عرفته من بعيد كما عرفه المثقفون جميعًا في أقطار الأرض كلها؛ لأن شخصيته الثقافية والسياسية فرضته على هؤلاء المثقفين فرضًا منذ الحرب العالمية الماضية.

ولعلي قد سمعت اسمه لأول مرة قبل تلك الحرب، وقبل أن أتصل بالثقافة الأوروبية اتصالًا مباشرًا، حين كان الطلاب المصريون الذين كانوا يدرسون في مدينة ليون يتحدثون بشئون مصر السياسية، فيجدون من عمدة المدينة رعاية لهم، وعناية بهم، وعطفًا عليهم. ثم سمعت اسمه حين كنت طالبًا في باريس أثناء الحرب، وحين كان وزيرًا من وزراء الحرب، وحين كان الفرنسيون يذكرون اسمه في شيء كثير من الحب الباسم والدعابة الرائقة. فقد اقترن اسمه دائمًا في نفوس الفرنسيين بالحب والدعابة والابتسام؛ لأنه هو نفسه مبتسم دائمًا، مداعب دائمًا، محب دائمًا.

ثم سمعت اسمه بعد ذلك يُذكر في أجيال من الذين تخرجوا في مدرسة المعلمين العليا مقرونًا كذلك بالدعابة والابتسام والحب، وسمعت تندر هؤلاء الأجيال من خريجي مدرسة المعلمين العليا بدعابة هذا الوزير الممتاز حين كان طالبًا في هذه المدرسة، وعبثه بأترابه وأساتذته، ومقرونًا كذلك بكثير جدًّا من الثناء على حديثه العذب، وأدبه الغض، وبحثه العلمي الممتاز. ثم قرأت كتابه عن الحسناء الفرنسية المعروفة مدام ريكامييه، فأُعجبت بالكتاب أشد الإعجاب، وأكبرت الكاتب أعظم الإكبار، وتتبعت ما ظهر من كتبه، وترقبت ما كان ينتظر أن يظهر، وأصبحت منذ ذلك الوقت صديقًا له من بعيد. ثم كثر ذكر إدوار هريو في الصحف الفرنسية والعالمية؛ لأنه أصبح منذ سنة ١٩٢٤ مؤثرًا عظيم الخطر في السياسة الفرنسية والعالمية، ولم أره مع ذلك إلا في صيف ١٩٣٧.

وقد لقيته في باريس حين اجتمع أصدقاء المدارس الفرنسية في الشرق برياسته، فلم أكد أسمع منه، وأتحدث إليه حتى استيقنت بأن الصورة التي ارتسمت له في نفسي كانت مقاربة شديدة الصدق.

ثم كثر التقاؤنا بعد ذلك في تلك المؤتمرات التي كانت تُعقد في باريس حول المعرض العالمي، كمؤتمر التعليم الجامعي، ومؤتمر التعاون الفكري، واللجنة الدائمة للفنون والآداب. ولم أكن أقدر أن الصلة بينه وبيني ستزيد على هذا المقدار، ولكني لم أكد أعود إلى مصر في آخر الصيف من ذلك العام، وأستقر فيها أشهرًا حتى علمت أنه سيزور مصر؛ ليضع الحجر الأساسي للمدرسة الفرنسية التي أُنشئت في هليوبوليس. والناس يذكرون وصوله إلى هذه البلاد في أبريل سنة ١٩٣٨، واحتفاء الحكومة والجامعة به، وتكريم المثقفين المصريين له، وإهداء الجامعة إليه درجة الدكتوراه الفخرية. وقد كنت ألقاه في هذه الحفلات كلها كما كان يلقاه غيري من المصريين، إلا أن إهداء درجة الدكتوراه إليه أنشأ بينه وبيني صلة خاصة. فقد كنت عميدًا لكلية الآداب التي أهدت إليه هذه الدرجة الفخرية. وكان منذ ذلك الوقت يزعم أني أصبحت عميده، وأنه أصبح يدين لي بشيء من الخضوع على حد قوله. ولست أنسى أنه لقيني بعد ذلك في المفوضية الفرنسية بهذه الجملة الظريفة: «سيدي العميد: لن ترى بين زملائك من سيكون أحرص مني على طاعتك.»

وقد زرت معه حفائر الجامعة في تونة الجبل، ونزلنا ضيفًا على صديقنا الأستاذ سامي جبرة، وأقمنا في هذه الحفائر يومًا كاملًا، رأيت فيه من قرب إدوار هريو زائر للآثار مستقصيًا للبحث قارئًا للنقوش اليونانية، مجتهدًا في قراءة النقوش الهيروغليفية مستعينًا على هذه وتلك الأساتذة جوجيه، ودريوتون، وسامي جبره، مستفسرًا مستوضحًا ملحًّا في الاستفسار والاستيضاح، مناقشًا فيما يلقى إليه، مقيدًا ما يسمع. كل ذلك في جو شديد القيظ، فقد كنَّا في شهر مايو، وفي أيام كالتي شهدناها في الأسبوع الماضي، وفي الصحراء. وقد بدأ إدوار هريو زيارته للآثار مع الصبح ولم يسترح إلا حين دُعي إلى الغداء، ولعله ضاق بالدعوة إلى الغداء؛ لأنها قطعت عليه ما كان يحب أن يمضي فيه من البحث والاستقصاء. ولكننا نحن نعمنا بهذه الساعات القليلة التي قضيناها معه حول المائدة، وفي ظل حجرة من الحجرات نسمع منه، ونتحدث إليه في فنون مختلفة من الحديث، في الأدب والتاريخ، ولكنه كان يحرص على أن يفر من الأدب والتاريخ؛ ليسأل أصحاب الآثار عن آثارهم، وأصحاب الزراعة عن زراعتهم، فقد كان معنا من يعنى بالزراعة ويستطيع القول فيها. ولم تنتهِ الساعة الرابعة حتى أذن إدوار هريو في أصحابه باستئناف البحث، وزيارة الآثار، ومضى في ذلك ومضينا معه، حتى أقبل الليل، هنالك جلسنا نستريح حول تلك الساقية الرومانية التي اكتشفها الأستاذ سامي جبرة، والتي أُديرت في تلك الساعة، وجعلت تسمعنا صوتها الشجي، وتسمعنا خرير الماء في الصحراء المحرقة المرهقة، وجعل إدوار هريو في أثناء ذلك يسمعنا حديثه العذب، حديثه الذي لم يكن يتصل بالسياسة، ولا بلون معين من ألوان الثقافة، وإنما كان يرتفع عن هذا كله، ويمس هذا كله مسًّا رفيقًا. وأذكر من حديثه ذاك قوله لنا إنه وقد بلغ السادسة والستين من عمره، لا يحزن على شيء كما يحزن على ثلاث خصال: فهو لم يأخذ من الموسيقى الحظ الذي كان يتمناه، وهم لم يتعلم من اللغات الأجنبية المقدار الذي كان يحب أن يتعلمه، وهم لم يستطع أن يتخذ لنفسه دارًا في الريف الفرنسي. أمَّا أنَّه لم يستطع أن يتخذ لنفسه دارًا في الريف، فشيء ليس فيه شك. وأمَّا أنَّه لم يتعلم اللغات الأجنبية كما كان يحب، فيكفي أن نعرف أنه يحسن من هذه اللغات الأجنبية: الإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، والإسبانية، وكان في ذلك الوقت يدرس الروسية. ثم دفعته زيارته لمصر إلى دراسة الهيروغليفية. ولست أذكر اليونانية واللاتينية؛ لأنه علم من أعلام الدراسات القديمة. وأمَّا أنَّه لم يحسن الموسيقى، فيكفي أن نعرف أن كتابه عن بتهوفن، هو خير ما أخرج للناس في فرنسا عن هذا الموسيقي العظيم. ولكنك تعرف الرجل المثقف الممتاز بهذه الخصلة التي تميزه من غيره حقًّا، وهي أنه شَره إلى المعرفة مهما يُحصِّل منها، ساخط على إنتاجه مهما يبلغ من الجودة والإتقان.

وقد مضى إدوار هريو في زيارته لآثار مصر إلى غايتها، فحمَّل نفسه، وحمَّل أصحابه جهودًا ثقالًا. ولكنه عاد إلى فرنسا، فلم يمكث فيها أشهرًا، حتى أخرج كتابه عن هذه الزيارة، وإذا هو من خير ما يُقرأ، ومن أعظم الكتب التي أُخرجت في هذه الأيام عن الشرق الأدنى حظًّا من اللذة والإمتاع.

وأخص ما يمتاز به إدوار هريو فيما يقول هو حبه لأداء الدَّيْن، فلم يكد يحول الحول على زيارته لمصر، وتلقيه فيما تلقَّى فيها من الحفاوة، حتى كانت الحكومة الفرنسية تهدي إلى وزير المعارف إذ ذاك، وإلى وزير المواصلات، وسام اللجيون دونور. أحد الوزيرين تلقاه في الجامعة، وقدم إليه باسمها دبلوم الدكتوراه، والآخر يسر له أسفاره في أنحاء المملكة. وحتى كانت جامعة ليون تدعو عميد كلية الآداب لشهود افتتاح العام الجامعي فيها في نوفمبر سنة ١٩٣٨، وتهدي إليه درجة الدكتوراه الفخرية. وحتى كنت أقضي مع عمدة ليون في مدينته يومًا كالذي قضاه معي في القاهرة، وفي تونة الجبل.

على أن حب إدوار لأداء الدَّين عنصر أساسي من عناصر شخصيته السياسية، فالفرنسيون جميعًا يعرفون هذه الخصلة من خصاله، يحبها كثير منهم، وينكرها كثير منهم أيضًا؛ لأنه لا يرضى لنفسه أن يلتوي بدينه الخاص، ولا يرضى لوطنه أن يلتوي بدينه العام. وقد اختلف الفرنسيون في أداء ديون الحرب الماضية إلى أمريكا، أو في طريقة أداء هذه الديون. فكان فريق منهم يريد أن تُلغى هذه الديون كلها أو بعضها، وكان كليمنصو على رأس هؤلاء الناس. وكان فريق آخر يريد أن تؤدى هذه الديون، يرى أن الالتواء بالدَّين لا يلائم مكانة فرنسا، ولا منفعتها في المستقبل. وكان هريو على رأس هؤلاء الناس، وقد سقطت وزارته من أجل حرصه على الوفاء بالدين.

فإذا أردت أن تعرف عنصرًا آخر من العناصر الأساسية لشخصية هريو السياسية، فهو حبه للسلم، واستعداده للتضحية في سبيل هذه السلم بكثير جدًّا من ألوان الغرور الوطني. فهو الذي خاصم بوانكاريه حول احتلال وادي الرور، ولم يسترح حتى أجلى الجيوش الفرنسية عن هذا الجزء من أجزاء ألمانيا؛ إيثارًا للعافية، وحرصًا على استصلاح المغلوبين، واجتناب الكيد الذي كان يُكاد حول فرنسا مع بعض حلفائها. وهو الذي سعى وألح في السعي؛ للتقريب بين فرنسا وروسيا السوفيتية؛ فزار روسيا غير مرة، ودافع عن استئناف العلاقات معها، واستئناف السياسة التقليدية بينها وبين وطنه دفاعًا عرَّضه لكثير من العنت، ولألوان الكيد الذي كاده له رأس المال، وأنصاره من المحافظين.

وقد كان إدوار هريو لسان أنصار السلم من الفرنسيين في عصبة الأمم، ورئيس لجنة التعاون الفكري في هذه العصبة، وخطبه السياسية والثقافية في جنيف ما زالت باقية في آذان الذين سمعوها، وفي أذهان الذي قرءوها إلى الآن.

وهناك عنصر آخر يكمل الشخصية السياسية لأدوار هريو، وهو يتصل بالسياسة الفرنسية؛ فإدوار هريو ديمقراطي بأوسع معاني هذه الكلمة وأدقها، لا يكاد يفصله من الاشتراكيين إلا استبقاؤه للملكية، واحتياطه في تسليط الدولة على كل شيء. وهو الذي قرر المجانية في التعليم الثانوي الفرنسي، وترك في التعليم الفرنسي كله آثارًا لا تُمحى؛ فهو من أشد المؤيدين للمدرسة الواحدة، ومن أشد المقتنعين بمدنية التعليم، ومن أقوى المجاهدين في جعل التعليم على اختلاف فروعه ودرجاته حقًّا مباحًا للمواطنين جميعًا لا يردهم عنه فقر وضعف، ولا طبقة اجتماعية مهما تكن.

هذه هي الشخصية السياسية لإدوار هريو أجملتها إجمالًا شديدًا جدًّا. فأما شخصيته الأدبية فرائعة حقًّا، فلست أعرف أني لقيت رجلًا ظفر بمثل ما ظفر به إدوار هريو من هذه الثقافة الواسعة إلى غير أمد، العميقة إلى غير مدى، المترفة إلى غير حد. وما قولك في رجل يستطيع أن يتحدث في أي لون من ألوان العلم، وفي أي ضرب من ضروب الأدب الفرنسي والأجنبي، وفي أي فن من الفنون الجميلة، وفي أي فرع من فروع السياسة والإدارة، حديث المتقن العالم بما يقول، الفاهم لما يسمع، لا حديث من يتكلف أو يصطنع أو يستعير، وإنما هو أصيل في كل ما يأخذ فيه من أطراف الحديث، وكتبه نفسها تصوِّر أروع تصوير هذه الثقافة الواسعة العميقة المترفة ذات الألوان المختلفة، والثمرات المتباينة. فهو يكتب في الأدب الفرنسي، وفي التاريخ الفرنسي، وفي الفن الفرنسي، وهو يكتب في تاريخ الثقافة الإسكندرية القديمة، وهو يزور البلقان، فيكتب عن البلقان، وعن اليونان خاصة، ويزور الشرق فيكتب عن الشرق، عن تاريخه القديم والحديث، وعن الصلة بينه وبين أوروبا، ويزور مصر فيكتب عن مصر قديمها وحديثها، وهو يكتب في الموسيقى، وهو على تقدم سنه، وكثرة عمله في رياسة مجلس النوَّاب، وإدارة مدينة ليون، وفي ما ينشئ من الكتب، وما يدرس من مصادر التاريخ للثورة الفرنسية في مدينة ليون، يتعلم الروسية، ويتعلم الهيروغليفية، ويحاول أن يتعلم العربية. وهو على هذا كله أشد الناس هدوءًا، وأعظمهم اطمئنانًا، وأوفرهم حظًّا من اعتدال المزاج، لا تلقاه إلا راضيًا، ولا تراه إلا باسمًا، ولا تتحدث إليه إلا سمعت منه الفكاهة النادرة والنكتة الظريفة، والحديث الذي يغذو العقل والروح. وبينما كان إدوار هريو ماضيًا في حياته هذه الهادئة العنيفة الخصبة، أقبلت الحرب العالمية الثانية، فلقيها كما لقي الحرب الأولى حازمًا عازمًا باسمًا مؤمنًا بأن الكلمة الأخيرة ستكون للحق والعدل، وبأن وطنه سيخرج من الحرب الثانية ظافرًا كما خرج ظافرًا من الحرب الأولى.

ولكن الكوارث تلم، والنوائب تنوب، وإذا الجيوش الفرنسية تقهر، وإذا الماريشال بيتان يطلب الهدنة، ويقبل شروط المنتصر، وإذا نظام الحكم في فرنسا يتغير، وتقوم فيها حكومة الطغيان بأعين العدو، وإذا الزعماء الفرنسيون الأحرار يتفرقون، فمنهم من يُتاح له الفرار، ومنهم من يأخذه العدو. ولكن إدوار هريو مقيم على عهده لفرنسا الكبرى ذات النظام الديمقراطي الصحيح، يدير الشئون في مكتب مجلس النوَّاب كما كان يفعل قبل أن تلم الملمة، والنذر تسعى إليه سرًّا وجهرًا فلا يحفل بها، ولا يلتفت إليها، والرئيس روزفلت يدعوه إلى أمريكا ليقيم فيها حتى تنجلي الغمرة فيعتذر شاكرًا.

ثم تنتهي المحنة إلى أقصاها فيؤخذ ويُعتقل، ويُمتحن في جسمه وفي عقله، فهو لا يستمتع بما تحتاج إليه سِنُّه من العناية، ولا يستمتع بما يحتاج إليه عقله من الغذاء، وإنما هو أسير في يد الفرنسيين المتعاونين مع ألمانيا، وفي يد الألمانيين.

ثم يُنقل إلى ألمانيا، ويقيم فيها بين بوتسدام وبرلين في مستشفى من المستشفيات، حتى يأتي الجيش الأحمر فينقذه من الأسر، ويرده إلى الحرية.

وقد أخذه الجيش الأحمر فُجاءة، ورده إلى الحرية عجلًا، وبعد به عن المستشفى أمدًا غير قصير. ولكنه حريص دائمًا على أداء الدَّين، وهو لم يودِّع مدير المستشفى الألماني، ولم يشكر له أنه كان حسن الرعاية له، فهو يستأذن القائد الروسي، ويلح في الاستئذان حتى يرده القائد إلى المستشفى، فيشكر مضيفه الألماني، ويودِّعه وداعًا جميلًا، وفي نفسه مع ذلك من بغض الألمان نار ليس إلى إطفائها من سبيل.

وقد لقيت إدوار هريو ظهر الخميس الماضي، واجتمعت معه بعد هذه المحنة، كما اجتمعت معه قبلها حول مائدة الغداء، وتحدثت إليه وسمعت منه بعد الغداء، فإذا هو كعهدي به لم يتغير، وقد سألته وأنا أودعه: أتصدر لنا كتابًا في وقت قريب؟ قال وهو يضحك، ويضع يده على كتفي: في وقت قريب جدًّا أيها الصديق العزيز.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.