لعل القراء يذكرون أن قنبلة انفجرت في سنة ١٩٤٦ أمام منزلي حين وقفت ببابه سيارتي، وأن البوليس عثر في عرض الطريق بقنبلة أخرى لم تنفجر تجاه الباب، وقد كانت الخسائر التي نجمت عن هذا الانفجار طفيفة جدًّا ولله الحمد.

بعد وقوع هذا الحادث بزمن وجيز، جاءني صديقي المرحوم عبد الحميد إبراهيم صالح، وأخبرني أن الشيخ حسن البنا، المرشد العام للإخوان المسلمين، يريد أن يحضر إلى بيتي ليؤكد لي أن الإخوان لا يد لهم في الحادث، وقلت لصديقي: لا ضرورة لهذا فأنا لا أتهم الإخوان المسلمين ولا أتهم غيرهم؛ لأنني لا أعرف أن لي أعداء من أي هيئة أو أي جماعة.

وبعد أيام عاود صديقي الكرة وعاودت أنا الاعتذار، فقال: فهل لديك مانع من أن تشرب فنجان قهوة عندي ويكون الشيخ حاضرًا، وأجبته: لا مانع من ذلك، وذهبت إلى بيته في الموعد الذي اتفقنا عليه فألفيت الشيخ سبقني إلى هناك، وكنت أعرف الشيخ من قبل إذ كان رفيق سفر لي بالحجاز سنة ١٩٣٦، ثم رأيته بعد ذلك وأنا وزير للمعارف وهو مدرس للغة العربية بإحدى مدارس الحكومة.

وبعد أن تناولنا القهوة أكد لي الشيخ في أدب وتواضع أن الإخوان المسلمين لا شأن لهم بالقنبلة التي انفجرت أمام منزلي، وأنهم على العكس من ذلك يضمرون لي كل مودة وتقدير، قلت: إنني لا أتهم الإخوان ولا أتهم أحدًا، وأنا لا أعرف لي أعداء يريدون بي السوء، وحسبي أن الله أنجاني وأنجى أهلي من مغبة ما حدث، فذلك شاهدي على رضاه وعنايته.

وبعد ذلك بزمن وجيز قابلت الملك السابق فاروق لمناسبة لا أذكرها، فلما رآني بادر بتهنئتي بالسلامة من حادث القنبلة ثم أردف: ولقد كنت في تلك الليلة على مقربة من منزلك، فلما سمعنا دوي الفرقعة ذهبت إلى مكانها، وسألت عن أثرها، وسرني أن أحدًا لم يصب من جرائها بسوء، وشكرت للملك السابق تهنئته، كما شكرت قبل ذلك لمرشد الإخوان المسلمين لحرصه على التأكيد بأن جماعته بعيدة عن الحادث، وأنها تضمر لي المودة والتقدير.

وفي هذه الأثناء، أبلغنا رجل البوليس القائم على باب المنزل أن شابًّا وقف قبالته وأخذ يرسم المنزل، وأنه قبض على هذا الشاب وأخذ منه الورق الذي كان يرسم فيه، واطلعت على هذا الورق فإذا عليه رسم تخطيطي للمنزل، ولما سُئل الشاب قال: إنه طالب بقسم العمارة بكلية الهندسة، وإن عمارة البيت راقته فأراد أن يحتفظ لنفسه برسم تخطيطي منها، ولم أر أنا هذا الشاب ولم أسأل من بعد عن مصير أوراقه ورسمه التخطيطي.

وقد عادت هذه الحوادث الثلاث بعد ذلك إلى ذاكرتي في أكثر من مناسبة، أما حادث الشاب الطالب بكلية الهندسة — على قوله — فلم يترك في نفسي أثرًا؛ لأنني آثرت تصديقه ولم أعلق عليه أهمية، أما الحادثان الآخران فقد ترددا أمام ذهني في السنوات الأخيرة بسبب ما نشرته الصحف عن نشاط يأباه القانون، على أنني بعد أن قلبت الأمر على وجوهه لم أجد جوابًا إلا ما دار بخاطري منذ اللحظة الأولى، لذلك بقيت لا أتهم أحدًا لأنني لا أعرف لي أعداء يريدون بي السوء.

على أنني أسفت لمثل هذا النشاط الذي يأباه القانون بوجهه فرد أو توجهه جماعة لمن يخالفونهم في الرأي، فالخلاف في الرأي من طبائع الحياة، والخلاف في الرأي هو الذي دفع الإنسانية خلال القرون في طريق الرقي والتقدم، ولو أن الناس جميعًا كانوا على رأي واحد في كل الأمور لما كان تقدم ولا كان علم.

أترى العنف هو الآخر بعض طبائع الحياة؟ لقد كان ذلك في عصور التأخر، كانت القبيلة تحارب القبيلة وكانت الجيوش تلتقي وتقتتل، ومن أسف أن ذلك لا يزال يقع في عالمنا الحاضر رغم ما أدى إليه العنف من دمار وتخريب لمظاهر الحضارة نفسها، فهل يزال الناس تحركهم غرائزهم الحيوانية أكثر مما يهديهم عقلهم بعد أن ينير بصائرهم، وهل على الإنسانية أن تبقى في هذا الضلال دهرًا طويلًا؟

مهما يكن من شيء فإنا لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا عليه توكلنا وعليه فليتوكل المؤمنون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.