين الناثرين على قول بعض الشعراء:

ونحن معاشر الشعراء ننمي

إلى نسبٍ من الكتاب دان

أبونا عند نسبتنا أبوهم

عطارد السماوي المكان

حديث منيرفا

واستأثرت منيرفا — ربة الحكمة والحيلة — بختام الأحاديث؛ لأنها كانت أحب الحاضرين والحاضرات إلى أبي الآلهة، فقد ولدوا له جميعًا من زوجاته وخليلاته، إلا هذه الربة وحدها دون سواها كان لها أبًا وأُمًّا ومُرضعًا وأُستاذًا في وقت واحد، وفي جميع الأوقات؛ إذ ولدها من رأسه، ورباها من ذات فكره وحسه، وتعهدها بالتعليم قبل أن تعرف درسًا غير درسه. فلما نهضت للكلام آثرها بمسك الختام، وأرضاه عنها أنها لم تزهد في بُنُوَّته، وإن زهدت في ربوبيته على أبناء الفناء، تحت الغمام وفوق الرغام!

قالت وهي تتجه إليه بالنداء: أبتاه، وسيداه! أتذكر يوم تناقشت أنا ونبتون فقضيتم لي عليه؛ لأنه جاء إلى الدنيا بالحصان، وجئت لها بشجرة الزيتون؟

قلتم يومذاك: إن الحصان مطية الحرب، وإن الزيتون ثمرة الخير والسلام، فاليوم أنتم تعلمون ماذا يصنعون بالزيت والدهون؛ فقد بات الحصان اليوم وهو أقرب إلى السلم من غصن الزيتون!

أما الحكمة فلا حكمة، وأما الحيلة فلا حيلة، ورجحت الكثرة على الخبرة، وغلب العدد على الرشد، وعمت جهالة الجهلاء، وماتت بغيظها الحكماء.

جوبيتير يتكلم

وقاطعها أبوها كأنه يسألها — وهو في الحق يسأل كل مَن حوله وحولها — قال: فماذا إذن تريدون؟ وبماذا — إن شئتم — تُشيرون؟

قالوا بصوت واحد كأنه الرعد الصاعد: عُد إلى الصولة والصولجان، وخذ بشمالك أزِمَّة الصواعق والنيران، ولا عليك من عودة الزمان؛ فإنه عائد لا محالة كما كان!

قالوها وهم يجهلون ما يقولون، ولبثوا ينتظرون ما يكون، فلولا ثمالة من حياء، لأجهش أبو الأرباب بالبكاء، ولكنه تمالك وتماسك، وقال في حسرة وعبرة يدركها الأبناء ولو كانوا من أبناء السماء: إنكم تتحدثون عن الصولجان، فماذا بقي من الصوالج في كل مكان حتى تريدوا له البقاء في هذا المكان؟

وإنكم تتحدثون عن الصاعقة، فهل نسيتم عمود الصواعق على الجدران وبين الأركان في كل بنيان؟

لقد غَضبتُ على بروميثوس لأنه نقل البروق والرعد من حظيرة السماوات إلى خلائق الأرضين، وهان ما صنعه بروميثوس عند ما صنعه ذلك البشري اللعين المسمى فرنكلين؛ فإنه أقام عموده، ورفع بالعصيان بُنُوده، فرمى الصواعق بالشلل، وأصاب الوعود بالفشل؛ فلا تضرب ذات الشمال ولا ذات اليمين.

قال المريخ: إذن نحن على صواب!

قالت فينوس: لا أرباب بغير قربان ولا محراب.

قال عطارد: وفيم الحساب وقد أخطأ كل حساب؟

وقالت منيرفا: وهذا إذن فصل الخطاب.

وعاد جوبيتير يقول: نعم، هذا فصل الخطاب، وأنتم جميًعا على صواب، بل على أتم صواب، ولآخر مرة أقول: أيتها الربات، وأيها الأرباب.

أقولها الآن، وإلى آخر الزمان، وأسبقكم إلى مكان غير هذا المكان.

أصوات: إلى أين؟

جوبيتير: إلى الهاوية!

منيرفا: الهاوية؟ أنسيتم القذيفة الذرية وأنتم عزل حتى من القوس والرمح والمُدية، وحتى من النار السماوية والصاعقة العلوية؟ إن الأرض كلها اليوم «منطقة خطر»، ما سفل منها قبل ما علا، وما بطن منها قبل ما ظهر!

وطال الضجيج والحوار، واختلط الأرباب الصغار بالأرباب الكبار، ثم أجمع الرأي على اختيار «النجيمات» المتناثرة؛ فإنها في منظومة الشمس لا إلى الدنيا ولا إلى الآخرة.

صاح صائح: ومتى الموعد بهذه الكرة الأرضية؟

وقال قائل: إلى غير موعد!

ونادى منادٍ: إلى غير رجعة!

وقال قائلون ونادى منادون: بل نخدع أنفسنا إذا زعمنا أننا في النجيمات لا نمتحن بالحنين إلى هذا الفلك الساحر، ولن نشقى بفراقه مع الزمن الدائر، فاجعلوا لنا موعدًا نرقبه، واتركوا هنا رسولًا يتعقبنا ونتعقبه؛ فعسى أن تصدق الأحلام، وتتبدل طوالع النور والظلام.

***

قال الراوي: ورأيتهم بعد ذلك يرحلون زرافات زرافات، ويغلق رسولهم على الأرض باب «الأوليمب» بحلقات فوق حلقات.

قلت: ماذا؟ أللإيجار؟

قال: نعم، إلى خراب أو عمار!

ولم يزل هنالك ينتظر، ولا ندري عاقبة الانتظار.

طبق صلصة

وقال الراوي بعد حين: ثم تتابعت رسائل الراحلين والراحلات من الشهب والنيازك والأطياف والعلامات.

وصعد إليهم رسولهم ذات يوم فسألوه: وماذا يقول الأرضيون حيث يبصرون ما يبصرون؟

قال الرسول: إنهم يسمونها أطباق الصلصة Soucers.

قالوا: ويحهم من جائعين لا يشبعون، ومن منهومين بالزاد والعتاد لا يقنعون، ولا يؤمنون بغير البطون! أيحسبون أن السماء تمطرهم بالبوارق العلوية والظواهر الجوية لتحضير المائدة و«فتح الشهية»؟!

ومن وراء الكواكب والنجوم يهتف بهم هاتف غير منظور ولا معلوم: «الآن تهبط الأرض إلى حضيضها …»

ويعيد الهتاف من وراء الهالات والأطياف: والآن تهبط على الأرض بشائر السماء …!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.