هو هذا الذي أصاب الأمم المستعمرة، منذ تكشَّفت الحرب العالمية الأولى، عن تنبه الأمم المغلوبة إلى حقها، في أن تعيش حرَّة كريمة، وإلحاحها في المطالبة بهذا الحق وسلوكها كل طريق إلى الظفر به.

فقد وجدت هذه الأمم المستعمِرة في هذا التنبُّه شيئًا من التحدي لقوتها وبأسها، وكانت منتصرة على أمة عظيمة عرَّضتها لأخطار جسام، فكرهت أن تستجيب للأمم الضعيفة راضيةً؛ لأن هذه الاستجابة تُضيِّع عليها كثيرًا من المنافع. وكرهت أن تؤمن لهذا العنف الذي ظهر هنا وهناك في الأمم المستضعفة، فليس من اليسير ولا من الهيِّن على الذين قهروا ألمانيا وحلفاءها أن يؤمنوا للثورة التي تشبُّ في الهند، وتشب في مصر أو تضطرم نارها في سوريا أو في العراق، والذين يقهرون الأقوياء لا يحبون أن يقهرهم الضعفاء. وكذلك نشأ هذا التعقيد؛ تعقيد الكبرياء والغرور والاستعلاء في نفوس هذه الأمم القوية المنتصرة التي تطالبها الأممُ الضعيفة بحقها في الاستقلال، فكان ما كان من تلك الخطوب التي جرت بين الحربين على الأمم الشرقية الناهضة، ثم ازداد هذا التعقيد قسوة وعسرًا حين كانت الحرب العالمية الثانية، وحين اجتاحت ألمانيا في أول هذه الحرب غرب أوروبا، واضطرت الإمبراطورية البريطانية إلى أقسى المواقف وأشدِّها نكرًا، وأكرهتها على أن تصانع هذه الأمم المغلوبة في الشرق؛ لتأمن جانبها أولًا، ولتستعين بها ثانيًا على كشف الغمَّة وجلاء الغمرة ودفع البلاء.

في ذلك الوقت كثرت الوعود المبذولة، وتتابعت الأماني الرائعة، وظنت الأمم الشرقية الخاضعة للسلطان البريطاني خضوعًا خالصًا أو خضوعًا مشوبًا؛ أنها ستظفر باستقلالها كاملًا غير منقوص حين تنجلي غمرة الحرب.

وكان رئيس الوزارة البريطانية القائمة، السير ونستون تشرشل، عذب الحديث، حلو اللهجة، رقيق الشمائل حين يتحدث إلى هذه الأمم، أو حين يتحدث عنها، وكأن العالم الشرقي يرى في تحوُّل هذا الرجل العنيف من رجال الاستعمار إلى هذا اللين والإسماح؛ آية من آيات الحرب، وعلامة على أن الإنسانية قد أقبلت على تطور حقيقي خطير، لحياتها التي أفعمتها الكوارث والمحن والآلام.

ولم يشك أشد الناس تشاؤمًا من الشرقيين في أن العالم صائر إلى الحسنى، ومُنْتهٍ آخر الأمر إلى وفاق يقوم على إنصاف الضعيف من القوي، وعلى الاعتراف بالحقوق والتعاون على ترقية الحضارة في ظلٍّ ممدود من العافية والسلامة والسلام.

ولم تكن فرنسا المهيضة أقلَّ من الإمبراطورية البريطانية تقربًا إلى الأمم الخاضعة لسلطانها، ولا أقل منها بذلًا للوعود وتجلية للأماني وتزيينًا للآمال؛ فأهل سوريا ولبنان يعلن إليهم الجنرال كاترو أن الانتداب قد انتهى، وأهل تونس ومراكش يُقال لهم في كل يوم إن استقلالهم آتٍ بعد الحرب لا ريب فيه، ثم تعلن المواثيق الدولية العامة التي تملأ قلوب الناس بأن الأرض ستُملأ عدلًا بعد أن مُلئت جورًا، وبأن الشعوب ستقرر مصيرها كما تحب وعلى ما تشتهي، وبأن الحرية الحرة ستكون قِوام العالم الجديد. ولكن الحرب لا تكاد تنتهي حتى ينكشف الأمر عن حقيقته، ويستبين للضعفاء أنهم عاشوا زمنًا بالمُنى والأحلام، وأن الذين وعدوهم لم يزيدوا على أن خدعوهم، وبين لحظة وأخرى عادت إلى رئيس الوزارة البريطانية السير ونستون تشرشل قسوته القديمة، وكبرياؤه تلك التي كانت يُعرف بها قبل الحرب؛ وإذا هو يصرح ذات يوم في مجلس العموم بأن حرية الأمم الضعيفة واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها كل هذه الخصال؛ ألوان من المثل العليا التي يطمح الناس إليها ولكنهم لا يبلغونها ولا يحققونها إلا بعد كثير من الصبر والاحتمال والانتظار والأناة، وأن الإنسانية تسعى إلى هذه المثل العليا، وقد تصل إليها في يوم من الأيام.

ولم تكد الحرب تنتهي حتى نسيت فرنسا أنها ذاقت مرارة الاحتلال الأجنبي، وتجرعت من هذا الاحتلال غُصصًا، ونسيت كل النسيان وعودها الخلابة وأمانيها الرائعة التي زينتها لشمال أفريقيا ولأهل سوريا ولبنان، وقد أُتيح لسوريا ولبنان بعد خطوب شداد ما أتاح لهما تحقيق الاستقلال.

أما شمال أفريقيا فظل بعد الحرب كما كان قبل الحرب، مادة قيمة للجيش الفرنسي، ومرتعًا خصبًا لطائفة من الفرنسيين المستعمرين الذين استقروا في تلك الأرض، يستغلونها، ويستذلون أهلها، يرون ذلك حقًّا لهم لا ينبغي الجدال فيه.

ولذلك تعود الصلة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي بعد الحرب إلى مثل ما كانت عليه قبل الحرب، أمم مغلوبة تطالب بحقها، وأمم غالبة تلتوي بهذا الحق، وألوان من الكيد والخداع، وفنون من المداورات والمناورات، وضروب من الحيل والمكر، وكلام كثير يقل فيه الصدق ويكثر فيه الكذب الذي يتعمده أصحابه تعمُّدًا ولا يضطرون إليه اضطرارًا.

والناظر إلى البلاد العربية في هذه الأيام يرى عجبًا أي عجب؛ يرى مصر ما زالت على حالها التي كانت عليها قبل الحرب، وحين انتهت الحرب لم يتغير من أمرها شيء، ما زالت تدور في تلك الدائرة التي تُسمى المفاوضات والمحادثات، وهي لا تدور في هذه الدائرة وحدها، وإنما يدور معها الإنجليز، فالمفاوضات تبدأ لتنتهي وتنتهي لتبدأ، وتسير لتقف وتقف لتسير، والعالم يرى ويعجب، ولا يقول شيئًا أو لا يصنع شيئًا.

ويرى شمال أفريقيا على نفس الحال التي كان عليها قبل الحرب، وحين انتهت الحرب؛ لم يتغير من أمره شيء، تدنو منه فرنسا لتبتعد عنه، وتنأى عنه لتعود إليه، لا تستريح ولا تُريح، تقول كثيرًا ولا تَصدُق في شيء مما تقول، وتسرف في الوعد ولا تفي بشيء مما تعد. وممثلوها في شمال أفريقيا يلعبون هذا اللعب المرَّ الذي يُزهق النفوس، ويريق الدماء، ويملأ الأرض كذبًا وكيدًا ونفاقًا. والإنسانية المتحضرة تنظر إلى هذا كله لا تقول شيئًا، ولا تصنع شيئًا، ولا تستخذي من هذه الموبقات التي ينبغي أن يستخذي منها كل رجل كريم.

فملك تونس يُكره على ما لا يريد، وهو مخير بين أن يُذعن وبين أن يُخلع، وملك مراكش يُصنع به نفس هذا الصنيع، ثم تُشترى ضمائر بعض الموظفين في حكومته بالمال؛ لتطالب الأجنبي بخلع السلطان، ولتزعم لفرنسا المسيحية أن هذا السلطان المسلم يخالف عن أمر الإسلام.

وكذلك يُفسِد المال بعض النفوس حتى يطلبوا إلى غير المسلمين حماية الإسلام من المسلمين. والضمير العالمي يرى هذا كله، فلا يكاد يحفل به أو يلتفت إليه. وأغرب من هذا كله أن هيئة الأمم المتحدة تجتمع بين حين وحين، ويتحدث الخطباء فيها من الإنجليز والفرنسيين وغير الإنجليز والفرنسيين عن العدل الذي يجب أن يملأ الأرض، وعن الحرية التي يجب أن تُتاح للأمم، وعن المساواة التي يجب أن تتحقق بين الشعوب.

ومصدر هذا كله إنما هو هذا التعقيد النفسي الغريب المختلط الذي أصاب هذه الأمم الغريبة المستعمرة، فأفسد عليها الحكم على الأشياء، وأفسد عليها تقدير ما يكون وما لا يكون، وتقدير ما يحسن وما لا يحسن، واضطرها إلى أن تعيش في عصر قد انقضى منذ زمن بعيد.

كل مطالبة بالاستقلال — تصدر عن مصر — ترى فيها بريطانيا العظمى تصفية للسلطان البريطاني على العالم، مع أن هذا السلطان قد أخذ ينحسر عن العالم منذ وقت غير قصير، وهو في طريقه المحتومة إلى أن ينحسر عنه انحسارًا تامًّا.

وكل مطالبة بالاستقلال تصدر عن تونس أو مراكش يراها الفرنسيون طمعًا في السلطان الفرنسي، وتحديًا للقوة الفرنسية، واستخفافًا بالبأس الفرنسي العظيم.

مع أن قوة فرنسا وبأسها، قد تعرضا لخطر أي خطر، حين انتشر فيها الاحتلال الأجنبي، وهي الآن بسبيل استرجاع شيء من هذا البأس وتلك القوة. وأيسر ما يفرضه عليها موقفها الجديد هو أن تقتصد فيما تنفق من مالها وما تريق من دماء أبنائها؛ لتُقر وراء البحر سلطانًا لا سبيل إلى أن يستقر، لأن عصر التغلب والاستعمار قد انقضى منذ أمد بعيد.

وأغرب ما في أمر الفرنسيين والإنجليز أنك تتحدث إلى العقلاء منهم، فتراهم يرون رأيك، ويثقون بمثل ما تثق به من أن سياسة الاستعمار قد أصبحت قديمة بالية لا تستطيع أن تعيش في هذا العصر الحديث.

وأمرُ الفرنسيين أعجب من أمر الإنجليز؛ فقد لقيت من أدباء الفرنسيين وعلمائهم ورجال الثقافة فيهم، ولقيت من رجال السياسة والاقتصاد؛ عددًا غير قليل قبل أن تشب الحرب الثانية، وأثناء الحرب، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وتحدثت إليهم في شئون أفريقيا الشمالية؛ فلم أجد منهم إلا من أنكر سياسة فرنسا كما أُنكرها، وسخط على الاستعمار الفرنسي كما أَسخط عليه.

وفي هذه الأشهر الأخيرة كتب كثير من الكتاب الفرنسيين، على اختلاف أحزابهم ينكرون سياسة فرنسا في شمال أفريقيا، ومنهم من ألَّف في ذلك كتبًا قيمة، ومنهم من خصص لذلك أعدادًا من بعض المجلَّات الكبرى، ومنهم من عقد الاجتماعات الضخمة في باريس؛ لإعلان إنكارهم لسياسة الذين يمثلون فرنسا في شمال أفريقيا. ولكن هؤلاء الفرنسيين جميعًا، على عظم أخطارهم وشدة تأثيرهم في البيئات الفرنسية المختلفة؛ لا يصلون إلى شيء، وكأن حكومتهم لا تسمع لما يقولون ولا تقرأ ما يكتبون، ولا تحسب لهم ولا الذين يسمعونهم ويقرءونهم حسابًا.

وللشعب الفرنسي مع ذلك برلمان، يُقال إنه يمثله تمثيلًا صادقًا، ونصف هذا البرلمان على الأقل ينكر السياسة الفرنسية في شمال أفريقيا كما ينكر السياسة الفرنسية في الهند الصينية. ولكن الحكومة الفرنسية، على رغم هذا كله، ماضية في سياستها، مصرة عليها، لا تغير منها شيئًا.

وأشد من هذا كله غرابة أن وزير الخارجية الفرنسية السابق مسيو شومان، قد أنكر منذ أسابيع سياسة فرنسا في شمال أفريقيا، وزعم أن الممثلين لفرنسا في هذه البلاد يخالفون أمر الوزراء فيما يأتون من أعمال.

فأعجب لشعب يُنكر سياسة حكومته في محافله واجتماعاته وأحاديث خطبائه ومقالات كتابه، وبرلمان تكاد كثرته تنكر هذه السياسة، ثم ينظر الشعب وينظر البرلمان فإذا إنكارهما لهذه السياسة لا يُغير من أمرها شيئًا.

ما مصدر هذا كله؟! هو من غير شك هذا التعقيد الذي أصاب نفوس طائفة من الفرنسيين منذ كانت الهزيمة في الحرب الأخيرة، والذين يظنون أن الرجوع إلى الحق، والاعتراف لأهل تونس ومراكش بأنهم ناس مثلهم، لهم حق في الحرية وفي أن يدبروا شئونهم بأنفسهم، ولهم الحق الكامل في أن تُرعى فيهم حرمة الحقوق والأموال والدماء.

يظنون أن هذا كله يردهم إلى الضعف الذي ذاقوا مرارته حين أصابتهم الهزيمة وفُرض عليهم الاحتلال.

ولست أعجب لشيء كما أعجب لهذه الظاهرة الغريبة التي نشهدها في هذه الأيام؛ فالإنجليز والفرنسيون يثوب كثير منهم إلى المسيحية، فيدعون إليها ويحثون على الإيمان بها، ثم هم بعد ذلك يخالفون أظهر ما في الأناجيل من أصول العدل والإنصاف؛ فلا يحبون للناس ما يحبون لأنفسهم، وإنما يؤثرون أنفسهم بالبأس والبطش والاستعلاء، ولا يستحيون بعد ذلك من الذهاب إلى كنائسهم في أيام الآحاد.

وكذلك قامت الأمور بين الشرق العربي والغرب الأوروبي على هذا التعقيد المنكر الذي يُفسد من أمر الحضارة كل شيء، ويُضيع من المال والقوة والجهد والوقت كثيرًا مما كان يمكن أن يُبذل في ترقية الحضارة، وتمكين الناس من أن يعيشوا إخوانًا يتعاونون على البر والتقوى ولا يتعاونون على الإثم والعدوان.

ومن يدري لعل الله أن يَمُنَّ على الذين استُضعفوا في الأرض، ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، ويُمكِّن لهم في الأرض ويُري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.