قصة المجنون — مجنون ليلى — مشهورة، يعرفها حتى الذين لا اطلاع لهم على الأدب العربي، وبحسبك أن نقول «مجنون ليلى» لترتسم في ذهن السامع أو القارئ صورة قريبة من الصحة لما يُروى عن هذا المخبول، وقد تكفل بإحيائها وتخليدها في آدابنا النساء وأشباههن من الرجال، وجاء شوقي بك فصاغ منها رواية مثلتها فرقة السيدة فاطمة رشدي، وطبعها طبعًا أنيقًا محلًّى بالصور السخيفة التي لم نكن نظن به أن يرتضيها ذوقه، وقد قرأتها وشهدت تمثيلها؛ فأرضاني التمثيل وأسخطني الموضوع وأعجبتني اللغة، ولشوقي بك — مع الأسف — شغف بهذه الموضوعات التي تنكرها الرجولة، فقد وضع منذ عام أو نحو ذلك قصة كليوباترا، وصاحبها مارك أنطوني الذي كان قائدًا ممتازًا، فأذواه الحب وأنساه كل واجب وردَّه ظلًّا لامرأة، لا قوة له ولا إرادة ولا رجولة ولا همَّ إلا الحب، فأي شيء هذا الحب؟ غير منكور أنه أقوى عواطف الإنسان؛ لأنه مظهر لغريزة حفظ النوع، يقابله النوع فيما يتعلق بالفرد وبغريزة حفظ الذات، المرأة — وإن كرهت أن يقال فيها ذلك — أداة لاستثارة هذه العاطفة وإرضائها أيضًا في سبيل النوع، والرجل يصبو إلى المرأة التي تكون أقدر على تنبيه مركز التوليد عنده، ولو لم تكن أجدر النساء به ولا أصلحها له، والمرأة تتعلق بالرجل الذي تقول لها غريزتها إنه أخلق الرجال وأكفلهم بأبنائها النسل الصالح، وكثيرًا ما يخطئها التوفيق ويطيش اختيارها، ولست أرى موجبًا للجنون في كل هذا، والحب ليس غاية، ولكنما هو وسيلة وسبب من أسباب الحياة، وليس صحيحًا ما يقوله شوقي بك في رواية كليوباترا من أن «الحياة الحب والحب الحياة» فإن هذا تخليط، وإنما الصحيح أن المرأة شَرَك تنصبه الحياة وتختزن فيه كل مفاتنها ومغرياتها استبقاءً للنوع، والحب مظهر لوقوع الفريسة في الشَرَك، على أنه شَرَك يقع المرء فيه ولا يعيبه مع ذلك أن ينهض به ويمضي في طريقه آخذًا سمته إلى ما عسى أن يكون له من الغايات، وليس بالنادر ولا من الفلتات أن يكون حمل هذا الشَرَك أعون للمرء وأشد استحثاثًا له؛ فإن للحياة قدرة عجيبة على تسخير العواطف الإنسانية في غير ما نشأت من أجله، فقد يكون الحب أشحذ للهمة، وربما دفع صاحبه في طريق البطولة، أو أيقظ الراقد من مواهبه، أو كشف عن الكامن في أعماق نفسه.

ومهما يكن من الأمر فإن الحب من أسباب الحياة ووسائل البقاء المادي للنوع والأدبي للفرد؛ فمن المسخ — ولا شك — أن ينقلب مرضًا يُذوي الجسم ويُذبل الروح، ويَسلب النفس كل قدرة على الكفاح ويردها حميلة على العالم، والحب شهوة وأمل، ولا ينبغي أن تكون خيبة أمل ما قاضيةً على الحياة، والحياة طلوع ثنايا ومصارعة منايا، والناس يخطئون ويصيبون، وينهضون ويكبون، ويوفَّقون ويخيبون، وكلهم يقضي حق الحياة عليه ولا يمطلها دينها، بل يؤديه إليها من دمه وقوته وعمره.

وليست الخيبة في الحب أو في غيره إلا إخفاقًا في بعض ميادينها دون سائرها، وليس من حق هذا أن يقصم الظهر أو يطير العقل، أو يجعل الإنسان كالورقة المبلولة، والرجل الكفء للحياة هو الذي يحاول كلما عثر أن ينهض كَرَّة أخرى، لا الذي يخلد إلى التراب إذا زل أو كبا، وليس عمل الرجل في الحياة أن يبكي وينوح ويلطم ويندب ويشكو ويتوجع ويخسر نفسه ويفقد رجولته، بل عمله أن يصارع ويغالب، يصارع قُوى الطبيعة نفسها ويغالب عناصر الضعف والفناء، والصراع هو الأصل في الحياة، وهي لا تقوم إلا عليه ولا سبيل إليها بدونه، بل هي تنتفي إذا امتنع، وما هو الموت؟ أهو شيء إلا أن الصراع قد بطل؟

والأدب الحي يجب أن يكون قوامه صحة الإدراك، ومن سوء الإدراك أن يستخدم الأدب مواهبه في نفث الضعف في النفوس وبث روح الهزيمة فيها، كما يفعل شوقي بك وكما فعل المنفلوطي رحمه الله، وقد ظللت بعد قراءة «مجنون ليلى» أعجب لشوقي بك، لماذا يُؤْثر أن يُسخِّر قدرته في إفشاء الخور وإشاعة الضعف؟ لقد كان من ألف مندوحة عن اختيار هذا الموضوع لشعب مفتقر إلى كل أسباب القوة ولا يكاد ينقصه من عوامل الضعف شيء!

وشعرت وأنا أشهد تمثيل هذه الرواية — ومعي ابني — أن من واجبي نحوه أن أحاول أن أمحو ما عسى أن يكون لها من أثر في نفسه وأن أقاوم إعدادها له، واضطرني ذلك إلى التطرف فقلت له: «إن الحب ليس بعيب، فإني أحبك وأنت تحبني، وتحب أخاك، وقد تحب غدًا امرأة لم تكن تعرفها، ولا ضير من ذلك ولا بأس عليك منه، ولكن المرأة التي قد تَكلَف بها غدًا ليست الأنثى الوحيدة في هذه الدنيا، وقد تكون جميلة رائعة، أو خلابة ساحرة، غير أن هناك إلى جانبها مئاتٍ وآلافًا من الجميلات السواحر؛ فإذا صدَّت عنك وأعرضت فلا تقتل نفسك عليها؛ فإن غيرها خير منها وأجمل وأسحر، وليس من حق المرأة أن تتيه على الرجل بجمالها، والرجل أحق أن يتيه عليها بحبه لها، وما قيمة جمال ليس له وامق محب؟ والجمال عارية تُرد، وهو ألوان تبهت ومعانٍ تفتر، وليس الحب كذلك؛ فإني سأظل أحبك إلى أن ألفظ آخر أنفاسي، ولتكن كيف شئت فإن لك في قلبي موضعه الذي لا يزحزحك عنه شيء، وقد أُخفي ذلك وأُظهر خلافه، ولكن الحقيقة باقية، والحسن هبة من الحب، والمرأة لا يمكن أن يمتعها جمالها إذا افتقدت معنى الحب، والمحب يُهدي إلى المرأة الشعور بالجمال، ويخلع عليها وشيه ويكسوها سحره، فإذا هي فقدت الحب فإن جمالها يكون موجودًا كمعدوم، وهل تستوي الزهرة في العمران والزهرة في البيداء؟ والجمال جمال بأن تهواه أفئدة الناس والفضل فيه للمحب، وهو أحق بالدلال والتيه … إلخ إلخ.» إذ كان لا بد من ذلك.

ومن أعاجيب شوقي بك أن كل الرجال كما صورهم في روايته ضعاف مهازيل، وأن كل النساء قويات! فَقَيْس مجنون يهيم على وجهه في الفلوات، ولا يكاد يسمع أن ليلى ماتت حتى يقضي نحبه فوق قبرها؛ على حين تبدو ليلى حصيفة أريبة، وكيِّسة حازمة، لها على أبيها وزوجها وعشيرتها ولَذَّاتها سلطان غير منكور، وإن لم يكن حبها لقيس دون حبه لها، وزياد ظِلٌّ لقيس أي ظِلٌّ لمجنون ملتاث، ليس له وجود مستقل ولا حياة قائمة بذاتها؛ والمهدي أبو ليلى من أشباه الرجال، رأيه ما رأت ليلى وإرادته ما أرادته؛ ترفض قيسًا فيرفضه، وتأمره أن يزوجها وردًا فيفعل؛ وابن عوف — أمير الصدقات وعامل بني أمية — رجل منافق جبان، والنفاق ضعف؛ وآية ذلك أنه وهو في قلب الفدفد الخراب يقول لكاتبه نصيب:

و«منازل»، و«بشر» جبانان زَرِيَّان، و«ورد» زوج ليلى مخرف عشقها خيالًا من شعر المجنون، فلما تزوجها لم يمسسها حتى ماتت، وليست كذلك ليلى فإنها القوية المسيطرة، ولا هند فإنها المفندة الساخرة، فعجيب من شوقي بك أن يجعل كل رجال روايته أشبه بالنساء، وكل نسائها أشبه بالرجال وأولى بأن يكونوهم!

وقد تعمد شوقي بك أن يبني روايته على التقليد والمحاكاة من غير حاجة إلى ذلك؛ فحاول أن يقلد في الفصل الثالث خطبة مارك أنطوني على جثة قيصر في رواية شكسبير، وبلغ من قلة توفيقه أن يجعل الخطيب رجلًا مشهورًا بالجبن ومتَّخَذًا هزأة في الحي، ووضع على لسانه كلامًا غثًّا لا يحرك ذبابة، وقلد في فاتحة الفصل الرابع منظر الجن في رواية تليماك، وعالج أن يجيء بمثل منظر الشبح في رواية هملت، ولو خلت الرواية من كل هذه المناظر لما نقصت شيئًا، ولخطبة مارك أنطوني داعيها، وهو الرغبة في إثارة الشعب على قتلة قيصر، وقد حققت في الرواية الغاية منها، ولا داعي لخطبة «منازل» الجبان الهزأة، وقد انتهى أمرها إلى غير نتيجة سوى إشقاء صبر القارئ، وللشبح في رواية هملت علته الطبيعية؛ فإن أباه مقتول، ونفس هملت تهجس بالانتقام، وهذيان الحواس مرض يعرفه الطب ولا ينكره، ولكن عفريت المجنون لا طعم له ولا موجب، وليس له أصل يحور إليه سوى ما كان العرب يقولونه جادين أو هازلين من أن لكل شاعر عفريتًا من الجن يوحي إليه ويُجري لسانه بالشعر، ومن أجل هذا الشبح الغليظ الكثيف أثار شوقي بك الجن وجعلهم أضحوكة: يشكون ظلم الإنسان لهم واستبداده بهم وتحكُّمه فيهم، وإن كانوا يزعمون أنهم جبابرة من نسل الجبار الأكبر إبليس الذي يعز من ينتمي إليه.

ومن الحشو الذي لا معنى له إقحامه «القريض المُغنَّى» في الرواية؛ فقد جاء به في آخر فصولها بلا أدنى مناسبة، وجعله يمر بقبر ليلى، وأطلق ألسنة رفقائه بالطعن فيه، وأجرى لسانه بغناء ثم أخرجه؛ ومن أمثلة الحشو أيضًا أنه جاء بابن ذريح على قبر ليلى لغير موجب سوى أنه يمكِّن المجنون من أن يقول هذين البيتين:

هذا من حيث الموضوع والتأليف، أما العبارة فمتينة الأسلوب جزلة، وأما الأداء فمحكم رصين، لا عيب فيه ولا مأخذ، وإن خلا من الموسيقية، وشعر شوقي كله كذلك تعوزه الرنة الموسيقية، وقد أسرف في استعمال طائفة من الألفاظ حتى ابتذلها، من ذلك كلمة العبقري التي وصف بها الشعر والحب والحسن وكل ما يخطر على البال حتى أدالها وغثانا بها، ولو غيْر شوقي كان قائل هذا الشعر لقلنا معدم يفرح بثوب يتيم ليس له توأم.

ولا يغض هذا من فضل شوقي في هذا النهيج؛ فإنه — ولا مكابرة في الحق — مفترع هذا الطريق البكر، وما نراه إلا يزداد نضجًا على ارتفاع السن، فإن شعره في الجملة — إلا قصائد قالها مضطرًا — بعد لبثه سني الحرب في الأندلس خير وأجود وأرصن من شعره قبل ذلك.

ولا بد من كلمة في الإخراج والتمثيل، فقد كان عرض الرواية على المسرح جهدًا مشكورًا للأستاذ عزيز عيد والسيدة فاطمة رشدي والأستاذ علام، ومع أنه ليس ثَمَّ شيء تقيس عليه الفرقة من حيث تأليف المناظر وأسلوب العرض وطريقة الإخراج، فقد جاء كل ذلك وافيًا حقيقًا بالثناء، وعرَفَت الفرقة للشاعر حقه، ولم تُفسد كلامه ولا بلحنة واحدة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.