ولماذا ألقيت على القراء هذه الأسئلة عما يقرءون؟ ولماذا يقرءون؟ وما هي العشرون كتابًا التي يختارها كلٌّ منهم إذا اقتصرت مطالعته على هذا القدر؟ هذا ما يسألني عنه كثير ممن يتفضلون عليَّ بإجاباتهم، وردي بإيجاز أن مستوى التعليم والتربية في مصر واطئ جدًّا، وأن معاهدنا العلمية — حتى الجامعة — لا تُخرج ذلك الطراز من الشبان الذين نطلق عليهم وصف «المثقفين»، وأن ما يعرفه السواد الأعظم من المتعلمين عن الأدب والفنون والعلوم سطحي، وأنه قلَّ من بينهم من يبدو منه دليل على تلك الحكمة الصحيحة التي يكون مبعثها النظر الواسع السامي إلى الحياة؛ فالطلبة يقضون الأعوام الطويلة في التعلم ثم يخرجون وهم لا يمتازون في أذواقهم ونزعات نفوسهم عن الجماهير، أو يفضلونها بسموٍّ في نظرتهم أو رحب في آفاقهم أو بُعد في غاياتهم. والواقع أننا نضيع أعمار أبنائنا في مدارس لا تُعلم شيئًا، وننفق أموالًا طائلة على تربية لا تربي أحدًا؛ لأن التعليم عندنا قد يُكسب الشاب مهارة أو طلاقة في اللسان أو يحشو له رأسه ببعض المعارف التي تفيده في معيشته المادية، ولكنه لا يُفضي إلى تغيير في روحه أو ينقله إلى حالة نفسية أرقى وأسمى، أو يصيِّره رجلًا آخر له معايير جديدة في الحياة، وكل ما يتعلمه لا يؤثر في روحه ولا يصل إلى قرارة نفسه؛ لأن كل ما يتلقاه لا يعدو أن يكون أداة توضع في يده أو سلاحًا يقلده، والأداة والسلاح — ككل أداة أو سلاح — شيء أجنبي عن النفس، يُلقى ويُطرح بعد مزايلة المدرسة أو بعد الفراغ من العمل، ويعود المرء بعد إلقائه واحدًا من السواد كل ميزته سلاحه المطروح.

فهذا التعليم الذي لا غاية له إلا إعداد المرء لبيع السلع، أو القدرة على الجدل أمام المحاكم، أو وصف الأدواء للعلل، أو وضع الرسوم للبنى، أو غير ذلك مما يجري هذا المجرى —هو الذي أريد أن أوقظ النفوس إلى وجوب مجاوزته بالاطِّلاع الخاص ما دام أن معاهدنا العلمية تقتصر عليه ولا يسعها أن تعدوه. وما من شك في أن المجتمع لا يستغني عن التجارة والصناعة والمحاماة والطب وما إلى ذلك، ولكن قصر الغاية من التعليم على هذه الدائرة المحدودة يسفل به جدًّا.

فأنا أرجو بهذه الأسئلة التي ألقيتها أن أشجع وأن أغري القراء بمعالجة هذه العوالم التي تركتها المدارس موصودة في وجوههم وتركتهم جاهلين أمرها، وأن أستحثهم على نشدان حياة أوسع وأكثر ألوانًا وأفتن صورًا، بل أن أبعثهم على إبراز شخصياتهم الدفينة في نفوسهم وإخراج مواهبهم الكامنة، فإن من حق كل إنسان متعلم أن يكون نظره أسدَّ وأنفذ، وتفكيره أسلم وأوضح، وإحساسه أعمق وأدق، ليتسنى له أن يكون مخلصًا لنفسه جريئًا في غير وقحة، مريغًا للكمال في غير عجرفة أو خيلاء.

وقد قرأت للمستر هالدمان جولياس — الناشر الأمريكي الشهير — قصة رواها عن سجين محكوم عليه بالإعدام، قال: «جيمس ستيوارد سجين في سجن سنت لويس، ينتظر إنفاذ حكم الإعدام فيه بعد عشرين يومًا، وقد أراد أن يقرأ في هذه الأيام الباقية له عشرين كتابًا؛ فاختارها وبعث يطلبها، ولم يكن ثَمَّ وقت يُضاع، فإن كل ما له في هذه الحياة عشرون يومًا، وهو يروم أن يقرأ فيها عشرين كتابًا قبل أن يخنق حبل الجلاد كل شعور، ولكن الحظ قسا على جيمس ستيوارد؛ فقد حدث أن تباطأت شركة هالديمان جولياس عدة أسابيع في إرسال ما يطلب الناس منها وفي جملتهم هذا السجين، وشاءت المقادير أن سُجل طلب جيمس ستيوارد في ملفات الشركة في نفس اليوم المعين لإعدامه.

ولا شك أن هذا مأساة وأن سخر المقادير كان فيها مرًّا، وماذا عسى أن تفعل الشركة الآن؟ أترسل العشرين كتابًا إلى أسرته لتقرأ ما حالت الأقدار بينه وبين النظر إليه، ولتمضي عنه العزم الذي خنقه الجلاد؟

ولكن في الأقدار على سخرها رحمة، فقد حدث أن المحكمة العليا في ولاية ميسوري — لأسباب يطول شرحها — أرجأت تنفيذ الإعدام ستين يومًا! هذا ظاهر القصة أو هيكلها المجرد، أما باطنها فيكشف عنه كتاب السجين إلى الناشر وأسماء الكتب التي طلبها، وهذا نص الرسالة:

«طي هذا ريال وعشرون سنيتمًا، وهو ثمن الكتب المبينة على الصفحة الأخرى، وأنا سجين في سجن سنت لويس محكوم عليه بالإعدام، وقد كان موعد الإعدام ٢٦ يناير سنة ١٩٢٣، ولكنه أرجئ ستين يومًا، فصار موعده ٢٧ مارس، فهل لكم أن تعجلوا بإرسال هذه الكتب لتتيسر لي مطالعتها؟ وقد لبثت شهرًا أعالج الحصول على المبلغ اللازم ثمنًا لها، وهذا ما وسعني، وفي مرجُوِّي أن تكفي العشرون سنتيمًا أجرة للبريد، وإني بريء من الجريمة التي حُكم من أجلها عليَّ بالإعدام، ولكنه اتفق لي أن كنت موجودًا في مدينة هركيلينيام ليلة إطلاق الرصاص فقُبض عليَّ (وأنا غريب) وصدر الحكم بالإدانة، ورجائي المبادرة إلى إرسال الكتب بأسرع ما في وسعكم، وتفضلوا … إلخ»

والآن، ما هي العشرون كتابًا التي يشتهي أن يقرأها محكوم عليه بالإعدام في عشرين يومًا هي كل ما بقي من حياته؟! إلى أية ناحية أو نواحٍ عجيبة يتجه عقل إنسان على رأسه هذا القضاء المبرم؟ هذه — على كل حال — أسماء الكتب التي طلبها جيمس ستيوارد:

(١) الأغلاط الشائعة في كتابة اللغة الإنجليزية.
(٢) كيف تحب؟
(٣) كتاب المترادفات.
(٤) محاكمة سقراط وموته.
(٥) أمثال الصين.
(٦) النساء ومقالات أخرى، بقلم ماترلنك.
(٧) القبلة وقصص أخرى، تأليف تشيكوف.
(٨) إحدى ليالي كليوباتره، تأليف جوتييه.
(٩) ديوان الشاعر «بو».
(١٠) نشوء الحب، تأليف إلن كي.
(١١) معجم القوافي.
(١٢) الهيبنوتزم موضحة.
(١٣) التحليل النفسي أو مفتاح السلوك الإنساني.
(١٤) فلسفة الحياة الصينية.
(١٥) حقيقة البوذية.
(١٦) نظرية البعث.
(١٧) فلسفة الحياة البوذية.
(١٨) ما قال عظماء الرجال في المرأة.
(١٩) ما قال عظميات النساء في الرجل.
(٢٠) آخر أيام محكوم عليه بالإعدام، لفيكتور هيجو.

***

أليست هذه مجموعة مدهشة؟ أليست إرادة الحياة أول ما تشي به وتدل عليه؟ ولا غرابة في الرغبة في قراءة «آخر أيام محكوم عليه بالإعدام» فإنها رغبة لها علتها القوية ومناسبتها الواضحة، ومن السهل أن يفهم المرء لماذا يحب هذا السجين أن يعرف كيف تلقَّى المحكوم عليه الموت فيما تخيل هيجو؟ قد يكون نفس الباعث هو الذي ساقه إلى طلب «محاكمة سقراط وموته»، وبعض الناس — حين يدنو أجلهم — يميلون إلى البحث في فلسفة الحياة، فلا غرابة في شوق الرجل إلى الاطِّلاع على فلسفتَي الصين والهند. والحرص على النفس والرغبة في البقاء ملموسان من اختيار كتاب «نظرية البعث». ومن الجلي أن السجين أميل إلى فلسفات الشرق؛ ولعله يشعر لسبب من الأسباب أنها أضوأ وأبعث على الأمل فيما يتعلق بالحياة والموت، وقد يكون اختيار كتاب في تحليل النفس راجعًا إلى رغبته في فك العقد التي انتهت إليها حياته، وفي سبر غور البواعث التي جعلت الناس يُحمِّلونه تبعة جريمة لم يرتكبها؛ وهنا نقف، فما في وسعنا أن نعلل اختيار بقية الكتب؛ إذ ماذا يدفع هذا السجين الذي ينتظر الموت المحتوم إلى قراءة كتاب «نشوء الحب»؟ وأغرب من هذا وأدعى إلى الدهشة انتخابه كتاب «كيف تحب؟»، إن موضوع الحب يجتذبه إليه ويفتنه حتى وهو واقع في ظل المشنقة، وتأمَّل طلبه مقالات ماترلنك وقصص جوتييه وتشيكوف، وما حاجته إلى التنويم المغناطيسي، أتراه يُحس أن قوة خفية قد لوت حياته وشوهتها؟ على أن هذه كتب قد لا يتعذر تعليل الرغبة فيها إذا أطال المرء الفكرة أو بحث عن علاقتها بغريزة الحياة وإرادتها، ولكن ماذا عسى أن نقول في «الأخطاء الشائعة في كتابة اللغة الإنجليزية»، و«كتاب المترادفات» و«معجم القوافي»؟ إنه رجل بينه وبين الموت عشرون يومًا، فغيْر مفهومٍ أن يحب أن يتعلم التقفية وأن يكثر من الألفاظ المترادفة وأن يجنب الأخطاء النحوية؛ ذلك أن هذه كتب تُطلب للإعداد الفني، ولحياة تتسع وتطول ويحتاج صاحبها إلى الثروة اللغوية؛ فليس أبعث على الدهشة من الاستعانة بمثل هذه الكتب على الاستعداد للموت! ثم يجيء فوق هذا «ما قال عظماء الرجال في المرأة» و«ما قال عظميات النساء في الرجل» كلا! لن أحاول استجلاء البواعث التي دفعت هذا الرجل إلى اختيار هذه الكتب العشرين قبل موته بعشرين يومًا، ولكني أقول مخلصًا إن اختياره حسن، وإنه رجل جدير بالحياة وأهل للعفو الذي فاز به.

وقد عرف القراء الآن لماذا قصرت عدد الكتب على عشرين؟ فقد كانت في رأسي هذه القصة وأنا أضع السؤال وألقيه على القراء.

بمثل هذه الروح يستقبل جيمس ستيوارد الموت المقضيَّ به عليه وهو بريء، وبهذه العدة الذخيرة يخطو إلى حبل المشنقة، فعلى أي نحو ينبغي أن يكون استقبال الحياة؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.