وزارة الداخلية محرجة، ولكن الحرج الذي هي مضطرة إليه ضيقة به لا يثير في النفوس رحمة لها، ولا إشفاقًا عليها، وإنما يثير في النفوس رحمة لمصر، وإشفاقًا على مصر، وحزنًا على هذا البلد المجيد، أن تسوء سمعته بين البلاد، وأن يتخذه الناس موضوعًا لأحاديث اللهو والسخرية والاستهزاء.

وزارة الداخلية محرجة، ولكن الحرج الذي هي مضطرة إليه مضحِك، وهو من أجل هذا محزن حقًّا، هو يضحكنا حين ننظر إليه، ونشهد مظاهره وآثاره، وهو يحزننا حين نفكِّر فيه ونقدِّر وقعه في نفوس الأجانب وحكم الأجانب على حياة المصريين. رجل من المصريين أراد أن يتنقل بين المدن المصرية، وهذا الرجل يختلف فيه رأي الناس في ظاهر الأمر ويتفق فيه رأي الناس في حقيقة الأمر، فأما الشعب المصري فيراه زعيمًا لمصر، ويعلن أنه زعيم لمصر، يحبه كما تحب الشعوب زعماءها، ويلقاه كما تلقى الشعوب زعماءها، ويفتديه بالحياة كما تفتدي الشعوب زعماءها، أما الوزارة المصرية — ووزارة الداخلية خاصة — فتؤمن إذا خلت إلى نفسها، وإلى أصدقائها وأنصارها وأوليائها ومستشاريها من الإنجليز بأن هذا الرجل زعيم لمصر، تعلن إذا تحدَّثت إلى الناس أن هذا الرجل ليس شيئًا، وإنما هو فرد كغيره من الأفراد، والتناقض بين الرأي والقول، وبين العقيدة والعمل مصدر من مصادر الضحك الذي لا ينقضي، ومن هنا كانت وزارة الداخلية محرجة، وكان حرج وزارة الداخلية مضحكًا حقًّا، وكيف لا تضحك حين تسمع من وزارة الداخلية ومن الوزارة كلها أن مصطفى النحاس رجل لا يحبه أحد، ولا يؤيده أحد، ولا يحفل به أحد، ثم ترى وزارة الداخلية تحشد لهذا الرجل الذي لا يحبه أحد، ولا يؤيده أحد، ولا يحفل به أحد، جند الدولة وشرطة الدولة وأسلحة الدولة، وتعدُّ له كل ما تملك الدولة من مهارة وبراعة، ومن مكر وحيلة، ومن دهاء وخداع. إن كان هذا الرجل مخيفًا لأن الشعب يحبه ويألفه، ويؤيده وينصره، فَلْتعلن ذلك وزارة الداخلية، وَلْتعلن أن في مصر ثورة متصلة عجزت الحكومة عن إضعافها منذ أربعة أعوام، وَلْتتخذ ما تقضيه الثورة من إعلان الأحكام العرفية، وتعطيل القوانين المألوفة، وأخذ الناس بالقوة الظاهرة والعنف الصريح، أخذًا متصلًا لا تردُّد فيه ولا اضطراب، أيرى الناس أتنتصر الحكومة على الشعب فتستريح من مصطفى النحاس، أم ينتصر الشعب على الوزارة فيستريح منها الشعب ويستريح منها مصطفى النحاس. وإن كان هذا الرجل عاديًّا لا خطر له ولا وزن لسلطانه على النفوس، ولا خوف من حركاته وسكونه، ولا من انتقاله واستقراره، فَلْتهدأ الوزارة وَلْتطمئن، وَلْتدع جند الدولة في ثكناته، وشرطة الدولة في مركزها، وأسلحة الدولة في مستودعها، وَلْتُرِحْ نفسها من مصطفى النحاس، وَلْتُرِحْ مصطفى النحاس من نفسها.

ولكن الوزارة تخاف هذا الرجل وتعلن أنها تأمنه، وتهلع من هذا الرجل وتعلن أنها لا تحفل به، وتعبئ قوة الدولة لحرب هذا الرجل وتعلن أنها لا تهتم له، فمن حق الناس أن يضحكوا، ومن حق الناس أن يمعنوا في الضحك، ثم من حق الناس أن يحزنوا وأن يمعنوا في الحزن؛ لأن الوزارات لم تقم للهزل، ولم تنشأ للَّعِب، وإنما أُقِيمت للجد الخالص في تصريف الأمور.

دَعْ كل هذه الأحداث التي حدثت في بورسعيد والإسماعيلية والزقازيق، ودَعْ هذا العبث الذي يحدث يوم الجمعة من كل أسبوع حين يذهب مصطفى النحاس ليؤدِّي الصلاة في مسجد من المساجد، دَعْ هذا كله فالناس يرونه ويضحكون منه، ويحزنون له، وقف بنا عند حادث يسير جدًّا حدث في بورسعيد، فسترى أنه أبلغ من كل شيء في تصوير الحرج المنكر الذي يضطر إليه وزير داخليتنا البارع القيسي باشا، أراد هذا الرجل الضعيف الذي لا يحفل به أحد، ولا يهابه أحد، ولا تُعنى الحكومة به أقل عناية، الذي نسيت اسمه وأظنه يُسمَّى مصطفى النحاس، أراد أن يزور ثلاثة من الجرحى كانوا يُعالَجون وما زالوا يُعالَجون في مستشفى بورسعيد، وهؤلاء الجرحى لم يُصرَعوا في معركة بين الشرطة والشعب، فلم تكن قطُّ معركة بين الشرطة والشعب، وإنما صُرِعوا قضاءً وقدرًا، انهار عليهم جدار، أو سقطت عليهم بعض الأحجار التي تسقط من السماء أحيانًا! فنُقِلوا إلى المستشفى، وأراد هذا الرجل أن يزورهم مواساة لهم وعطفًا عليهم، ولستُ أدري لِمَ كرهت الوزارة هذه الزيارة فأَبَتْها على هذا الرجل، وألحَّ هذا الرجل فيما أراد وأزمع أن يتم زيارته مهما تكن الظروف، وهذا غريب من رجل لا يحفل به أحد، ولا تقيم الوزارة له وزنًا، وأغرب منه أن الوزارة القوية العزيزة لم تستطع أن تمنعه من الزيارة، مع أنها تكرهها كل الكره وتأباها كل الإباء، ومع أنها أقامت الأسلاك الشائكة حول المستشفى، وأقامت نطاقات ضخمة من الجند والشرطة المسلحين حول المستشفى أيضًا، وكان بعض هذا كافيًا لمنع هذا الرجل الذي لا خطر له من الوصول إلى المستشفى، ولكن الوزارة مع هذا أذعنت لما أراد، وخلت بيته وبين المستشفى حتى انتهى إليه، وهناك بلغت الوزارة بالمكر والحيلة ما لم تبلغه بالعنف والقوة، هناك قال موظَّفو المستشفى لمصطفى النحاس إن المصابين قد نُقِلوا من المستشفى إلى مكان مجهول، وأقرَّ وكيل المحافظة بمشهد من ضباط الدولة ما قاله هؤلاء الموظفون، وانصرف مصطفى النحاس عن المستشفى ما دام المصابون قد نُقِلوا منه، ولكن هناك شيئًا أغرب من إصرار هذا الرجل الضعيف على زيارة المستشفى رغم ضعفه، ومن إذعان الوزارة القوية لإرادة هذا الرجل رغم قوتها، وهو أن الموظفين لم يكونوا صادقين فيما يظهر حين زعموا لهذا الرجل الضعيف أن المصابين قد نُقِلوا، وأن وكيل المحافظة يقرُّ الحق فيما يظهر حين أقرَّ لهذا الرجل الضعيف ما قاله الموظفون. وقد يقال إن المصابين لم يُنقَلوا، ولم يتركوا المستشفى، وإنما قيل ذلك لرئيس الوفد ليحال بينه وبين دخول المستشفى.

فقد نحب أن نعلم حكم الأخلاق في هذا الموقف الذي وقفته الوزارة حين زعمت أن المرضى قد نُقِلوا من المستشفى، مع أنهم لم يُنقَلوا منه، وإنما كانوا وما يزالون فيه.

وقد نحب أن نعرف حكم الدين ورأي صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ جامع الأزهر في وزارة تعلن أن المصابين قد نُقِلوا من المستشفى مع أنهم كانوا وما يزالون فيه، وقد نحب أن نعلم المعنى السياسي لهذا الموقف الطريف: أهو يدل على الأمن والثقة أم هو يدل على الخوف والشك؟ ثم نحب أن نعلم بعد هذا كله مغزى هذا الموقف من جهة السياسة العامة: أهو يدل على أن الوزارة محرجة، حتى إن الحرج ليضطرها إلى إعلان غير الحق، أم هو يدل على أن الوزارة مطمئنَّة حتى إنها لا تحتاج إلى أن تغيِّر من الحق شيئًا، ولا أن تزعم أن المصابين قد نُقِلوا من المستشفى مع أنهم كانوا وما يزالون فيه؟

ونحب آخِر الأمر أن نعرف أي قدوة هذه التي تقيمها الوزارة للناس، فالأصل أن الحكومات يجب أن تعرض على الناس القدوة الصالحة والأسوة الحسنة، وأن تضرب لهم أنفع الأمثال في الصدق والنصح والإخلاص وإيثار الخير. فما رأي الوزارة في موقفها هذا؟ وما رأي الوزارة في الناس إذا قلَّدوها فأخفوا المرضى والجرحى، وتستروا على ما لا ينبغي أن يتستروا عليه والتووا بالضرائب، وأخفوا عليه حقيقة ما يملكون، وجحدوا وجود أبنائهم حين يُطلَبون لأداء الخدمة العسكرية؟ أتلزمهم على ذلك أم تثيبهم عليه؟ فإن لامتهم فقالوا لها إن الناس على دين وزارتهم، فكيف تجيب؟ وإنْ ثابتهم فغضبت الأخلاق وغضب الدين وغضب القانون وغضبت منافع الدولة، فكيف تكون الحال؟

أرأيت أبلغ في تصوير الحرج من هذا الموقف اليسير الذي وقفته الوزارة منذ أيام، وكل هذا لأن مصطفى النحاس رجل ضعيف لا يحفل به أحد، ولا يهابه أحد، ولا تهتم له الوزارة؟

أَلَمْ يشبع الوزراء من هذا الهزل؟ أَلَمْ يزهد الإنجليز في هذا العبث؟ أَلَمْ يَأْنِ للمصريين أن يشهدوا الجد بعد أن قَضَوا في الضحك والمزاح أربعة أعوام؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.