لكل بلد في عالمنا هذا مشاكله ومعضلاته، ما بين داخلية وخارجية، فليس ببدع ولا مستغرب أو مستنكر أن تكون لبلادنا العربية مشاكلها ومتاعبها، ولعل ما تعانيه الدول الكبرى من ذلك أفدح وأبهظ مما تعانيه دولنا العربية الحديثة، وأخطر أيضًا على سلام العالم واستقرار أموره؛ لأن للدول العظمى آرابًا تتجاوز حدودها، وهي تجني على الأمم المجاورة لها — بل البعيدة — بهذه الأطماع، التي يغريها بها الجشع أو الحاجة، ثم تتلاقى الكبار وتتزاحم على النفوذ والسيطرة من أجل الخيرات التي تنشدها، والمواقع التي تبغي الاستيلاء عليها للدفاع أو الهجوم؛ فيقع التصادم، وتنشب الحروب. أما الصغار من الدول فكل مبتغاها أن تكون آمنة السرب، مطمئنة على حريتها واستقلالها، قادرة على التفرغ لشئونها الخاصة في أمان من صروف الحذر، ولعلها لو أمنت واطمأنت وتخلت لترقية أحوالها وتقوت، لطمعت في الاستعلاء، وأدارت عيونها فيما حولها طلبًا للتوسع، فإن القوة تورث النهم، ولكنها إلى الآن لا قوية ولا آمنة — وهذه هي مشكلتها جميعًا.

فليس بين الدول العربية — إذا استثنينا المملكة السعودية — دولة آمنة أو مطمئنة على حقها وحريتها، أو في فسحة من أمرها تسمح لها بالتخلي للعمل على العناية بمراشدها، وحتى الدولة العربية السعودية لا ترى أن لها أن تطمئن إلا إذا أدركت بعض الغايات، ومددت حدودها، هنا وههنا، بعض المد، واستولت على بعض المواني — مثل العقبة — أو البلدان، وضمنت خلوص النية وصدق السريرة من هذه الناحية أو تلك، ووفقت في بعض المساعي، مثل الحيلولة دون قيام دولة صهيونية في فلسطين، ومثل تحقيق مشروع سوريا الكبرى إذا كانت له صلة بشرقي الأردن. ولا يلام أحد في الحذر الذي يدعو إليه الدفاع عن النفس، وقد ذكرنا بعض ما يشغل الدولة السعودية، على وجه الإجمال، لنقول إنه حتى هذه الدولة التي تستطيع أن تكون في أمان من عدوان الدول الغربية عليها، لا تخلو مما يقلقها.

وعسى أن تكون سوريا هي الدولة العربية الوحيدة التي تثق بأن كل قوة أجنبية ستجلو عنها لا محالة، ولكن هذا الجلاء بمجرده لا يدعو إلى الاطمئنان، ولا يجعلها «تبيض وتصفر» كما يقول الشاعر القديم، أو تشعر بأنها في أمان من «صروف الحذر»، فإن الجلاء عنها لا يكفي، ولا بد من الجلاء عن لبنان أيضًا — بل عن فلسطين وشرقي الأردن والعراق كذلك — لتطمئن؛ لأنه يسهل الزحف عليها من كل بلد من هذه البلاد، وفي وسع أي قوة جوية أجنبية مرابطة في أحد هذه البلدان أن تكون مصدر قلق دائم لها، وعنصر ضغط يقع عليها كلما بدا لصاحب هذه القوة أن يضغط، وقد خلق الفرنسيون مشكلتين: إحداهما هينة هي نقل بعض البلاد السورية إلى لبنان، وإدخالها في حوزتها، وليس لهذا قيمة حقيقية، فإن لبنان وسوريا جارتان متعاونتان في السراء والضراء، وليس بينهما جوازات أو جمارك أو غير ذلك مما يكون بين الدول المستقلة المتجاورة، وبيروت ودمشق كأنهما عاصمتان لأمة واحدة، والتعاون بين الدولتين يصح أن يكون نموذجًا أو مثالًا تحتذيه الأمم العربية قاطبة. وقد أغضت سوريا عما اقتطعه الفرنسيون وألحقوه بلبنان، واعترفت للبنان باستقلاله وبحدوده الحاضرة، وكان هذا عين الحكمة، فإنها أخذت على الدس بين الأمتين متوجهه، وحالت دون خلاف لا موجب له مع قيام هذا التعاون الوثيق، والتآخي الصادق.

أما المشكلة الأخرى فأمرها أعسر، ونعني بها مشكلة الإسكندرونة، فقد نزل عنها الفرنسيون لتركيا بغير حق، أولًا لأنها عربية وقد أثبت الاستفتاء ذلك، وثانيًا لأن الفرنسيون لا يملكون أن يقطعوا تركيا أرضًا ليست لهم، وقد رأيت برأس عيني قومًا من عرب هذه المنطقة هاجروا منها إلى سوريا، وآثروا أن يعيشوا على نحو ما فيها، على أن يكونوا أتراكًا، وقد اعترفت تركيا باستقلال سوريا بلا قيد بعد تلكؤ طويل، ولكن هذه المشكلة ستظل قائمة حتى يُرَدَّ الحق إلى صاحبه.

وثم مشكلة ثالثة خلقها الفرنسيون، وهي إثارة النعرة الطائفية والإقليمية في بلدان سوريا التي مزقوا أوصالها وجعلوا منها عدة دويلات، فأما النعرة الإقليمية فقد تكفل الإخلاص للوطن بمكافحتها، وأما النعرة الطائفية فإنها تُعالَج بحكمة وحزم، على الرغم من الدسائس المستمرة.

والدسائس في سوريا أنواع وضروب، منها ما يرمي إلى إثارة النعرة الطائفية، ومنها ما يحض على السخط على كل حكومة تقوم، ومنها ما يروج للنظام الملكي، وهو ما يزهد فيه الجمهور الأكبر من السوريين، ومنها ما يدعو إلى مشروع سوريا الكبرى، وهو مشروع تتولاه طوائف شتى، فيها المخلص، وفيها الذي يسعى للإيقاع بين سوريا ولبنان، وفيها الذي يخدم الصهيونية؛ فأما المخلصون فلا ضير منهم ولا خوف، لأن من الممكن إقناعهم، وأما الدساسون من ناحية وخدَّام الصهيونية من ناحية أخرى فهم البلاء والداء العياء، ولبنان على حق في النفور من هذا المشروع، والسوريون العقلاء على حق في السخط على الساعين له، فحسبهم متاعبهم، وليس ينقصهم أن يضيفوا إليها متاعب سواهم، وهم لا يرضون عن النظام الملكي، ولهم رأيهم في ذلك وهم أحرار فيما يختارون لأنفسهم، وليس من مصلحة سوريا، قبل أن يُقضى على الخطر الصهيوني، أن تُضم إليها فلسطين، أما بعد ذلك فلا بأس إذا شاء الشعبانِ ذلك.

وتلا ذلك مشاكل لبنان، وهي عديدة، وكلها مما خلق الفرنسيون الذين يتلكئون في الجلاء ويؤخرونه، عسى أن يحدث ما يمكِّنهم من البقاء، وما دامت قوة أجنبية مرابطة في بلد ما، فلا استقلال بالمعنى الصحيح لهذا البلد، وقد عرفت البلاد العربية كلها — فيما عدا الدولة السعودية — هذه الحقيقة بالتجربة المُرَّة، على أن لبنان يعاني مشاكل أخرى شتى، مما أورثه الانتداب الفرنسي، مثل إرباء الموظفين على الحاجة، ومثل ضعف التعليم الحكومي، وما يتصل به من الإشراف عليه والتوجيه له، وتدبير أموره على العموم، ومثل الكيد للغة العربية، كيدًا يستتر حينًا ويسفر حينًا، غير أن هذا كله يهون أمره إذا جلا الفرنسيون عن البلاد، واستطاع أهلها أن يستقلوا بأمرهم استقلالًا حقيقيًّا، فإنهم من أذكى شعوب العالم وأنشطهم وأوسعهم حيلة.

ثم تجيء مشكلتا العراق ومصر، وهما متشابهتان من وجوه ومختلفتان من وجوه، فأما وجه التشابه فهو أن معاهدتي التحالف بينهما وبين بريطانيا تخول بريطانيا أن تكون لها قوة حربية ترابط في كلا البلدين، فمطلب الدولتين هو الجلاء. فأما مصر فإن من الممكن أن تجلو عنها بريطانيا إلى فلسطين وقبرص، أو إحداهما، وأما العراق فمن الميسور أن تجلو عنه القوة الجوية البريطانية إلى شرقي الأردن مثلًا، أو فلسطين، فتكون في إحداهما كأنها في العراق، ولست ممن يقرون هذا الجلاء إلى فلسطين أو شرقي الأردن؛ لأن مبتغانا هو استقلالها الصحيح، ولكني أذكر هذا على أنه — في الوقت الحاضر — مما يعين على الجلاء السريع عن العراق ومصر، غير أن المعضلة هي أن بريطانيا تخاف روسيا، وبريطانيا دولة عظيمة، وما زالت تسمى «بريطانيا العظمى»، ولكنها في الحقيقة دولة صغيرة فقيرة، لا تستطيع أن تحيا بغير مستعمراتها التي تستورد منها المواد الأولية اللازمة لصناعاتها، والتي تتخذ منها أسواقًا لمصنوعاتها، وقد أفقدتها النهضة الصناعية العالمية منزلتها التي كانت تتبوؤها، والتي كانت تجعل لها السيطرة على تجارة العالم؛ ومن أجل هذا تخاف روسيا والولايات المتحدة، في آن معًا، ومن أجل هذا تحاول أن تحتفظ بصداقة الولايات المتحدة، وتأييدها لها في سياستها إذا استطاعت، ليتسنى لها أن تقاوم روسيا، فما لها أمل في مقاومة روسيا بغير معونة الولايات المتحدة، كما لم يكن لها أمل في كسب الحرب بغير هذه المعونة. وهنا أروي ما حدثني به أحد زعماء العرب، وكان رئيسًا لأحد الوفود العربية في مؤتمر فلسطين الذي عُقِد في لندن في سنة ١٩٣٨، وقد سألت غيره من رؤساء الوفود العربية فأيَّد لي الرواية، وخلاصتها أن المستر تشمبرلن رئيس الوزارة البريطانية في ذلك الوقت دعا رؤساء هذه الوفود وقال لهم:

«إن الحكومة البريطانية مقتنعة بعدالة القضية العربية، ولكن الجو الدولي مكفهر، ومن المتوقع أن تنشب الحرب مع ألمانيا، فإذا نشبت فلا معدى لنا عن معونة أمريكا وإلا خسرنا الحرب، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإرضاء اليهود، ونحن ننوي أن ننصفكم، ولكن الإنصاف لن يكون مائة في المائة، فأرجو أن تعينونا وتقبلوا ما قدرنا عليه، وتعذرونا حتى تتغير الأحوال ويتيسر الإنصاف الكامل.»

وقد قصصت هذه القصة لأقول إن بريطانيا لا تستطيع أن تثق بالنجاة إلا إذا ضمنت معونة أمريكا، ولعل هذا هو السبب فيما نرى من محاسنة الصهيونيين في فلسطين، على الرغم من بطشهم وفتكهم بالإنجليز ومنشآتهم فيها، ولو يئس الإنجليز من معونة أمريكا لما عبئوا شيئًا باليهود!

والخوف من روسيا هو الذي سيحمل بريطانيا في مفاوضتها لمصر والعراق على الاجتهاد في إقناع البلدين بإبقاء قوة ما فيهما، فإن تعذر عليها ذلك، فستحاول أن تستبقي قوة لها في شرقي الأردن، وفلسطين أيضًا.

على أن الجلاء ليس هو المشكلة الوحيدة، فإن لمصر مطلبًا آخر وهو وحدة وادي النيل، وقد حاولت بريطانيا أن تُوجِد تيارًا جديدًا في السودان غايته الانفصال عن مصر، فلما كانت حوادث ٢١ فبراير الماضي، إذا بالسودان تقوم فيه المظاهرات الشعبية منادية «بالجلاء ووحدة وادي النيل»! وهكذا هبطت مساعي الإنجليز منذ أكثر من أربعين سنة! ولكن هذا لا يمنع أن نقول إن هذه المشكلة هي أعقد ما بين مصر وبريطانيا، وإنْ كنا لا نعرف سببًا جديًّا يدعو الإنجليز إلى التمسك بالسودان والاستئثار به، ولا سيما بعد أن صارت إيطاليا دولة مأمونة، وليس هناك ما يمنع من تعاون رءوس الأموال المصرية والبريطانية على استثمار موارده الطبيعية، ولا سيما في الجنوب، ولكنها العقلية الاستعمارية الموروثة من القرن التاسع عشر!

ويعاني العراق من مشاكل داخلية شتى، لا من الطائفية، بل من تعدد الأجناس، ومن فشو الأمية — كما هو الحال في مصر — ومن قرب العراق من روسيا.

غير أن مشاكل العراق ومصر الداخلية ثانوية، وليس فيها ما يستعصي على الحل إذا تخلصتا من الإصبع الأجنبي الذي يندس في شئونهما علانية أو سرًّا، كلما حلا له ذلك، والذي يحول فيهما دون التطور الطبيعي لنظام الحكم، ودون المضي في مشروعات الإصلاح والتعمير واطراد خطوات التقدم.

ويبقى شرقي الأردن، وقد مدت بريطانيا الانتداب إليه من فلسطين، وهي تجود الآن عليه بالاستقلال، ولا شك أنها تريد أن تتقاضى ثمنه، وأن تتخذ منه أداة لحل بعض المشاكل التي تواجهها في مصر والعراق، وقد تحاول أن تتخذ منه أداة لضرب بعض البلاد العربية ببعض، فقد كانت تحسب أن جامعة الدول العربية ستكون ألعوبة في يدها، فنَبَتِ الجامعة بهـا، ولم يسلس عِنانهـا لها، ولكن البيت الهاشمي أذكى من ذلك وأرشد.

وقد قيل كلام كثير عن انضمام شرقي الأردن إلى العراق، وليس في كل ما قيل إلى الآن ما يزيد على ما بين سوريا ولبنان من التعاون والتكافل، وهَبْه زاد فإن كل اتحاد بين الدول العربية يكون مدعاة اغتباط، وباعثًا على الترحيب، أليست غاية العرب آخِر الأمر أن يكونوا أمة واحدة؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.