أما بعد، فإنا — معاشر الكتاب أو الذين يزاولون الكتابة — ينبغي أن يكون لنا دستور نلتزمه ولا نعدوه، فما من سبيل إلى صلاح أو خير بغير ذلك، ولست أعني صلاح حالنا وحده، وإنما أعني الخير الذي يعم الناس والصلاح الذي يكون كسحائب المعري، ونحن نزعم أنا هداة ومرشدون، وأنا معلمون وأساتذة، وأنا قادة رأي وزعماء فكر، وأنا لا أدري ماذا أيضًا، فقد غلونا وأسرفنا في الدعوى، ومع ذلك أرانا كالأطفال آذنهم المعلم بانتهاء الدرس فانطلقوا يلعبون ويعبثون، ويجتمعون ويتفرقون، ويتضاربون ويتشاتمون، ويصخبون ما ساعفتهم حناجرهم الجديدة، ويقرص أحدهم أذن صاحبه، أو يدغدغ خصره، أو يركله أو ينطح كرشه أو يجره من أنفه أو يصيح في مسمعه، أو يفعل غير ذلك مما يفعل الصبيان وهم في غفلة من الأستاذ وأمان من عصا المؤدب.

ولا يغضب الإخوان والزملاء؛ فما أعني أحدًا منهم على التخصيص، ولكن هذه جملة حالنا والله العظيم، وكما يكون في المدرسة الكبار والصغار، والمحدثون المخضرمون والقدماء، والوادعون والمؤدبون والشياطين والملاعين، والخبثاء والماكرون، والمولعون بالشر والأذى، والأذكياء والأغبياء، والخفاف اللطاف والثقلاء، والمجدون السابقون والبلداء المتخلفون، كذلك نحن هذا الخليط في «صحن» الأدب الواسع الرحب الذي لا حدود فيه — على ما يظهر — ولا معالم له ولا نظام ولا سكينة، ولا راحة ولا طمأنينة ولا لذة ولا أنس، ولا فائدة ولا عائدة؛ ولا بد لهذا من آخر، وما بقي مفر من أن تنتظم الصفوف، ويدخل التلاميذ الحجرات حيث يسكنون، ويسمعون ويعون، ويقرءون ويحفظون، ويفكرون ويتدبرون، أو على الأقل حيث ينامون ويريحون الدنيا من ضوضائهم الفارغة.

وأنا امرؤ وهبه الله روح الجندي ونشأ نشأة المدرس؛ فلست أطيق الفوضى، وما أعرفني في حياتي وسعني أن أصبر عليها، ومن قلة احتمالي لها صرت أكره المجالس الحافلة والمجتمعات الكبيرة، ولكثرة ما يكون فيها من اللغط والاضطراب ووجع الدماغ، وما أحب الوحدة، ولكن سكونها ووحشتها آثرُ عندي من الجلبة التي يختلط فيها الطيب بالخبيث، ويطغى فيها المنكر المرذول على الحسن المونق المعجب، وما في دنيانا هذه شيء يسلم من آفة، ولكن الشيء له آفة، غير الشيء كله آفات، وليس القبيح أن تكون الزهرة معها شوك، بل القبيح أن يكون شوك ولا زهر.

والذي أعرفه أن الجماعة الإنسانية كانت أسبق إلى الوجود من اللغة، وأن نشوء اللغة سبق نشوء الأدب، وهذا طبيعة، فإن الفرد — وحده — لا يحتاج إلى لغة ما؛ إذ لم يكن ثَمَّ فرد آخر يخاطبه ويتفاهم بها معه، لا بد أن توجد جماعة ما على صورة من الصور، وأن تفصل بين آحادها أسباب المعيشة والاختلاط ليحتاج الأمر إلى التفاهم بوسيلة من وسائل العبير، وكل حالة من حالات الحياة تخلق ما يوافقها ويناسبها من العواطف والخوالج، وبديهي أن خوالج الإنسان المستفرد الواحد لا جرم تكون غير خوالج الإنسان الذي يعيش فردًا من جماعة، وللجماعة روح غير روح الفرد؛ لأن لها مطالب غير مطالبه، ولحياتها مقتضيات غير ما تقتضيه حالة الاستيحاش الفردية، والأدب وسيلة من وسائل التعبير فلا حاجة إليه ولا داعي له إلا في حالة الجماعة، وطبيعي أن تكون مظاهره الأولى «جماعية» وأن يكون مختلطًا بغيره من أساليب التعبير الجماعية الأخرى كالغناء والرقص؛ وذلك لأنه — في مظاهره الأولى — نشأ كنتيجة لنشوء المجتمع، فهو لهذا تعبير عن العواطف المشتركة بين آحاد الجماعة، لا عن عواطف واحد منهم بمجرده؛ وهو لهذا أيضًا تعبير أقوى من التعبير العادي الذي تقتضيه ضرورة التفاهم في أمور المعاش اليومية المألوفة، ولما كان هذا هكذا فإنه تعبير نادر بالقياس إلى وسائل التعبير العادية؛ لأن الالتجاء إليه لا يحصل إلا حين يزخر عباب العواطف الجماعية ويعم الإحساس بالحاجة إلى التنفيس منها، كأن تظفر الجماعة بغنيمة كبيرة أو تقع على مرعًى خصيب، أو تأمن شرًّا كانت تخافه، أو غير ذلك مما يجري هذا المجرى؛ فيورثها هذا فيضًا في عواطفها يتطلب منفذًا يتدفق منه فيخف بذلك ضغطه، والمظهر الساذج للترفيه عن العاطفة الجائشة هو الحركة، فالمغيظ المحنق يهمُّ بالشتم والضرب، والفرح الجذلان لا يكاد يطيق السكون، ويُحس بالحاجة إلى تحريك أعضائه — أي إلى الرقص — وإلى إطلاق بعض الصيحات — أي إلى الغناء أو ما يشبهه — وقد يزعم لنفسه أن هذه الحركة تزيد سروره وتضاعف جذله، ولكن الحقيقة أنها لا تزيد السرور وإنما هي تُفني بعض العاطفة بتحويلها إلى حركة عضلية فتخف بسبب ذلك وتصبح محتملة، ويشعر المرء بالارتياح لأنه صار في وسعه أن يطيق ما يجد من الإحساس، بعد أن كان ضغط الإحساس مجاوزًا لقدرته على الاحتمال؛ ومن هنا ما يتوهم من زيادة السرور، وليست هي بزيادة كما بينَّا، وإنما هي إراقة للزيادة، كما يسيل من الإبريق أو الإناء ما يزيد على سعته.

وإلى هنا لا وجود للفردية المستقلة المتميزة عن سائر الجماعة في هذا الأدب الساذج المختلط بمظاهر التعبير الأخرى؛ لأن العواطف مشتركة وكذلك المساعي، فكلما جاشت نفوس الجماعة لسبب من الأسباب يدعو إلى ذلك، احتشد آحادها وانطلقوا يرقصون ويغنون بما توحي به إليهم حالتهم النفسية وما تلهمهم إياه اللحظة التي هم فيها، ولا تعدم الجماعة واحدًا منها يكون أرق حسًّا وأسرع خاطرًا وأسرع بديهة، وأحلى أو أقوى صوتًا، فيقود الجماعة في هذا الغناء ويلقي إليها بالجملة بعد الجملة موزونة على حركة الرقص، فتعيدها بعده الجماعة أو تقتصر على عبارة واحدة ترددها في فترات سكوته عن الإنشاد، ولكنه لا حقوق للتأليف هنا؛ لأن الروح روح الجماعة، والوحي وحيها، وتميُّز الفرد ليس شديدًا لشدة التقارب، بل التطابق بين الأفراد، وإنما يحدث التمييز ويقوى، ويبرز الفرد ويستقل بعد أن ترتقي الجماعة وتنتظم أمورها على حدود تسمح بأن يكون لكل فرد مجاله، وآماله، ومساعيه، وغاياته الخاصة التي ينفرد بها كإنسان له حياته المستقلة مع بقائه مشاركًا للجماعة فيما يعني كتلتها وجملتها؛ ومن هنا كان من العسير أن تظهر حركة أدبية قوية في أمة تحاول حكومتها أن تصبها في قالب واحد وتفرض عليها في حياتها مثل نظام الجندية، وتحتم على أبنائها أن يتجهوا وجهة واحدة، وأن يكون تفكيرهم مطابقًا لا يختلف ولا تتعدد فيه المذاهب، كما هو الحال الآن في ألمانيا وإيطاليا وروسيا، حيث تقوم ضروب من شتى الدكتاتوريات تفرض كلٌّ منها على جماعتها آراء معينة تلزمها أن تعتنقها ولا تبيح للفرد أن يشذ برأي أو يتجه في تفكيره إلى غير الاتجاه العام، وسيظل الأدب الألماني والروسي والإيطالي ضعيفًا ما بقيت هذه الدكتاتوريات قائمة مبسوطة السلطان، ولن تنشط هذه الآداب، أو يزايلها فتورها الحالي إلا بعد أن تعود للفرد حريته ويرتد إليه استقلاله، وقل مثل ذلك عن تركيا وعن كل شعب آخر تُرجعه الدكتاتورية — بتجنيدها له — إلى مثل حالة الجماعة الأولى.

ونعود إلى ما استطردنا عنه فنقول: إنه متى استقرت أمور الجماعة — بعد ترقيها على الأيام — على حدود معقولة تصان في ظلها حرية الفرد من أن يكون في كفالتها جور على حقوق الجماعة ومصالحها، ظهر الفرد بما يمتاز به، واختلف تبعًا لذلك تعبيره الأدبي عن تعبير الفرد المندمج في الجماعة المتسربة روحه في روحها تسرب الموجة في الموجة؛ والرقي من معانيه التي لا توجد في المعاجم الاختصاص، أو كل امرئ وما يُحس، فبعد أن كان الفرد يقف في حلقة الجماعة ويرقص معها ويغني غناءها وينطق بلسانها ويصدر عن وحي روحها الشائعة المشتركة، يصبح الفرد — تبعًا لمقتضيات الرقي وهو ذو وجود مستقل — ينطق بلسانه ويصدر عن وحي نفسه، ويستلهم روحه لا روح سواه، ويصور ما يجري في خاطره هو، وما يضطرب به جنانه، وما تأخذه عينه، وإنه ليصور روح الجماعة أيضًا فما يستطيع أن ينزع نفسه منها ويحيا بمنجاة من تأثيرها، ولكنه يصورها كما تبدو له هو، وكما يُحس وقعها، وكما يتمثلها في نفسه وخاطره.

وكما أن التعبير الجماعي في الطور الأول يكون أقوى من التعبير العادي الذي تحوج إليه ضرورات التفاهم، كذلك التعبير الأدبي الفردي — بعد حدوث التميز — لا جرم يكون — أو هو ينبغي أن يكون — أقوى وأعلى من التعبير الذي لا يراد به إلا التفاهم في الحياة؛ لأن الباعث على التعبير الأدبي حالة شاذة لا يكفي في الإبانة عنها ولا يغني في نقل الإحساس بها — على حقيقتها وبمثل قوتها — التعبير العادي الذي يلجأ إليه الإنسان في حياته اليومية، ولا غرابة في ذلك، فإن الغضب مثلًا يحوج الإنسان — أو يشعره بالحاجة — إلى حركات وأصوات لا يُحس بالحاجة إليها الساكنُ النفسِ الوادعُ القلبِ، والحب ليس بحادثة يومية كالحوادث العادية التي تضطرب بذكرها المجالس، وكذلك اليأس والندم، وغير ذلك مما تجيش به النفس من حين إلى حين.

نخلص من هذا إلى أن لغة الأدب يجب أن تكون أقوى من لغة التفاهم، وأن تكون مشتملة على عناصر لا ضرورة إليها في لغة التفاهم؛ لأنها لغة الفن لا لغة الحاجة إلى الضرورة، ولو أن الإنسان كان يقتصر في حياته على الضروري وما لا غنى عنه، لما كان للفنون بأجمعها أي محل، ولكنه يأكل ويشرب ويلبس ويتخذ ما يجاوز حدود الضرورات، وما يريد أن يجعل به حياته أتم وأجمل وأسمى، ولو اجتزأ بما يلزمه لكان حسبه الماء شرابًا، والكوخ مسكنًا، والخرقة وقاية، ولكنه يتزيد ويتوسع ويَنشُد مظاهر الجمال والجلال ليكون شعوره بالحياة أتم وأكمل وأوفى وأعمق، وإنه لعلى حق في ذلك، وإن الغريزة التي تدفعه إلى ابتغاء ذلك لمُوَفَّقة، فما له في هذه الدنيا الفانية — أو الجسر المعبور إذا شئت — سوى حياة واحدة لا تُرقَّع كالحذاء ولا تُرفَى كالثوب إذا بليت، ولا تتكرر في هذه الدار إذا انتهت، ولو كان يعرف أنها تتكرر هنا لما ألحت عليه الرغبة في أتم استمتاع بها وأعمق شعور بوقعها، قبل أن تزول إلى حيث لا ترجع على هذه الأرض، وينتفي كل إحساس بها ويمتنع كل وقع لها، وتُحجب كل صورة من صورها، فكون الحياة في الدنيا واحدة لا تتعدد ولا تتكرر ولا تطول إلا إلى حد، وكونه هو مُحسًّا بنفسه وبها —هذان هما المغريان للإنسان بنشدان الشعور التام بها؛ ومن هنا كان الأدب أداة لتعميق الشعور بالحياة ووسيلة لاستيفاء الإحساس بوقعها من كل جانب، وعونًا على استكمال إدراكه لها، وليس الأدب بالأداة الوحيدة أو الوسيلة المفردة، ولكنه أجمل الأدوات وأقوى الوسائل، وإذا كان هذا شأن الأدب وتلك غايته، فهل نحتاج أن نقول إن لغته ينبغي أن تكون من طبقة أرفع من طبقة الكلام الذي نقضي به الحاجات ويحدث بواسطته التفاهم؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.